ليبيا

الفيتوري: لا توجد سياسة إصلاح حقيقية.. وخفض الدينار عمّق الأزمة

قال الخبير الاقتصادي عطية الفيتوري، إن ليبيا لا تمتلك أي سياسة إصلاحية حقيقية في الوقت الراهن، محذرًا من أن قرار خفض قيمة الدينار الليبي الأخير جاء بنتائج عكسية، إذ ساهم في تعميق الأزمة الاقتصادية وزيادة فجوة الثقة في العملة الوطنية.

وأوضح الفيتوري، في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، أن تخفيض قيمة الدينار بنسبة “14.7%” لم يعالج الفجوة كما رُوّج له، بل أدى إلى اتساعها، مؤكدًا أن المواطنين وأصحاب رؤوس الأموال فقدوا ثقتهم بالعملة الوطنية، ما انعكس في ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية، خاصة الدولار. وأضاف أن أصحاب المدخرات بالدينار تكبدوا خسائر كبيرة، ويفضل كثير منهم تحويل مدخراتهم إلى الدولار أو اليورو لتفادي المزيد من الخسائر المحتملة.

وأشار الفيتوري إلى أن الطلب على الدولار لا يقتصر على المواطن العادي، بل يشمل أصحاب الأموال والتجار والصناع، الذين يقومون بتحويل مبالغ كبيرة نتيجة استمرار حالة عدم الاستقرار في السياسات النقدية وغياب الثقة.

وانتقد ما وصفه بـ “السياسة العكسية” التي انتهجها مصرف ليبيا المركزي، موضحًا أن الخيار الأنسب كان الإبقاء على ضريبة مؤقتة على النقد الأجنبي، بدل اللجوء إلى خفض دائم لقيمة الدينار، إذ إن التخفيض يُعد اعترافًا صريحًا بوجود أزمة هيكلية، بخلاف الضريبة المؤقتة التي يمكن التراجع عنها. وأشار إلى أن هذا التخفيض هو الثاني خلال أقل من تسعة أشهر، مما يعكس تفاقم الأزمة بدل احتوائها، ويزيد من حدة المخاوف في السوق.

وحذر الفيتوري من أن خفض قيمة الدينار سيؤدي مباشرة إلى زيادة الإنفاق العام، نظرًا لأن جزءًا كبيرًا من مصروفات الدولة يتم بالعملة الأجنبية، بما في ذلك المشروعات الحكومية ورواتب العاملين في الخارج، إضافة إلى نفقات العلاج والدراسة. كما توقع أن تطالب شرائح واسعة من الموظفين برفع مرتباتهم لمواجهة تآكل القوة الشرائية، ما يزيد الأعباء على الميزانية العامة.

وتساءل الفيتوري عن الأسس التي تُتخذ عليها هذه القرارات، معربًا عن استغرابه من استمرار السياسات الخاطئة دون رؤية إصلاحية واضحة أو استراتيجية اقتصادية شاملة. وأكد أن تثبيت سعر صرف الدينار، حتى مع زيادة الدين العام، يظل أقل ضررًا من خفض قيمة العملة، موضحًا أن الاقتصاد الليبي يواجه معضلة بين خيارين سلبيين: إما السماح بزيادة الدين العام مع الحفاظ على قيمة الدينار، أو خفض قيمة العملة المحلية مع إبقاء الدين العام مستقراً، معتبراً الخيار الأول “الأقل سوءًا”.

وبينّ الفيتوري أن خفض قيمة الدينار يؤدي إلى ارتفاع التضخم، وتآكل القوة الشرائية، وانخفاض الدخل الحقيقي للمواطن، ما ينعكس سلبًا على مستوى المعيشة، ويسهم في تفاقم ظاهرة التهريب، خاصة تهريب الوقود، إذ جعل تثبيت أسعار المحروقات بالدينار الأرخص مقارنة بالدولار، ما شجع المهربين على زيادة نشاطهم.

وفي المقابل، شدد على أن زيادة الدين العام، رغم آثارها التضخمية، تظل أقل خطورة من خفض سعر الصرف، إذ يمكن معالجتها عبر سياسات مالية وضغوط يمارسها المصرف المركزي على الحكومات المتعاقبة لترشيد الإنفاق العام. وأوضح أن ضعف الإجراءات الحالية ساهم في تنامي المضاربة على الدينار، إذ يرتبط جزء كبير من الطلب على الدولار باكتناز العملات وتحويلها إلى الخارج للاستثمار أو الإيداع في مصارف أجنبية، وهو ما يغذي السوق الموازي ويزيد سعر الصرف خارج القنوات الرسمية.

ولفت الفيتوري إلى أن التخفيضات المتتالية للدينار أسهمت في ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار النفط مؤخراً يمثل عاملاً إيجابياً يمكن استثماره لتحسين الاستقرار المالي، شرط ضبط الإنفاق العام وتعزيز الثقة في السياسة النقدية.

وحذر من التضارب في بيانات وتصريحات المصرف المركزي، معتبرًا أن هذا الارتباك يعكس خللاً مؤسسياً في إدارة السياسة النقدية، وقد يؤدي إلى قرارات ذات كلفة عالية على الاستقرار المالي وقيمة الدينار. وأوضح أن العامل السياسي حاضر بقوة في المشهد الاقتصادي، خاصة في ظل الانقسام بين الشرق والغرب، ما يضع محافظ المصرف في موقف صعب يحاول فيه إرضاء أطراف متعددة، ما ينعكس على وضوح القرارات وتماسك الخطاب الرسمي.

وأكد الفيتوري أن المشكلة لا تتعلق بالاختلاف في الرأي داخل المؤسسات، بل في غياب الاتساق والشفافية، مشيراً إلى تصريحات متناقضة حول وضع المصرف المالي بين عجز وفائض وخطر على الدينار، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة لدى الرأي العام.

كما انتقد الدعوات للعودة إلى سياسة الميزانية الاستيرادية، واصفًا إياها بتجربة فاشلة تاريخياً، إذ ساهمت في تنشيط السوق السوداء وخلق فجوة كبيرة بين السعر الرسمي وسعر الصرف الموازي. وأكد أن أخطر ما فيها دفع الدولة نحو الديون الخارجية بالدولار وما يترتب عليها من فوائد وأعباء طويلة الأجل، في حين يمكن التعامل بسهولة أكبر مع الديون المحلية.

ورأى الفيتوري، إلى أن غياب خطاب اقتصادي موحد داخل المصرف المركزي وعدم وضوح الصورة أمام الرأي العام يعكس ضعف التنسيق المؤسسي أو غياب الشفافية، داعيًا المصرف إلى تقديم بيانات واضحة ومحددة حول الوضع المالي، بعيدًا عن التناقضات المتكررة.

وأوضح أن ليبيا لا تشهد أي إصلاح حقيقي، وأن المشكلات الجوهرية لا تزال قائمة، مثل أزمة السيولة، وتدنّي قيمة الدينار، وارتفاع التضخم، وتفاقم البطالة، واصفًا الوضع بأنه “مشكلة شاملة وخطيرة”. وأكد أن الحل لا يكمن في تحميل المواطن أعباء إضافية، بل في خفض تكاليف الحكومة، وإعداد ميزانية موحدة تراعي الإمكانيات الفعلية للدولة.

وفيما يخص جذور الأزمة، شدد الفيتوري على أن المشكلة سياسية بالأساس، وأن أي سياسة اقتصادية سليمة لا يمكن تطبيقها في ظل الانقسام السياسي، رغم إمكانية التخفيف من آثار الأزمة عبر سياسات نقدية واقتصادية مدروسة بقيادة مصرف مركزي يعتمد على خبرات اقتصادية حقيقية.

كما انتقد تركيبة مجالس الإدارة في المؤسسات الاقتصادية، مشيرًا إلى افتقارها للتنوع المهني واعتمادها المفرط على المحاسبين، مع غياب الخبراء الاقتصاديين، مما يؤدي إلى قرارات سطحية وخطاب عام لا يلامس جوهر المشكلات.

وختم الفيتوري بالدعوة إلى تثبيت سعر صرف الدينار لمدة لا تقل عن خمس سنوات، وتبني الرقابة الصارمة على الإنفاق العام والاعتمادات المستندية ومحاربة الفساد في مفاصل الدولة، لضمان استعادة الثقة بالاقتصاد والدينار الوطني.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى