«الصافي»: تعديل سعر الصرف خيار أقل ضررًا من استنزاف الاحتياطيات

قال الخبير الاقتصادي، محمد الصافي، إن الأزمة التي يعاني منها الدينار الليبي وارتفاع سعر الدولار تعود في جوهرها إلى اختلالات مالية عميقة، وليست نتيجة سياسات نقدية بالمعنى الأكاديمي المتعارف عليه، موضحًا أن السبب الرئيسي يكمن في الإنفاق الحكومي المفرط وغير المنضبط.
وأضاف «الصافي»، في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، أن الأزمة يمكن تقسيمها إلى شقين: المصدر الأساسي للمشكلة، وطريقة التعامل الخاطئة معها في ظل وجود حكومتين تنفقان في الوقت نفسه، شرقًا وغربًا، ما أدى إلى تجاوز إجمالي الإنفاق العام حاجز 200 مليار دينار ليبي، وهو رقم يفوق بكثير الإيرادات النفطية والإيرادات الأخرى مثل الضرائب والجمارك.
وأوضح أن إنفاق الدولة يفوق دخلها بشكل واضح، ما يفرض البحث عن وسائل لسد العجز، وهي وسائل تمارس ضغوطًا كبيرة على الدينار الليبي، وتضعف قدرة مصرف ليبيا المركزي على تغطية الالتزامات.
وبيّن أن أحد الخيارات يتمثل في السحب من الاحتياطيات، وهو خيار قد يكون مقبولاً فقط في حال وجود خطة طويلة الأجل لضبط المالية العامة، أما في غياب هذه الخطة فإن الأمر يتحول إلى استنزاف خطير للاحتياطيات.
وتابع: الخيار الآخر، وهو اللجوء إلى الدين العام أو خلق النقود من العدم، واصفًا هذا الخيار بأنه من أخطر الممارسات التي تدمر الاقتصاد الليبي.
ولفت إلى أن هذا النهج بدأ منذ عام 2014، حيث لجأت الحكومات المتعاقبة إلى إصدار دينارات إلكترونية داخل المنظومة المصرفية، يتم تداولها كعملة حقيقية دون غطاء إنتاجي أو نقدي، ما ساهم بشكل مباشر في تفاقم أزمة الدولار.
وأكد أن جوهر الأزمة سياسي بالدرجة الأولى، مشيرًا إلى أن المصرف المركزي، حتى وإن توحد على مستوى مجلس الإدارة، لم يتوحد فعليًا على مستوى المنظومة المصرفية.
ونوه بأن جزءًا كبيرًا من الاحتياطيات الليبية، يقدّر بنحو 20 مليار دولار، موجود في الذهب، مشيرًا إلى أن هذا الذهب يحقق عائدًا محاسبياً فقط من خلال إعادة التقييم، وليس عائدًا فعليًا، إذ لا يتحقق الربح إلا عند بيع الذهب، وهو خيار غير مطروح حاليًا.
وأوضح أن جزءًا آخر من الاحتياطيات، يبلغ نحو 20 مليار دولار، مستثمر ضمن محافظ مالية يديرها المصرف المركزي، موضحًا أن هذه الاستثمارات حققت في السابق عوائد مهمة، حيث وُضع نحو 17 مليار دولار نتج عنها ما يقارب 28 مليار دولار من الأرباح والفوائد.
كما أكد أن إجمالي الاحتياطيات الخاضعة للإدارة يبلغ نحو 60 مليار دولار، مشيرًا إلى أن أسعار الفائدة بعد الحرب الأوكرانية وصلت إلى 6%، ما يعني تحقيق أرباح سنوية تتراوح بين 4 -3″” مليارات دولار.
وقال الصافي إن المصرف المركزي في الإدارات السابقة لم يكن يمول الميزانية العامة مباشرة من أرباح الاحتياطيات التزامًا بالقانون، بل اعتمد على أرباح الاحتياطيات – دون المساس بأصلها – لتمويل بعض أوجه العجز، خصوصًا ما يتعلق بتمويل عجز ميزان المدفوعات، موضحًا أن ذلك موثق في تقارير المصرف المركزي.
وبخصوص سياسة تخفيض قيمة الدينار، قال إن المصرف المركزي واجه عجزًا مستمرًا في ميزان المدفوعات بسبب الإنفاق الحكومي غير المنضبط، مؤكدًا أن “أمّ المشاكل” في الاقتصاد الليبي هي الإنفاق العام، وأن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تكرار الأزمة سنويًا.
وأردف: أن المصرف حاول ضبط المالية العامة عبر اتفاقات مع الجهات التشريعية والتنفيذية، إلا أن غياب التوافق على ميزانية التنمية وعدم توفر ضمانات حكومية دفعه إلى تعديل سعر الصرف، معتبرًا هذا الخيار أقل ضررًا مقارنة باستمرار سحب الاحتياطيات بلا سقف زمني.
وحذّر الصافي، من تفاقم الأزمة المالية، مؤكدًا أن ليبيا تمر بمرحلة اقتصادية حرجة تتطلب وجود كادر اقتصادي متخصص، وليس الاقتصار على المحاسبين في مواقع صنع القرار المالي والاقتصادي.
وأشار إلى أن المشهد الاقتصادي الليبي اليوم يسيطر عليه العقلية المحاسبية، مشددًا على أن وزارة المالية والاقتصاد والتخطيط والمصرف المركزي تُدار غالبًا بواسطة محاسبين، وهو خلل هيكلي خطير، إذ لا تؤهل المحاسبة وحدها لإدارة الاقتصاد الكلي أو الأزمات المركبة.
وأكد أن الدولة لا تستطيع الاستمرار في الإنفاق بما يفوق قدراتها، معتبرًا أن ما يسمى حاليًا بـ«سياسات التقشف» ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة اقتصادية في ظل اقتصاد «مرتفع الحرارة» لا يحتمل الإنفاق العشوائي.
وبينّ أن المشكلة ليست في الإنفاق نفسه، بل في غياب الضوابط، مشددًا على أن استمرار الحكومات في الصرف دون مراعاة الإمكانيات سيؤثر مباشرة على المواطنين، في ظل أزمة مالية خانقة.
ودعا الصافي، المجتمع المدني وكافة المكونات لممارسة ضغط واعٍ وسلمي على الحكومات، مطالبًا بوقف الإنفاق غير المدروس والالتزام بالصرف وفق الموارد المتاحة، تفاديًا لتكرار الأخطاء السابقة التي فاقمت الوضع الاقتصادي.









