ليبيا

بومطاري: شبكات محلية ودولية تعبث بالمال العام عبر الاعتمادات الوهمية

قال وزير المالية الأسبق، فرج بو مطاري، إن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها النائب العام الصديق الصور بشأن الفساد شكّلت مفاجأة للرأي العام الليبي، ليس فقط لما تضمنته من معلومات بالغة الخطورة، بل أيضًا لتوقيتها ودلالاتها السياسية والمؤسسية، مؤكدًا أن هذه التصريحات تمثل نقطة تحول في التعامل مع ملفات الفساد الكبرى داخل الدولة.

وأوضح بومطاري، في حديث لتلفزيون “المسار”، ورصدته “الساعة 24” أن خروج المستشار الصديق الصور، ومخاطبة الرأي العام يحمل عدة رسائل واضحة ومباشرة، أولها موجهة إلى مؤسسات الدولة، ومفادها أن النيابة العامة استنفدت كامل صلاحياتها القانونية، وتحركت ضمن الأطر التشريعية المتاحة، ونجحت في توقيف عدد من المتورطين وإيداعهم السجن، إلا أن هناك أطرافًا أخرى ما زالت تعرقل مسار الإصلاح وتقاوم أي محاولة حقيقية لبناء الدولة.

وأضاف أن الرسالة الثانية كانت موجهة إلى الشعب الليبي، حيث أكد النائب العام – بحسب بومطاري – أن هناك فئات معروفة تعارض قيام الدولة نفسها، وأن هذه الأطراف أصبحت اليوم تحت أعين النيابة العامة، ومعروفة بالاسم والموقع، ولم تعد في مأمن من المساءلة القانونية.

أما الرسالة الثالثة، فقد كانت موجهة مباشرة إلى الأطراف المتنفذة داخل منظومة الفساد، ومضمونها أن مرحلة العمل في الظل انتهت، وأن أي ممارسات مخالفة للقانون ستكون محل مساءلة ومحاسبة دون استثناء.

وقال بومطاري أن تحركات النائب العام تأتي في إطار صلاحياته القانونية، وعندما أدرك أن الأدوات المتاحة لم تعد كافية لمعالجة حجم وتعقيد المشكلة، اختار إبلاغ الرأي العام بوجود خلل خطير يتطلب تدخلاً عاجلاً من بقية السلطات والمؤسسات، كما أشار إلى احتمال ارتباطها بضغوط دولية متزايدة على الدولة الليبية، خاصة في ظل التطورات المتعلقة بآلية “K2” الهادفة إلى مراقبة حركة الدولار الأمريكي، وهو ما يفرض على السلطات الليبية إعادة ترتيب أوضاع سوق النقد الأجنبي والالتزام بالمعايير الدولية في مكافحة غسل الأموال، وتمويل الأنشطة غير المشروعة مثل الإرهاب وغيرها.

كما لم يستبعد بومطاري أن يكون التوقيت ناتجًا عن عمل تراكمي داخل النيابة في ملفات الفساد، وصل إلى مرحلة بات من الضروري عندها تحميل باقي مؤسسات الدولة مسؤولياتها، خصوصًا في ملفات الاعتمادات المستندية، والمقايضة النفطية، وتورط بعض المسؤولين في المصارف والجمارك.

ولفت بومطاري إلى أن الاجتماع الأخير الذي جمع الصديق الصور بعدد من كبار المسؤولين، من بينهم محافظ مصرف ليبيا المركزي، ورئيس ديوان المحاسبة، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط، وعدد من الوزراء، يختلف جذريًا عن الاجتماعات السابقة، معتبرًا أنه أقرب إلى جلسة مساءلة مباشرة، ما يعكس أن النيابة العامة وضعت يدها على مكمن الخلل وحددت دوائر المسؤولية بوضوح.

وكشف بومطاري أن المنظومة المسيطرة على الاقتصاد الليبي تتكون من أربع طبقات مترابطة، محذرًا من أن أخطرها هي الطبقة الرابعة، التي تقودها أطراف أجنبية تستفيد من حالة الفوضى والانقسام السياسي والمؤسسي في البلاد.

وأوضح أن الحديث عن “مسؤولين” بعينهم لا يزال صعبًا، إلا أن التجربة العملية، خاصة خلال فترة تفعيل نظام تتبع الاعتمادات المستندية، كشفت وجود فئات محددة تشكل جوهر هذه الشبكة الاقتصادية المعقدة.

وبيّن بومطاري أن الطبقة الأولى تمثل الواجهة، وتضم موظفين في المصارف وشركات الصرافة، يُستخدمون كأدوات تنفيذية لتغطية العمليات المشبوهة دون أن يكونوا المستفيدين الحقيقيين منها.

أما الطبقة الثانية، فهي طبقة الإدارة، وتضم تجارًا يظهرون ويختفون بحسب الظروف، إلى جانب بعض الموظفين الرسميين في أجهزة مثل الجمارك وشركات الشحن والنقل، موضحًا أن هؤلاء يمتلكون الأختام والمستندات الرسمية التي تتيح تمرير العمليات، مشيرًا إلى ضبط حاويات تحتوي على مواد محظورة، يختفي أصحابها عند حدوث أي خلاف، ثم يظهرون مجددًا عند التوصل إلى تسوية.

وأضاف أن الطبقة الثالثة تمثل “الحماية”، وهي الأخطر من سابقتيها، إذ توفر غطاءً اجتماعيًا وسياسيًا وأمنيًا للمنظومة، موضحًا أنها ليست بالضرورة في مواقع رسمية، لكنها قريبة من دوائر السلطة، وتتحرك فور الشعور بالخطر عبر تضخيم قضايا جانبية لصرف الانتباه عن جوهر الفساد.

وأكد بومطاري أن الطبقة الرابعة هي الرأس الحقيقي للمنظومة، ولا تزال الأصعب في التحديد، إلا أن المؤشرات تؤكد أن جزءًا كبيرًا منها غير ليبي، متسائلًا عن مصدر مئات الآلاف من العملات الأجنبية التي تُضبط مع المهربين، في وقت لا يوفر فيه المصرف المركزي اليورو نقدًا، وعن الجهة التي أدخلت آلات السحب الأجنبية التي تعمل داخل السوق الليبي.

وأشار إلى أن الأرقام المتداولة تفوق قدرات التجار الليبيين، ما يرجّح تورط أطراف دولية ودول جوار، وربما حتى دول تُصنف كـ “صديقة”، لافتًا إلى أن نظام التتبع الذي فُعّل سابقًا كشف هذه الشبكات بوضوح وأثار ردود فعل غاضبة، خاصة من شركات النقل، قبل أن يتم إيقافه بعد تغيير الحكومة.

وانتقد بومطاري ما وصفه بالتحركات الدولية “الشكلية” في ملف مكافحة غسيل الأموال، معتبرًا أنها تهدف فقط إلى إقناع المجتمع الدولي بوجود إجراءات، بينما تستمر عمليات التحويل وتهريب الدولار واليورو دون توقف.

وأكد بومطاري أن ليبيا تواجه واحدة من أخطر ملفات الفساد المالي في تاريخها، تتمثل في شبكات محلية ودولية معقدة متورطة في تهريب الأموال، والاعتمادات الوهمية، وملف مقايضة المحروقات، مشيرًا إلى أن المبالغ المتداولة تصل إلى مليارات الدولارات سنويًا.

وأوضح أن التحقيقات كشفت عن تجار وهميين وشركات لا وجود لها على أرض الواقع، تُفتح باسمها اعتمادات ضخمة، ثم تختفي الملفات والمستندات عند أول تدقيق، لتُسجل القضايا لاحقًا “ضد مجهول”.

وبين وزير المالية السابق، أن ملف مقايضة المحروقات نظام بدأ بشكل محدود ثم توسع حتى أصبح آلية أساسية رغم مخاطره، مشيرًا إلى أن قرار النائب العام بإنهائه والاتجاه إلى مناقصات عادلة قوبل بمقاومة شديدة، ما يعكس وجود قوى أقوى من مجرد موظفين داخل المؤسسات.

وكشف عن فجوة خطيرة في بيانات التجارة الدولية، موضحًا أنه عند مقارنة إيرادات النفط المعلنة مع بيانات التجارة الدولية خلال الأعوام من 2021 إلى 2024، يظهر فرق يصل إلى نحو 200 مليار دينار ليبي، وهو رقم لا يمكن تفسيره بملف المقايضة وحده.

كما حذر من أن ليبيا تخسر ما لا يقل عن 10 مليارات دولار سنويًا بسبب هذه الشبكات، مؤكدًا أن توصيات وتحركات النائب العام تمثل المدخل الحقيقي لكشف المنظومة كاملة، وأن الوصول إلى “الطبقة الرابعة” هو المفتاح الأساسي لإنهاء العبث بالاقتصاد ومحاسبة جميع المتورطين داخليًا وخارجيًا.

ورأى بومطاري أن الأزمة المالية والنقدية في ليبيا ليست نتيجة للإنفاق التنموي أو المشاريع الخدمية كما يُروج إعلامياً، بل ناتجة عن منظومة فساد مترسخة منذ عام 2011، تعمل بطريقة منظمة وتتخذ خطوات ممنهجة للمضاربة والتلاعب بالعملة، ما أدى إلى تراجع الدينار بشكل حاد واضطراب الاقتصاد الوطني.

موضحا أن التقارير الصادرة عن ديوان المحاسبة ومصرف ليبيا المركزي توثق حصول عائلات وشركات بعينها على مليارات الدولارات في شكل اعتمادات وهمية، وأحياناً دون دفع السعر الرسمي للدولار، واصفاً ذلك بـ “النهب المباشر للمال العام”.

كما أشار إلى فشل مصرف ليبيا المركزي كمؤسسة منذ عام 2012، مؤكداً غياب القوائم المالية الدقيقة، والشفافية، والرقابة الحقيقية على المصارف التجارية، وانتقد بومطاري تصريحات المصرف التي تنصل فيها من مسؤوليته الرقابية، مؤكداً أن القوانين الليبية تمنح المصرف سلطات كاملة على المصارف التجارية، بما في ذلك فرض العقوبات، وتغيير الإدارات، وفرض إجراءات مكافحة غسل الأموال.

وقال بومطاري إنه تعرض خلال فترة توليه وزارة المالية لتهديدات مباشرة بسبب محاولاته إصلاح الاختلالات، وصلت أحياناً إلى إطلاق النار على منزله، لكنه استمر في اتخاذ الإجراءات التي رآها صحيحة، وأكد أن غياب المحاسبة شجع على تفشي الفساد، مضيفاً أن الحل الجذري يبدأ بتطبيق نظام تتبع شامل وشفاف يكشف هذه الأطراف منذ اليوم الأول.

ولفت إلى أن الاعتمادات المستندية التي تصدرها المصارف التجارية تُفتح لمبالغ تتراوح بين 10 و40 مليون دينار لشركات لا يتجاوز رأس مالها 30 ألف دينار، مؤكداً أن هذه الممارسات تقع ضمن مسؤولية المصرف المركزي، وليس وزارة الاقتصاد، التي وضعت الضوابط القانونية منذ عام 2010، مبينا أن الرقابة لا تكون أسبوعية أو شهرية، بل آنية، لتدارك المخاطر قبل أن تتحول إلى فوضى.

وأردف: أن الأزمة ليست ناجمة عن التهريب، بل العكس، فالتهريب نتيجة لفتح اعتمادات دون تدقيق حقيقي، ما أفضى إلى دخول سلع وهمية أو حاويات فارغة أو اختفاء الشركات فور استلام الأموال، وتابع أن تفكيك المنظومة الرقابية بدأ بعد 2011 على مراحل، شملت تدمير الرقابة على النقد والمصارف، والسيطرة على بعض المصارف وأعوام الاعتمادات، ثم محاولة السيطرة على مكاتب الصرافة لإكمال شبكة غسيل الأموال وفروق سعر الصرف، باستخدام اعتمادات وهمية، وعملات أجنبية نقداً، وبطاقات مصرفية لشركات وهمية، وتحويل الأموال إلى حسابات خارجية.

