ليبيا

«أرحومة»: «المركزي» فرّط في السيادة المالية وأسند صلاحياته لجهة خارجية

قال الخبير في نظام الاعتمادات ومكافحة غسيل الأموال، رياض أرحومة، إن ملف الاعتمادات المستندية في ليبيا يمثل تهديدًا اقتصاديًا خطيرًا للدولة، مؤكدًا أن الغش فيها لا يُعد مجرد خطأ تقني، بل جريمة تؤثر سلبًا على المال العام.

وأوضح «أرحومة»، في حديث لقناة «ليبيا الأحرار»، أن المشكلة تبدأ من إدارة المصارف الليبية نفسها، حيث أدت قلة الكوادر المؤهلة والإهمال في تطبيق إجراءات إدارة المخاطر إلى تفاقم عمليات الغش، مشيرًا إلى أن هذه العمليات غالبًا ما ينفذها الموردون في الخارج دون تحقق كافٍ من هويتهم أو المستندات المقدمة.

وأضاف أن مصرف ليبيا المركزي أصدر مناشير لتنظيم الاعتمادات المستندية وفق معايير دولية، تشمل التحقق من هوية المستفيد وفحص المستندات، وإلزام البنوك بالاستعانة بشركات تفتيش لمراقبة الجودة والأسعار قبل شحن البضائع، ومع ذلك، أشار إلى أن هذه الإجراءات لم تُطبق على أرض الواقع، ما خلق ثغرات واسعة في النظام.

كما أرجع أرحومة، استمرار الفساد إلى الواقع السياسي والانقسام المؤسسي في ليبيا، بالإضافة إلى ضعف الدولة وعجز المصارف عن الرقابة، مؤكدًا أن الحلول موجودة، لكنها تتعثر بسبب الإهمال والتقصير في التنفيذ.

وأضاف: “الحلول ليست غائبة، لكن غياب الإرادة والتقصير سمح بتشكل بلوكات فساد متعددة، بما في ذلك مساهمات خارجية ساعدت على تفاقم الفساد”.

وحول دور النيابة العامة، شدد على أنها تأخرت بشكل ملحوظ في حماية الأموال العامة والخاصة، مؤكدًا أن المصالحات التي تمت مع بعض رجال الأعمال لم تمنعهم من ارتكاب المزيد من المخالفات، ما يمثل خطرًا على الدولة وليس على الاقتصاد وحده.

وأوضح أن المصارف المركزية والمؤسسات الرقابية لم تمارس حقها القانوني في تجميد الحسابات المخالفة، ما سمح باستمرار الفساد لسنوات دون مساءلة المسؤولين الكبار.

وأشار إلى أن الاتفاقيات مع شركات التفتيش والاستشارات الدولية، كانت تهدف لتعزيز قدرات البنوك على متابعة الاعتمادات المستندية، إلا أن التنفيذ الواقعي كان شبه معدوم بسبب نقص الكوادر المؤهلة وانقسام المؤسسات.

وأضاف قائلاً: “حتى لو كانت اللوائح موجودة، الواقع في ليبيا جعل تطبيقها مستحيلاً، وأدى إلى هدر أموال عامة بطريقة غير مسبوقة”.

وحذر من خطورة ما وصفه بـ”تفريط المصرف المركزي في السيادة المالية” عبر إسناد صلاحيات واسعة لشركة أجنبية، معتبرًا أن هذا التوجه فشل إداري أدى إلى الوصول إلى مرحلة حرجة في إدارة الاعتمادات، مبيناً أن التعاقد مع شركة (K2 Integrity) كان كاملًا وليس جزئيًا، ما أثّر على الاستفادة الحقيقية وطرح تساؤلات حول السيادة وحماية البيانات المالية للدولة.

ولفت إلى أن التفويض الإداري لا يعني التنازل عن المسؤولية، مشددًا على أن المصرف المركزي هو المسؤول الأول عمّا آل إليه وضع الاعتمادات المستندية، في ظل غياب تدخل فعال من النيابة العامة، التي كان يفترض أن تتخذ إجراءات رادعة منذ سنوات.

كما اعتبر أن مستوى الفساد الحالي يجعل استمرار العمل بنظام الاعتمادات والتتبع بالشكل القائم غير مجدٍ، مؤكداً على ضرورة التعاقد الشفاف مع شركات تفتيش عالمية معروفة بشروط محددة من حيث المدة والقيمة والاختصاص.

وتساءل أرحومة، عن ملكية شركة (K2 Integrity) ومواقع خوادمها، وحدود وصولها إلى البيانات المالية الليبية، محذرًا من أن منحها هذه الصلاحيات بعد سنوات من معاناة الليبيين يمثل خطرًا يفوق التوقعات.

كما دعا إلى مساءلة المسؤولين الكبار وإعادة هيكلة النظام الرقابي للبنوك والمؤسسات العامة، مع تعزيز دور النيابة العامة لضمان عدم تكرار التجاوزات.

وختم أرحومة تصريحاته بالقول إن الأزمة الحالية هي نتيجة مباشرة لسياسات المصرف المركزي، مشيرًا إلى أن بعض المناشير، مثل السماح بالاعتمادات المتقابلة، فتحت أبوابًا واسعة للغش، داعيًا إلى مراجعة شاملة للسياسات النقدية والرقابية قبل فوات الأوان، لضمان حماية المال العام واستعادة الثقة في النظام المالي الليبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى