الخراز: الأزمة الليبية “مُركبة”.. والبعثة الأممية تسهم في استمرارها

اعتبر المحلل السياسي، حمد الخراز أن ما يُعرف بالحوار المهيكل الذي أطلقته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا يمثل مساراً حقيقياً لحل الأزمة، بل جاء بديلاً للخطة الأممية السابقة التي تضمنت خيارات مرتبطة بلجنة العشرين، مشيراً إلى أن إطلاق هذا المسار في ديسمبر الماضي كان في جوهره محاولة لكسب الوقت وإدارة الأزمة دون تحقيق نتائج ملموسة.
وأوضح الخراز، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة24″، أن مرور نحو أربعة أشهر على بدء هذا الحوار دون ظهور مخرجات عملية يؤكد محدودية تأثيره على أرض الواقع، لافتاً إلى أن إشراك فئات مثل الشباب أو غيرهم لا يتجاوز كونه جزءاً من أدوات تسويق إعلامي تعتمدها البعثة عبر منصاتها المختلفة.
وأشار إلى أن البعثة الأممية لا تمتلك خطة واضحة تقود إلى حل فعلي للأزمة، مؤكداً أن أي تقدم في الملفات المطروحة، سواء ما يتعلق بالملف الحكومي أو حقوق الإنسان أو غيرها، يظل مرهوناً بوجود توافق دولي إلى جانب توافق داخلي بين الأطراف الليبية.
وفيما يتعلق بمشاركة المرأة، أكد الخراز أن حضورها في جلسات الحوار، رغم أهميته من حيث المبدأ، لا يعني بالضرورة تحقيق نتائج ملموسة، موضحاً أن تمثيل المرأة كان حاضراً في معظم الحوارات السابقة، إلا أن التركيز ينصب على الجوانب الشكلية دون معالجة جوهر الأزمة، في ظل غياب رؤية واضحة للخطة الأممية.
وشدد على أن البعثة لا تمتلك مشروعاً حقيقياً للحل، معتبراً أنها تتحرك في إطار تحقيق أهداف دول معينة داخل ليبيا، لافتاً إلى أن مختلف الحوارات والسياسات التي قادتها البعثة والمبعوثون الأمميون السابقون انتهت إلى طريق مسدود دون إحداث اختراق حقيقي في الأزمة.
وتابع أن البلاد تقف حالياً أمام مسار جديد تقوده البعثة بقيادة المبعوثة الحالية، مرجحاً استمرار هذا المسار إلى حين توصل الأطراف الليبية، بدعم من حلفائها الدوليين، إلى تسوية شاملة تنهي حالة الانقسام التي أثقلت كاهل الاقتصاد والمواطن.
ورأى الخراز أن الدعوات لإصدار إعلان وطني لحقوق الإنسان، رغم أهميتها النظرية، لن تحقق نتائج عملية في ظل الظروف الراهنة، مشيراً إلى أن المرأة الليبية تشارك بالفعل في مؤسسات الدولة، وأن طرح هذه القضايا يأتي في إطار ملء أجندة البعثة بأنشطة لا تغير من واقع الأزمة.
وبين أن البعثة كانت قد طرحت في وقت سابق أربعة خيارات لمعالجة الأزمة، قبل أن تعود لاعتماد مسار الحوار المهيكل وتعلن نيتها الاستناد إلى توصيات المشاركين لصياغة خارطة طريق جديدة، لافتاً إلى أن هذه الخارطة لم تتبلور حتى الآن، وأن وتيرة العمل تسير ببطء شديد.
واعتبر أن استمرار الحوار لعدة أشهر، كما هو مخطط له، يعكس بطء المسار وضعف قدرته على تحقيق نتائج حقيقية، مشيراً إلى أن التركيز على المسار الاقتصادي ضمن هذا الإطار لا يغير من طبيعة الأزمة القائمة.
وأكد أن القرار الاقتصادي في ليبيا لا يزال خاضعاً لتأثيرات خارجية، موضحاً أن مصرف ليبيا المركزي أصبح طرفاً في الصراع، ولم يعد مؤسسة محايدة كما يفترض، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد.
ولفت إلى أن جوهر الأزمة في ليبيا سياسي وأمني بالدرجة الأولى، وليس اقتصادياً، لافتاً إلى أن الاقتصاد يتأثر بسياسات وصفها بالعبثية، والتي استمرت لأكثر من عقد دون أن تفضي إلى حلول واضحة أو خارطة طريق قابلة للتنفيذ.
كما شدد الخراز على أن غياب الضغط الشعبي وضعف دور مؤسسات المجتمع التي يُفترض أن تمارس دور مجموعات الضغط، ساهما في استمرار البعثة في إدارة الأزمة، ما أدى إلى الوصول إلى طريق مسدود، مرجحاً أن أي حل لن يتحقق إلا عبر تحرك شعبي ضمن مشروع وطني يعيد توجيه مسار الحل.
وفيما يتعلق بمخرجات الحوار، أوضح أنها لن تتجاوز إطار التوصيات، مؤكداً أن هذه التوصيات لا تملك القدرة على التأثير في مراكز القرار الاقتصادي أو إحداث تغيير فعلي، خاصة في ظل غياب خارطة طريق واضحة حتى الآن.
وأشار إلى أن مسؤولي البعثة أكدوا أن مخرجات الحوار ستقتصر على توصيات تُرفع إلى مجلس الأمن الدولي لدعم خارطة الطريق، إلا أن عدم وجود هذه الخارطة يجعل تلك التوصيات بلا قيمة عملية أو انعكاس اقتصادي ملموس.
وعلى الصعيد الاقتصادي، لفت الخراز إلى أن الوضع في ليبيا يتأثر أساساً بالانقسام السياسي وبمستويات مرتفعة من إهدار المال العام، رغم ارتفاع أسعار النفط نتيجة الأزمات الدولية، مؤكداً أن هذا الارتفاع لم ينعكس على تحسن اقتصادي حقيقي.
وتابع: أن بعض القرارات الاقتصادية الأخيرة، مثل إلغاء بعض الضرائب، جاءت – بحسب وصفه – بشكل ارتجالي وغير مدروس، مرجحاً تكرار مثل هذه الإجراءات في ظل غياب مشروع اقتصادي واضح لدى السلطات القائمة.
ورأى أن الأزمة الاقتصادية الحالية ترتبط بسياسات غير مدروسة، إلى جانب تمكين حكومة – وصفها بأنها تنظيم إجرامي – من إدارة الدولة منذ عام 2021 وحتى الآن، معتبراً أن هذه السياسات انعكست سلباً على الأوضاع الاقتصادية في البلاد.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن ليبيا تعيش أزمة مركبة تقودها – بحسب تقديره – بعثة الأمم المتحدة للدعم، موضحاً أن هذه الأزمة تتغذى من خلال أدوات وشخصيات يتم إشراكها في المسارات المختلفة، الأمر الذي يسهم في استمرارها بدلاً من حلها، لافتاً إلى أن المواطن الليبي يواجه تداعيات اقتصادية صعبة في مختلف المدن، سواء في طرابلس، أو مصراتة، أو بنغازي.
وأضاف الخراز أن استمرار ما وصفه بـ “تنظيم الدبيبات” في السلطة يؤدي – وفق رؤيته – إلى إضعاف ما تبقى من الاقتصاد الليبي وتقويض وحدة المجتمع، مشيراً إلى أن هناك مشروعاً خارجياً مدعوماً بأدوات داخلية يعرقل الوصول إلى حلول حقيقية للأزمة.
كما لفت إلى أن تمدد نفوذ حكومة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، مقابل إقصاء بعض خصومها، جعلها أحد أبرز مراكز القوة في العاصمة طرابلس، محذراً من أن استمرار هذا الواقع سيُبقي الأزمة قائمة ما لم يحدث تحرك داخلي تقوده مجموعات ضغط فاعلة، مثل منظمات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب السياسية.
وأضاف أن تحرك هذه القوى يمكن أن يسهم في تغيير ملامح المشهد السياسي، خاصة إذا اتجه نحو مواجهة ما وصفه بـ“التنظيم الإجرامي” والبعثة الأممية، معتبراً أن استمرار الاحتجاجات والتظاهرات، لا سيما أمام مقار البعثة، قد يدفعها إلى إعادة تقييم مسارها ومحاولة إقناع الأطراف المحلية والدولية بضرورة الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً.
وختم الخراز حديثه بالتأكيد على أن توصيات “الحوار المهيكل” ستظل رهينة للتوازنات السياسية القائمة، مشدداً على أن حل الأزمة الليبية لن يتحقق عبر هذا المسار وحده، بل يتطلب توافقاً دولياً إلى جانب اتفاق بين القوى الفاعلة على الأرض، لافتاً إلى أن فرص الاستقرار قد ترتبط أيضاً بالتطورات الدولية في أسواق الطاقة والحاجة إلى بدائل نفطية، وهو ما قد يفتح المجال أمام دعم استقرار ليبيا خلال مرحلة معينة.