وأشار إلى أن المواطن هو من يدفع ثمن هذه المنظومة، بينما يتم تضليل الرأي العام بإرجاع انهيار الدينار إلى الإنفاق العام أو المشاريع التنموية، مبينا أن بيانات مصرف ليبيا المركزي حول ميزان المدفوعات و”الخدمات بالعملة الصعبة”، و”المرتبات في الخارج”، تطرح تساؤلات خطيرة، إذ ارتفع بند المرتبات في الخارج من نحو مليار دينار في 2021 إلى 26 مليار دينار في 2024، أي بزيادة تفوق 2000% خلال ثلاث سنوات، دون أي توضيح، وأكد أن مجموع ما يُصرف تحت بندي الخدمات والمرتبات في الخارج يتجاوز 70 مليار دينار، وهو ما يعادل تقريباً باب المرتبات بالكامل في الميزانية العامة، داعياً إلى ضرورة الشفافية والمحاسبة.

وتابع: الاقتصاد الليبي يشهد حالياً انقساماً حاداً، حيث تسير المؤشرات الرسمية في اتجاه، بينما تتحرك الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي في اتجاه معاكس، مؤكداً أن المشكلة الجوهرية ليست في حجم الإنفاق، بل في نوعه، إذ تراجع الإنفاق التنموي إلى أقل من 10% بعد 2011، بينما تضخم الإنفاق التسييري إلى نحو 90%، وهو ما أدى لتشوه هيكل الميزانية.

وأكد أن تحديد سعر الصرف لا يتم عبر الإنفاق الداخلي المشروع، وإنما عبر اقتصاد موازي يحتفظ بالسيولة خارج المصارف ويستخدمها في المضاربة على العملة، مشيراً إلى أن المواطن هو من يدفع كلفة التضخم وتراجع الدينار، وليس الدولة أو المسؤولين، وأوضح أن تجارب مشروع التتبع، الذي تم تطبيقه لفترة وجيزة في 2020، أثبتت قدرته على كشف مسارات الإنفاق والاعتمادات، لكنه توقف لأسباب سياسية وإدارية.

وشدد بومطاري على أن معالجة الأزمة الاقتصادية والمالية لا يمكن أن تتحقق عبر حلول جزئية أو مبادرات شكلية، وأن تتبع حركة التجارة والإنفاق العام هو الأداة الأكثر فاعلية لكشف شبكات الفساد وغسل الأموال، مشيرا إلى أن المقاومة لمشروع التتبع كانت شديدة بسبب مصالح متضررة، مؤكداً أن المعركة لم تكن تقنية فقط، بل حرب دفاع عن وجود الشبكات الفاسدة.

ولفت إلى أن المرحلة القادمة تتطلب دعمًا سياسيًا وقانونيًا وأمنيًا واضحًا للنائب العام وأجهزته، لحمايتهم من الضغوط، لأن من يحارب التتبع هو من يخشى انكشاف الحقيقة، وأكد أن أي حكومة قد تتولى السلطة في ظروف استثنائية ستواجه أولويات عاجلة مثل معالجة المرتبات وأزمة الإنفاق، ما يجعل بعض الملفات الخطيرة تؤجل، لكنها تمثل جذر الأزمة.

وحذر من الاعتماد على القرارات الضريبية الشكلية أو ربط الأزمة بالإنفاق التنموي، مؤكداً أن التركيز يجب أن يكون على تتبع حركة الأموال والإصلاح الهيكلي للمصارف، لضمان استقرار الاقتصاد وحماية المواطنين من العبء المالي الناتج عن الفساد وعدم الشفافية.

وختم بومطاري حديثه بالتأكيد على أن جميع الخطوات والإصلاحات يجب أن تهدف لخدمة المواطن وتحقيق مصالح الدولة، داعياً إلى وعي جماعي ومسؤولية في هذه المرحلة الحرجة، ومشدداً على ضرورة رقابة ومحاسبة شاملة للمنظومة المالية دون استثناء، لتفكيك شبكة الفساد المترسخة منذ سنوات.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى