اخبار مميزةليبيا

التاجوري: ملف الهجرة تجاوز البعد الإنساني وأصبح قضية سيادية وأمنية

اعتبر المحامي والناشط الحقوقي، عصام التاجوري، أن ملف الهجرة غير النظامية تجاوز البعد الإنساني ليصبح قضية سيادية وأمنية تستوجب المساءلة والمراجعة الشاملة لسياسات وآليات عمل المنظمات الدولية العاملة في ليبيا، موضحاً أن عدداً من المنظمات الدولية والجهات الممولة من الاتحاد الأوروبي تعمل ضمن منظومة متكاملة مرتبطة بإدارة ملف الهجرة، لا تقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية فحسب، بل تشمل برامج ومشروعات وعقوداً وخدمات مختلفة أصبحت تشكل شبكة مصالح واسعة مرتبطة باستمرار الأزمة.

وقال التاجوري، في تصريحات على قناة “ليبيا الحدث”، إن ملف الهجرة غير النظامية واللجوء في ليبيا، ظل على مدى عقود محل جدل قانوني وسيادي واسع، مشيراً إلى أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود المنظمات الدولية بحد ذاته، وإنما في طبيعة عملها ومدى خضوع أنشطتها وبرامجها للرقابة والإشراف من قبل مؤسسات الدولة.

وأوضح أن النقاش المتعلق بالوجود القانوني للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا، يعود إلى سنوات طويلة، لافتاً إلى أن نشاط المفوضية شهد مراحل متباينة من التوسع والانكماش منذ تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يتوسع مجدداً بصورة أكبر بعد عام 2012 في ظل الظروف السياسية والأمنية التي مرت بها البلاد.

وأشار إلى أن إدارة ملف الهجرة واللجوء، لا تقتصر على المفوضية السامية لشؤون اللاجئين فقط، بل تشمل عدداً من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية، إضافة إلى مؤسسات وجهات ممولة بشكل مباشر أو غير مباشر من الاتحاد الأوروبي، الذي يعد الممول الرئيسي للبرامج والمشروعات المرتبطة بإدارة شؤون اللاجئين والمهاجرين داخل ليبيا.

وحسب التاجوري، فإن المشكلة الأساسية تكمن في أن السياسات والبرامج التي تنفذها هذه الجهات لا تخضع، بحسب تقديره، لرقابة أمنية وإدارية كافية من قبل الدولة الليبية، مضيفاً أن العديد من المشروعات يتم تنفيذها من خلال تفاهمات واتفاقيات مع جهات محلية وبلديات، في وقت يفترض فيه أن تكون ليبيا صاحبة القرار والسيادة الكاملة على هذا الملف باعتباره من الملفات الحساسة ذات الأبعاد الأمنية والاستراتيجية.

وأضاف أن عدداً من الضباط والعاملين في الأجهزة الأمنية تنبهوا مبكراً إلى المخاطر المرتبطة بملف الهجرة غير النظامية، خاصة خلال السنوات الأولى التي أعقبت عام 2011، مشيراً إلى أن العديد منهم أبدوا اهتماماً بالآثار القانونية والأمنية المترتبة على بعض الإجراءات المتعلقة بمنح بطاقات الحماية والخدمات للمهاجرين واللاجئين داخل البلاد.

ولفت التاجوري، إلى أن الانقسام السياسي والأزمات المتلاحقة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية حدّت من قدرة المؤسسات الأمنية والرسمية على التعامل بصورة فعالة مع هذه التحديات، رغم إدراك الكثير من المختصين لحجم المخاطر المحتملة التي قد تنشأ على المديين المتوسط والبعيد.

وحذر من أن استمرار تدفق المهاجرين غير النظاميين بالتوازي مع توسع برامج الدعم والخدمات المقدمة لهم قد يؤدي إلى فرض ضغوط متزايدة على البلديات والقطاعات الخدمية المختلفة، بما في ذلك قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة والبنية التحتية، خاصة في ظل محدودية الموارد المالية والانقسام الإداري الذي تعاني منه مؤسسات الدولة.

