بدر: واشنطن تركز على توحيد المؤسسات الليبية أكثر من الانتخابات

قال عضو البعثة الليبية لدى الأمم المتحدة السابق، أيمن بدر، إن الاجتماعات المرتقبة للمجموعة المصغرة “4+4” في تونس تمثل فرصة جديدة لمحاولة كسر حالة الانسداد السياسي التي تعيشها ليبيا منذ سنوات، معرباً عن أمله في أن تتمكن الأطراف المشاركة من تحقيق اختراق حقيقي في ملف القوانين الانتخابية والوصول إلى تفاهمات تُخرج البلاد من حالة التعثر المتواصلة.
وأوضح بدر، في حديث لتلفزيون “المسار”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن الليبيين باتوا يتطلعون إلى نتائج عملية تنعكس على حياتهم اليومية، وليس مجرد حوارات سياسية متكررة لا تفضي إلى حلول ملموسة، مؤكداً أن الوقت قد حان حتي “تدخل العدالة إلى أروقة الوطن” وأن يشعر المواطن بوجود عدالة فعلية داخل مؤسسات الدولة.
وأضاف أن المرحلة الحالية تشهد تغيرات متسارعة على المستويين الدولي والإقليمي، وهو ما يفرض على القوى السياسية الليبية مواكبة هذه التحولات، محذراً من أن الفشل في التكيف معها ستكون له “عواقب وخيمة على جميع الليبيين دون استثناء”.
وفي السياق ذاته، أشار بدر إلى أن المطلوب من الأطراف المجتمعة ضمن المجموعة المصغرة هو أخذ هذه المتغيرات بعين الاعتبار والعمل بجدية للوصول إلى حل توافقي ينهي الانقسام المستمر منذ سنوات، مشدداً في الوقت نفسه على أن أي حل سياسي يجب أن يترافق مع ضمانات حقيقية تكفل الحقوق وتحقق العدالة داخل مؤسسات الدولة.
وبيّن أن الأزمة الليبية لا تقتصر على الخلافات السياسية فحسب، بل ترتبط أيضاً بخلل في بنية مؤسسات الدولة وغياب العدالة في توزيع السلطة والتمثيل، موضحاً أن الإشكال لا يتعلق بالمساواة الشكلية بين المناطق بقدر ما يرتبط بضمان تمثيل عادل يراعي خصوصيات الأقاليم والمدن الليبية.
وردّاً على سؤال حول قدرة المجموعة المصغرة “4+4” على تحقيق هذا الهدف، قال بدر إن التجارب السابقة تفرض التعامل بحذر مع أي مسار جديد، مذكّراً بأن ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية تشكيل عدة حكومات ومجالس رئاسية من حكومة الوفاق إلى حكومة الوحدة الوطنية، دون أن تتغير طبيعة الأزمات القائمة.
وأضاف أن الإشكال الجوهري يتمثل في استمرار شعور بعض المناطق بالتهميش داخل مؤسسات الدولة، حتى مع وجود ممثلين عنها في الحكومات المتعاقبة، لافتاً إلى أن عدداً من هذه الشخصيات خرج لاحقاً من المشهد السياسي “بطريقة أو بأخرى” دون تعويض تمثيلها بشكل يحافظ على التوازن الوطني.
وأكد بدر أن حكومة الدبيبة الحالية أصبحت – بحسب وصفه – “شبه مفرغة” من تمثيل بعض الأقاليم والمدن، وهو ما ينعكس حتى على المؤسسات السيادية، ومن بينها وزارة الخارجية التي اعتبرها واجهة الدولة الليبية أمام المجتمع الدولي.
وشدد على أن أي نقاش حول المجموعة المصغرة لا يمكن فصله عن مسألة الضمانات وآليات التنفيذ، موضحاً أن التفاهمات تحتاج إلى جهة محايدة تضمن التزام الأطراف بما يتم الاتفاق عليه.
ورأى أن الأطراف المشاركة في هذه الاجتماعات تُعد “خصوماً سياسيين”، وبالتالي فإن نجاح أي اتفاق يتطلب وجود طرف ضامن يشرف على تنفيذ الالتزامات وفق جداول زمنية واضحة، متسائلاً عن مصير أي اتفاق في حال تراجع أحد الأطراف عنه، مضيفاً: “إذا تم الاتفاق ثم عاد أحد الأطراف للتراجع سنعود إلى المربع الأول”.
وفيما يتعلق بالدور الأمريكي، أوضح بدر أن الولايات المتحدة تسعى أساساً إلى تحقيق قدر من الاستقرار داخل ليبيا في ظل المتغيرات الدولية المرتبطة بالطاقة والأمن، مشيراً إلى أنها تركز على توحيد المؤسسة العسكرية والمؤسسة السياسية وميزانية الدولة.
لكنه في المقابل أكد أن القوانين الانتخابية والذهاب إلى الانتخابات لا تشكل أولوية مركزية لواشنطن، التي تركز على استقرار ليبيا حتى وإن كان مؤقتاً، نظراً لارتباط ذلك بالمصالح الإقليمية والدولية، خاصة فيما يتعلق بالطاقة وأمن أوروبا.
وأضاف أن بعثة الأمم المتحدة تتبنى مقاربة مختلفة، إذ تسعى إلى تشكيل حكومة موحدة تحظى بشرعية دولية تمكنها من تمرير القوانين الانتخابية وتنظيم الانتخابات، مشيراً إلى وجود اختلاف واضح بين مقاربة البعثة والأولويات الأمريكية رغم بعض نقاط التقاطع.
وفي سياق متصل، اعتبر بدر أن تجربة مجلسي النواب والدولة في الوصول إلى توافقات بشأن القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات كثيراً ما اصطدمت بعراقيل وتدخلات سياسية تهدف إلى الإبقاء على الوضع القائم.
وبينّ أن بعض الأطراف تعمل على تعطيل أي تقارب بين المجلسين لضمان استمرار حالة الجمود، ما يسمح لها بالحفاظ على نفوذها السياسي، رغم أن المجلسين توصلا في مراحل سابقة إلى تفاهمات لم تُستكمل بسبب تدخلات خارجية وداخلية.
ولفت إلى أن البعثة الأممية منحت المجلسين فرصاً متكررة للوصول إلى حلول توافقية، لافتاً إلى أن مجلس النواب اتخذ خطوات إيجابية في بعض المراحل، لكنها قوبلت برفض من المجلس الأعلى للدولة.
واعتبر أن مجلس الدولة الاستشاري “ينفذ توجهاً يخدم طرفاً محدداً داخل المشهد السياسي”، في حين أن مجلس النواب يضم مختلف التيارات والمكونات الاجتماعية والسياسية، ما يمنحه مساحة أوسع للحوار.
وفي ختام حديثه، شدد أيمن بدر على ضرورة وجود ضمانات حقيقية لأي اتفاق سياسي جديد، محذراً من أن غياب آليات التنفيذ والرقابة سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات السابقة، في وقت ينتظر فيه الليبيون خطوات عملية تنهي سنوات الانقسام وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والمؤسسي.









