زرموح: التلاعب بالاعتمادات المستندية والسلع يفتح باب الفساد

أكد الخبير الاقتصادي عمر زرموح أن الاعتمادات المستندية التي تنفذها الدولة خارج إطار لائحة العقود الإدارية ترتبط بأخطاء جسيمة وفروقات مالية كبيرة، مشددًا على أن اللجوء لآلية التكليف المباشر بدلًا من المناقصة العامة يثير شبهات تستوجب التحقيق.
وأوضح زرموح، في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، أن المناقصة العامة تُعد الأداة الأساسية لضمان النزاهة والشفافية، فيما يجب أن يُستخدم التكليف المباشر وفق شروط دقيقة نصت عليها لائحة العقود الإدارية، وليس بحسب رغبة الجهة المتعاقدة، محذرًا من أن أي تجاوز لهذه الضوابط يمثل مؤشرًا على خلل محتمل.
وبخصوص إعلان النيابة العامة عن استرداد “257” مليون دينار ليبي عبر ملفات الاعتمادات المستندية، أوضح زرموح أنه لا يمكن تحديد نسبة هذا المبلغ من الحجم الفعلي لما تم الاستيلاء عليه، لافتًا إلى غياب بيانات شاملة حول إجمالي الاعتمادات المستندية والجهات المعنية، مؤكدًا أن أي تقدير دقيق يحتاج إلى حسابات منهجية ووقت كافٍ.
وأشار إلى أن الإشكاليات تنطبق على جميع الاعتمادات المستندية، سواء تعلق الأمر بتوريدات الدولة من الخارج أو عبر التكليف المباشر، مؤكدًا أن هذه الآلية تمثل مشكلة فعلية تتعلق بالنزاهة، وتستدعي التحقيق، بغض النظر عن نوع السلع أو القطاع المعني.
وحذر زرموح من أن القطاع الخاص ليس بمنأى عن هذه الممارسات، خاصة في ظل تعدد أسعار الصرف، حيث يخلق هذا الوضع بيئة خصبة لتزييف الفواتير وتهريب العملة الصعبة، وهي ممارسات شائعة في مثل هذه الظروف الاقتصادية. وأضاف أن هذه التصرفات لا تبررها القوانين، وأن أي تحقيق أرباح – سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة – يظل خاضعًا لرقابة السلطات المختصة لضبط المخالفات والحدّ من آثارها على الاقتصاد.
ولفت إلى أن تأثير فجوة أسعار الصرف يمتد إلى توريدات القطاع العام أيضًا، حيث يتم أحيانًا الاتفاق مع الموردين الخارجيين على تسجيل أسعار أعلى من السعر الحقيقي، ما يسمح بتحويل مبالغ إضافية إلى الخارج، في حين تُودَع الفروق في حسابات خاصة بطرق غير قانونية. مؤكداً أن الحل الجوهري يكمن في إغلاق فجوة سعر الصرف وتعزيز الرقابة والشفافية.
وحول اكتشاف المخالفات، أوضح زرموح أن الموظفين الصغار يلعبون الدور الأبرز في كشف التجاوزات، كونهم المسؤولين عن التفتيش الفعلي للحاويات والبضائع، بينما غالبًا ما تكون الإجراءات الورقية مستوفاة شكليًا على مستوى القيادات العليا. لافتاً إلى أن بعض الشحنات التي يُعلن عنها على أنها مواد غذائية، أو سلع محددة، تبين لاحقًا أنها محملة بمواد مختلفة تمامًا، ويُكتشف هذا التلاعب غالبًا على يد المفتشين الميدانيين.
واقترح الخبير الاقتصادي، تغيير نقاط وأوقات التفتيش بشكل مفاجئ لضمان عدم التنسيق المسبق بين الموردين وموظفي التفتيش، مؤكدًا ضرورة سرية هوية المفتشين كإجراء احترازي، دون افتراض سوء نية، والتأكيد على تطبيق القوانين بحزم لتكون رادعًا يمنع تكرار التجاوزات، محذرًا من أن الإعفاءات والوساطات تشجع على إعادة المخالفات.
وأكد أن نظام التتبع الشامل يمثل أداة أساسية لضبط منظومة التوريد، وأن أي معارضة له غالبًا تعكس مصالح شخصية لمن يسعى لتحقيق مكاسب غير مشروعة، بينما يستفيد الموظف أو التاجر النزيه من تنظيم العمل وضبط الإجراءات.
وشدد زرموح، على أن معالجة الفساد يجب ألا تقتصر على معاقبة المخطئين فقط، بل تشمل البحث عن الأسباب الجذرية للمشكلة، مثل فجوة سعر الصرف وسعي بعض التجار لتقليل الجودة أو الكمية لتحقيق أرباح أعلى.
وأعلن دعمه لإجراءات وزارة الاقتصاد المتعلقة بمراقبة الجودة والكمية، مؤكدًا أنها ضرورية لضمان توريد سلع أساسية مطابقة للمواصفات، وأن مقاومتها تعكس تضارب مصالح، بينما الموظفون والتجار المهنيون ملتزمون بتطبيق القانون وحماية المصلحة العامة.
وبشأن قطاع المحروقات، كشف زرموح أن المؤسسة الوطنية للنفط بدأت تطبيق نظام المبادلة أواخر عام 2020 خلال حكومة الوفاق، محذرًا من خطورة هذا الإجراء، الذي استمر حتى نهاية 2025م، رغم التعليمات بوقفه في مارس من نفس العام، ما يثير تساؤلات حول أسباب عدم الالتزام بذلك.
وبمقارنة أرقام النائب العام حول إنفاق 8 إلى 9.5 مليار دولار على المحروقات مع بيانات ديوان المحاسبة لعام 2019، التي بلغت نحو 4.2 مليار دينار “حوالي 3 مليارات دولار”، رأى زرموح أن هذا يشير إلى تضاعف غير مبرر في حجم الإنفاق، معتبرًا الزيادة كبيرة، ولا يمكن تفسير الأمر بعوامل طبيعية، حتى مع الزيادة المحدودة في الاستهلاك.
وبيّن أن فتح التحقيقات يشمل سنوات سابقة، مؤكدًا أن هذا الملف نموذج صريح للفساد الإداري المستشري داخل مؤسسات الدولة، والذي يعود جزئيًا إلى الانقسام السياسي والاضطرابات، حيث تتحمل الفئات المتضررة في النهاية كلفة القرارات الخاطئة.
ورأى أن التهريب ساهم في تضخم الأرقام واستنزاف الموارد، دون انعكاس واضح على السوق المحلية، مؤكدًا أن بيانات مصرف ليبيا المركزي لعام 2025 تظهر توريدات المحروقات مسجلة بصفر طوال العام، ما يطرح تساؤلات حول مصير العائدات المالية.
وختم زرموح بالتأكيد على أن استفحال الفساد يعود إلى غياب الردع والمساءلة، حيث يشجع غياب العقاب على استمرار هذه الممارسات وتوسعها، مطالبًا بتطبيق القانون بشكل صارم لحماية المال العام وضمان الشفافية.