وأشار التاجوري، إلى أن السياسات المعتمدة حالياً تركز بصورة متزايدة على توفير خدمات التعليم والرعاية الصحية والتأهيل المهني والإدماج المجتمعي للمهاجرين واللاجئين، معتبراً أن هذه السياسات تستوجب فتح نقاش وطني واسع حول آثارها المستقبلية على البنية الاجتماعية والاقتصادية والتركيبة السكانية والديموغرافية في ليبيا.

وأكد أن الهدف المعلن للمنظمات الدولية، يتمثل في إدارة ملف المهاجرين واللاجئين وتقديم المساعدات والخدمات الإنسانية لهم والعمل على إعادة توطين بعضهم في دول أخرى، مشيراً إلى أن وتيرة إعادة التوطين لا تتناسب، وفق تقديره، مع أعداد الوافدين والموجودين داخل الأراضي الليبية سواء في مراكز الإيواء أو خارجها، الأمر الذي يؤدي إلى تزايد أعداد المقيمين داخل البلاد بصورة مستمرة.

وأضاف التاجوري، أن استمرار هذا الواقع قد يؤدي مستقبلاً إلى نشوء تجمعات سكانية مستقرة للمهاجرين داخل المدن الليبية، خصوصاً في ظل توفير السكن والخدمات الأساسية وفرص التدريب والعمل، وهو ما قد ينعكس على التوازنات السكانية والتركيبة الديموغرافية للبلاد ويستدعي دراسة معمقة لمعالجة تداعياته المحتملة.

وتابع أن بعض السياسات المتبعة حالياً تسهم في نقل أعباء أزمة الهجرة الأوروبية إلى الداخل الليبي من خلال التوسع في إنشاء مراكز الإيواء وإعادة توطين المهاجرين داخل المجتمعات المحلية بدلاً من التركيز على إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية أو معالجة الأسباب الجذرية التي تدفعهم إلى الهجرة.

وأوضح التاجوري، أن ليبيا تواجه أساساً تحديات اقتصادية وأمنية وخدمية كبيرة، الأمر الذي يجعلها غير قادرة على تحمل أعباء إضافية ناتجة عن تدفقات الهجرة غير النظامية، محذراً من التداعيات الاجتماعية والديموغرافية والأمنية المترتبة على استمرار هذه السياسات خلال السنوات المقبلة.

وشدد على ضرورة تحقيق توازن بين احترام حقوق الإنسان وإنفاذ القوانين الوطنية، مؤكداً أن المهاجرين الفارين من مناطق النزاعات والحروب يجب التعامل معهم وفق المعايير الإنسانية والقانونية المعتمدة، في حين ينبغي العمل على إعادة المهاجرين القادمين من دول مستقرة إلى بلدانهم بالتنسيق مع حكوماتهم والمنظمات الدولية المختصة.

كما دعا إلى فتح حوار رسمي ومباشر مع الاتحاد الأوروبي بشأن سياسات الهجرة، بما يضمن معالجة جذور الأزمة داخل الدول المصدرة للهجرة من خلال برامج تنموية حقيقية ومستدامة، بدلاً من تحويل ليبيا إلى منطقة احتواء دائمة للمهاجرين.

وثمن التاجوري، الإجراءات التي اتخذتها الجهات الأمنية والعسكرية المختصة لمكافحة الهجرة غير النظامية، مؤكداً أهمية إخضاع التمويلات والبرامج الدولية لرقابة صارمة وشفافة، ومنع أي ممارسات قد تؤدي إلى استغلال هذا الملف لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية على حساب السيادة الليبية والمصلحة الوطنية.

وختم التاجوري، تصريحاته بالتأكيد على أن معالجة ملف الهجرة غير النظامية تتطلب رؤية وطنية شاملة تتولى الدولة الليبية من خلالها إدارة الملف بشكل كامل، مع تعزيز الرقابة على الحدود وتنظيم الوجود الأجنبي داخل البلاد، وضمان خضوع جميع الجهات الدولية والمحلية العاملة في هذا المجال للقوانين والضوابط الليبية، بما يحقق التوازن بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن القومي ويحفظ مصالح الدولة وحقوق مواطنيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى