«الشحاتي»: ضخ الدولار نقداً بلا رقابة قد يفاقم المضاربات ويهدد استقرار العملة

قال الخبير الاقتصادي والنفطي، محمد الشحاتي، إن أي عملية ضخ للدولار نقداً في ليبيا تتطلب إتباع نهج مختلف عن التجارب السابقة، مشيراً إلى أن التعاملات الماضية عبر البطاقات المصرفية أدت إلى مشكلات كبيرة، مثل تراكم الأموال وتحويلها إلى الخارج، خصوصاً إلى تركيا، بالإضافة إلى ظهور طوابير وممارسات غير منظمة.
وحذر «الشحاتي»، في مداخلة على تلفزيون «المسار»، من أن هذا الإجراء قد يهدد الاستقرار النقدي الداخلي ويزيد الاعتماد على الدولار، ما يؤدي إلى ظاهرة “الدولرة”، مؤكداً أن المصرف المركزي، يفتقر حالياً لأدوات السياسة النقدية، مثل أدوات التعقيم النقدي وسعر الفائدة، وبالتالي لا يمكنه السيطرة على التضخم الناتج عن زيادة العرض النقدي.
وأوضح أن المعلومات المتداولة حتى الآن تعتمد على تسريبات، ولم يصدر المصرف المركزي، أي إعلان رسمي بهذا الخصوص، مشيراً إلى وجود حديث عن موافقة المجتمع الدولي أو النظام المصرفي الدولي على استيراد هذا المبلغ شهرياً، لكنه أكد أن الطريقة التي سيتم بها ضخ الأموال في السوق لا تزال غير واضحة.
وشدد على أن الحل الشامل للمشكلة النقدية في ليبيا يتطلب تمكين المصرف المركزي من جميع أدوات السياسة النقدية ليتمكن من إدارة السيولة والتحكم في التضخم، وليس الاكتفاء بضخ الدولار نقداً فقط.
وفي سياق تنظيم عمل شركات الصرافة، أكد الشحاتي، أن غياب الرقابة على هذه الشركات يمثل مخاطرة جسيمة قد تؤدي إلى أزمات مالية مماثلة لتلك التي شهدها النظام المصرفي العالمي سابقاً.
ولفت إلى أن معظم شركات الصرافة، سواء في دول الخليج أو على المستوى الدولي، تعمل كشركات مالية ويجب عليها الاحتفاظ برصيد اعتماد أو ما يعرف بالرهن الاعتمادي لضمان سلامة العمليات المالية.
وأضاف: “بعد اطلاعي على قرار مصرف ليبيا المركزي بشأن تنظيم شركات ومكاتب الصرافة، لم أجد أي بند يفرض هذا النوع من الاحتياط، وهذا يعرض القطاع المالي لمخاطر كبيرة.
وأشار إلى أن موضوع توريد 600 مليون دولار إلى ليبيا، الذي تم تداوله مؤخراً في وسائل الإعلام، لا يزال محاطاً بعدة تساؤلات حول طريقة صرفه واستخدامه. وتساءل: “هل سيتم تحويل هذه المخصصات نقداً فقط، أم سيتم استخدام وسائل أخرى مثل البطاقات المصرفية؟ وهل سيُصرف المبلغ عن طريق شركات الصرافة؟ وإذا كان كذلك، هل ستخصص للمعاملات الشخصية، أم لتحويلات العلاج والخدمات الأساسية؟”.
وشدد على أن غموض السياسات الرسمية يجعل من الصعب على المواطنين التخطيط المالي، سواء لتغيير الأموال أو الحصول على قروض أو ترتيب مصاريفهم اليومية، مؤكداً أن الشفافية مطلوبة لضمان قدرة الجمهور على اتخاذ قرارات مالية سليمة.
وأوضح أن أي عملية صرف للأموال يجب أن تتم بالسعر الرسمي للعملة وبدون فرض ضرائب أو أعباء إضافية، مضيفاً أن شركات الصرافة قد تحصل على نسبة تشجيعية من المصرف المركزي على سبيل التحفيز، لكنه توقع ألا تتجاوز هذه النسبة 7%.
وأضاف أن الفائدة من توزيع النقد مباشرة تكمن في إمكانية تتبعه، إذ تحمل كل ورقة مالية رقم تسلسلي يسهل على السلطات معرفة مسار الأموال ومنع وصولها إلى أنشطة غير قانونية مثل غسيل الأموال أو تمويل الإرهاب، خاصة عند توزيعها عن طريق المصرف المركزي.
وأوضح أن الدولار الموجود حالياً مخزن منذ فترة طويلة، وأن ضخ الأموال الجديدة قد يؤدي إلى تطبيق ما يعرف بـ”قاعدة غريشم”، حيث تطرد النقود الجديدة النقود القديمة من التداول، ما يساهم في إعادة تنظيم السوق.
وأشار إلى أن المستفيدين من الأموال النقدية لن يكون بإمكانهم التهرب من الضرائب كما كان الحال مع التعاملات عبر البطاقات، ما يقلل من التجاوزات المالية ويزيد من شفافية السوق.
وأضاف أن الدورة النقدية ستكون أسرع، حيث يمكن للمستفيدين صرف الأموال أو تحويلها عبر مكاتب الصرافة محلياً دون الحاجة للسفر أو مواجهة التعقيدات السابقة.
وبحسب الشحاتي، فإن بعض المسؤولين في المصرف المركزي يعتمدون على المراقبة الإلكترونية لمحاولة منع الأخطاء قبل وقوعها، من خلال أنظمة رقم وطني أو آليات تمنع تكرار العمليات المالية لنفس الشخص أو لأشخاص متوفين أو خارج البلاد، لكنه أشار إلى أن القدرة على المراقبة الإلكترونية محدودة جداً.
وقال الخبير الاقتصادي: إن الشركات موزعة على كامل خريطة ليبيا، ولا يمكن للمصرف المركزي متابعة تقاريرها بدقة، والتقارير الشهرية الموجودة حالياً لا تعدو كونها نماذج شكلية.
وأكد أن الحل يكمن في النهج الاستباقي، عبر فرض أنظمة اعتماد دقيقة تمنع المخاطر قبل حدوثها، بدلاً من الاعتماد فقط على الرقابة الإلكترونية، مضيفا أن هذا النهج يمكن أن يقلل من الأضرار على صغار التجار، لكنه حذر من أن فتح المجال بشكل غير منظم قد يؤدي إلى ظهور سوق موازٍ ومضاربات مالية كبيرة.
وشدد على أن العمليات المالية يجب أن تتم من خلال سلاسل تجارية منظمة تديرها الشركات الكبرى في الدولة، مؤكداً أن دعم صغار التجار قد يحل بعض المشاكل، لكنه لا يغني عن وجود تنظيم واعٍ ومسؤول للقطاع المالي، مبيناً أن الفساد المالي في ليبيا يمثل عائقاً رئيسياً أمام أي تقدم اقتصادي، مشدداً على أهمية معالجته قبل التفكير في أي إجراءات مالية جديدة.
وشدد على أن أي جهود لإعادة النظام النقدي إلى مساره الطبيعي يجب أن تبدأ بخطط واضحة من المصرف المركزي للسيطرة على التضخم وحماية قيمة الأموال، مع اتخاذ إجراءات صارمة ضد أي اختراقات داخل النظام المصرفي أو شركات الصرافة.
وأكد ضرورة تفعيل السياسات الاقتصادية المجربة عالمياً، ورفض الاعتماد على الشهادات الاستثمارية المضاربة والفائدة المتغيرة، مشيراً إلى أن هذه الأدوات لا توفر أي فائدة فعلية للمودعين.
وأعرب الشحاتي، عن أمله في أن تتكاتف السلطات السياسية والنقدية والمالية والتجارية والنخبة الليبية لإنهاء الانقسام السياسي وإعادة بناء الاقتصاد الوطني، مؤكداً أن العمل الجاد والعزيمة في كل القطاعات، من الشرطة والنيابة العامة إلى المصرف المركزي، يمثل السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وإعادة الثقة للمواطنين.









