اخبار مميزةليبيا

الديباني: المبادرة الأمريكية تضمنت مؤشرات على استعداد الأطراف لتقديم تنازلات

أكد المحلل السياسي، عبد الله الديباني، أن نجاح أي تسوية سياسية في ليبيا يبقى مرهوناً بالوصول إلى حكومة موحدة وسلطة تنفيذية واحدة قادرة على إدارة الاستحقاقات الوطنية، معتبراً أن استمرار الانقسام المؤسساتي يعرقل الوصول إلى انتخابات حقيقية ويُبقي البلاد داخل دائرة المراحل الانتقالية المتعاقبة.

وشدد على أن أي حل سياسي يجب أن ينطلق من الاعتراف بالواقع القائم على الأرض وبالقوى الفاعلة والمؤثرة في المشهد الليبي.

وأوضح الديباني، في تصريحات على قناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها “الساعة24” أن الذهاب إلى انتخابات رئاسية أو تشريعية يتطلب وجود حكومة موحدة قادرة على توفير الدعم المالي واللوجستي والأمني للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مشيراً إلى أن استمرار الانقسام الحكومي يفتح الباب أمام الطعون والتشكيك في نزاهة العملية الانتخابية وتمويلها وتأمينها، ويخلق عراقيل إدارية ومؤسساتية قد تؤثر على قبول نتائجها.

وأضاف أن الدعوة إلى توحيد السلطة التنفيذية لا تهدف إلى فرض مسار سياسي بعينه أو استبدال طرف بآخر، وإنما تستند إلى اعتبارات عملية تتعلق بتهيئة بيئة مناسبة لإجراء انتخابات تحظى بقبول جميع الأطراف.

ولفت الديباني، إلى أن العديد من المبادرات السياسية المطروحة خلال السنوات الأخيرة، بما فيها المبادرات الدولية، أكدت ضرورة وجود حكومة واحدة قبل الذهاب إلى أي استحقاق انتخابي.

وأشار إلى أن التجربة التي رافقت الانتخابات البلدية كشفت حجم التحديات التي يفرضها الانقسام السياسي والمؤسساتي، سواء على مستوى التمويل أو القرارات الإدارية والتنظيمية، معتبراً أن تكرار هذه الإشكالات في انتخابات عامة سيكون أكثر خطورة وتعقيداً بالنظر إلى حساسية تلك الاستحقاقات وأهميتها.

وفي سياق متصل، شدد الديباني، على أن الأولوية الحالية، يجب أن تتركز على توحيد المؤسسات وإنهاء حالة الانقسام، موضحاً أنه لا يتحدث بصفة رسمية باسم القيادة العامة، غير أنه يرى أن ملف توحيد الحكومة والمؤسسات التنفيذية يمثل المدخل الأساسي لإنهاء الأزمة السياسية.

ورأى أن تشكيل حكومة موحدة لا يمثل إشكالية بالنسبة للمناطق الواقعة تحت سيطرة وتأمين القيادة العامة، مشيراً إلى أن السنوات الماضية شهدت تقديم تنازلات من مختلف الأطراف، بما في ذلك القيادة العامة، في سبيل الدفع نحو التوافق السياسي وتقليص فجوة الخلاف بين الفرقاء الليبيين.

كما اعتبر الديباني، أن الجدل الدائر حول تمثيل الأقاليم داخل المبادرات السياسية المطروحة يجب أن ينطلق من حق كل إقليم في اختيار من يمثله، موضحاً أن سكان الأقاليم هم أصحاب الحق في تحديد الشخصيات القادرة على تحقيق الأمن والاستقرار وتمثيل مصالحهم السياسية.

ورأى أن النقاشات المتعلقة بتمثيل برقة أو فزان، ينبغي ألا تُعزل عن بقية الأقاليم الليبية، مؤكداً أن معيار الاختيار يجب أن يرتبط بقدرة الشخصيات المطروحة على تحقيق الاستقرار وخدمة المصلحة الوطنية، لا بالاعتبارات السياسية الضيقة أو محاولات الإقصاء.

وفي حديثه عن المبادرات الدولية، أشار الديباني، إلى أن المبادرة الأمريكية للسلام تضمنت مؤشرات على استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، مستشهداً بمقترحات تشكيل قوات مشتركة لتأمين الحدود وبحث ترتيبات عسكرية تشمل مختلف المناطق الليبية، معتبراً أن القبول بمناقشة هذه الطروحات يعكس رغبة في الوصول إلى حلول توافقية إذا كانت ستقود في نهاية المطاف إلى الانتخابات وإنهاء الانقسام.

وفي المقابل، أبدى الديباني، تحفظه على مخرجات الحوار المهيكل، معتبراً أنها لم تقدم حلولاً جديدة للأزمة الليبية، بل أعادت إنتاج المقاربات ذاتها التي اعتمدتها مسارات سياسية سابقة، عبر منح المؤسسات القائمة مهلاً جديدة للتوافق ثم العودة إلى تشكيل حكومات جديدة دون الوصول إلى استحقاقات حاسمة تنهي المرحلة الانتقالية.

وأكد أن الأزمة الليبية لا يمكن اختزالها في شخص أو طرف بعينه، داعياً إلى التعامل مع الوقائع القائمة على الأرض والانطلاق منها لبناء تسوية سياسية قابلة للحياة.

وأضاف أن المؤسسة العسكرية في شرق البلاد أصبحت واقعاً مؤثراً في المعادلة الليبية، وأن أي مشروع للحل لا بد أن يأخذ هذا الواقع بعين الاعتبار، مشيراً إلى أن الاستقرار الأمني والمؤسساتي الذي تحقق في مناطق الشرق يمكن البناء عليه ضمن مشروع وطني أوسع يستهدف إعادة توحيد الدولة.

كما أكد الديباني، أن القيادة العامة أعلنت في أكثر من مناسبة دعمها للمسار السياسي وللوصول إلى الانتخابات، مستشهداً بتصريحات رسمية صدرت خلال لقاءات مع مسؤولين ومبعوثين دوليين أكدت ضرورة إنهاء المراحل الانتقالية والانتقال إلى الشرعية الانتخابية.

وتطرق الديباني، إلى الجدل المرتبط بالشعبية والشرعية السياسية، موضحاً أن الحكم على حجم التأييد الشعبي لأي طرف لا يمكن أن يتم إلا عبر الآليات الديمقراطية، وعلى رأسها صناديق الاقتراع، معتبراً أن الحديث عن الحواضن الاجتماعية والشعبية يجب أن يُحسم من خلال الانتخابات وليس عبر السجالات السياسية أو الإعلامية.

وفي هذا الإطار، رأى الديباني، أن أي تسوية سياسية ناجحة يجب أن تقوم على التفاهم مع الأطراف الفاعلة والمؤثرة على الأرض، لا على تجاوزها أو محاولة استبدالها بقوى لا تمتلك أدوات التأثير والتنفيذ، مشيراً إلى أن التجارب السابقة أثبتت صعوبة فرض حلول سياسية لا تراعي موازين القوى والواقع الميداني.

كما شدد على أهمية الاعتراف بالخصوصية التاريخية للأقاليم الليبية الثلاثة، برقة وطرابلس وفزان، معتبراً أن تحقيق المواطنة المتساوية يتطلب معالجة الاختلالات المتعلقة بالتمثيل السياسي وتوزيع الفرص بين مختلف المناطق، وضمان مشاركة متوازنة لجميع الأقاليم داخل مؤسسات الدولة.

وفيما يتعلق بالمسار الدستوري، أوضح الديباني، أنه يؤيد وجود دستور دائم للدولة الليبية، لكنه يرى ضرورة أن يحظى هذا الدستور بقبول واسع داخل الأقاليم التاريخية الثلاثة، بما يضمن اكتسابه الشرعية الشعبية ويؤسس لمرحلة مستقرة من البناء السياسي والمؤسساتي.

واختتم الديباني، حديثه بالتأكيد على أن الطريق نحو الاستقرار يمر عبر التوافق الوطني وتوحيد المؤسسات والاحتكام إلى الانتخابات، معتبراً أن إنهاء الانقسام يتطلب إشراك جميع القوى الفاعلة وتقديم تنازلات متبادلة تفضي إلى بناء دولة موحدة ومستقرة وقادرة على إدارة المرحلة المقبلة وفق أسس دستورية وانتخابية واضحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى