ليبيا

الجيباني: ارتفاع الدولار نتيجة اختلالات هيكلية وسياسات اقتصادية متعثرة

قال أستاذ الاقتصاد بجامعة درنة، الدكتور صقر الجيباني، إن الارتفاع الحاد في سعر صرف الدولار مقابل الدينار الليبي لم يكن مفاجئًا، بل كان متوقعًا في ظل استمرار الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني.

وأوضح الجيباني، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، أن تحميل جهة واحدة مسؤولية الأزمة في سوق الصرف يُعد تبسيطًا مخلًا، مشيرًا إلى أن المشكلة تتشكل ضمن بيئة سياسية واقتصادية معقدة، أبرزها الانقسام السياسي والانفلات في السياسات العامة، إضافة إلى عوامل خارجية مرتبطة بتراجع الإيرادات، رغم أن أسعار النفط لا تزال تتجاوز ستين دولارًا للبرميل.

وأكد أن السبب الجوهري لارتفاع الدولار يكمن في الضغط الكبير على النقد الأجنبي نتيجة الطلب المتزايد، موضحًا أن هذا الطلب لا ينشأ فقط من بطء تدخل المصرف المركزي، بل من فشل السياسات الاقتصادية المتعاقبة في استقطاب العملة الأجنبية وإعادة الثقة في الدينار الليبي.

وأضاف أن ضعف العملة المحلية دفع التجار والمواطنين إلى اكتناز الدولار والتحول إلى المضاربة في السوق الموازي، ما أدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة من التضخم المرتفع الناتج عن ربط الدينار بسعر الصرف، وهو ما يُعد ضريبة غير مباشرة يتحملها المواطن، خصوصًا أصحاب الدخل الثابت والمحدود من موظفين وأصحاب معاشات.

وأشار الجيباني إلى أن هذه الفئات تتحمل عبئًا مزدوجًا نتيجة سياسات سعر الصرف من جهة، واحتمال فرض ضرائب إضافية من مجلس النواب من جهة أخرى، ما يجعل الاقتصاد الليبي هشًا وخطيرًا.

وشدد على أن الاقتصاد الليبي ليس اقتصاد ضرائب، داعيًا إلى البحث عن حلول بديلة، أبرزها ضبط الإنفاق العام، والالتزام بالقوانين التي تحد من توسع المصرف المركزي في تمويل الحكومة إلا ضمن ضوابط واضحة، مع تعزيز التنسيق بين المصرف المركزي ووزارتي الاقتصاد والمالية، وإعداد موازنة افتراضية واقعية للحد من الفساد الناتج عن الاعتمادات المستندية الوهمية خلال السنوات الماضية.

ولفت الجيباني إلى أن الطلب على النقد الأجنبي في السوق الموازي لا يعود فقط إلى ندرة المعروض، بل أيضًا إلى حجم الطلب الهائل الناتج عن عدة عوامل، منها استنزاف العمالة الأجنبية لما يقارب 7 مليارات دولار سنويًا، ونشاط السوق السوداء وعصابات الجريمة والاتجار بالبشر، إضافة إلى تراكم كميات كبيرة من الدولار لدى كبار التجار منذ سنوات الاعتمادات الوهمية، وتحول شريحة واسعة من المواطنين إلى مضاربين في السوق الموازي لتغطية احتياجاتهم المعيشية.

وأكد أن مواجهة السوق الموازي لا تقتصر على الاحتواء، بل تتطلب حربًا نقدية حقيقية تهدف إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، نظرًا لأن استمرار هذه الفجوة يجعل المضاربة من أكثر الأنشطة ربحًا وأقلها مخاطرة. وأوضح أن القضاء على السوق الموازي يحتاج إلى تفعيل أدوات السياسة النقدية التي غابت منذ عام 2014، إلى جانب استعادة فاعلية آلية العرض والطلب وتحقيق تنسيق حقيقي بين السياسات النقدية والمالية والتجارية.

وختم الجيباني حديثه بالتنويه إلى أن الإنفاق العام لا يزال مرتفعًا بشكل مقلق، موضحًا أن بند المرتبات بلغ نحو 73 مليار دينار، بينما يصل الدعم إلى عشرات المليارات، ما يجعل إجمالي الإنفاق يتجاوز 100 مليار دينار. ودعا إلى البدء بإصلاح منظومة الدعم من القاعدة، مع توجيهها إلى مستحقيها من ذوي الدخل المحدود، مؤكدًا أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن ينطلق من حماية الفئات الضعيفة وإعادة بناء الثقة في العملة الوطنية قبل فرض أعباء جديدة على المواطن.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى