اخبار مميزةليبيا

الساروي: منح أكثر من 12 رخصة طيران في ليبيا يعكس غياب التخطيط

قال الطيار أبو عجيلة الساروي، إن قطاع الطيران في ليبيا، يعيش أزمة بنيوية عميقة نتيجة تداخل العوامل السياسية مع الإدارة المؤسسية، مشيراً إلى أن منح أكثر من 12 رخصة تشغيل لشركات طيران في سوق محدود الإمكانيات، يعكس غياب التخطيط الاستراتيجي ويؤثر سلباً على استقرار القطاع وكفاءته التشغيلية.

وأوضح الساروي، خلال لقاء مع تلفزيون “المسار”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن تأثير الظروف السياسية والأمنية التي مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية انعكس بشكل مباشر على ثقافة الإدارة داخل الشركات والمؤسسات الليبية، لافتاً إلى أن هذا التشابك بين السياسة والإدارة أدى إلى تراجع الأداء في قطاعات حيوية، وفي مقدمتها قطاع الطيران.

وأضاف أن الإشكالية لا تقتصر على الطيران فقط، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، حيث أدت المحاصصة والمجاملات في التوظيف وإسناد المناصب القيادية دون الاعتماد على معايير مهنية واضحة أو مرجعيات مؤسسية إلى إضعاف كفاءة المؤسسات وتراجع قدرتها على التطوير.

وأشار الساروي، إلى أن المؤسسات الاستراتيجية، سواء في النفط أو المصارف أو المواصلات أو غيرها، يجب أن تُدار بعيداً عن التجاذبات السياسية والجهوية، لأن استمرار هذه الممارسات ينعكس مباشرة على جودة الإدارة ومستوى الخدمات المقدمة.

وفي سياق متصل، أوضح الساروي، أن إدارة شركات الطيران تخضع لطبيعة معقدة تختلف عن باقي القطاعات، باعتبارها من أكثر الأنشطة حساسية وتأثراً بالعوامل الخارجية، سواء كانت أوبئة أو كوارث طبيعية أو اضطرابات سياسية وأمنية، مؤكداً أن الطيران يمثل قطاعاً استراتيجياً يمس الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والأمنية للدولة، خصوصاً في بلد واسع المساحة مثل ليبيا.

وبيّن أن الحديث عن الطيران لا يقتصر على الشركات الحكومية أو الناقل الوطني فقط، بل يشمل أيضاً القطاع الخاص، مشدداً على أن نجاح القطاع يرتبط أساساً بكفاءة الإدارة وجودة التشغيل بغض النظر عن طبيعة الملكية.

كما اعتبر الساروي، أن منح هذا العدد الكبير من التراخيص التشغيلية في سوق محدود الحجم يثير علامات استفهام واسعة، خاصة في ظل قلة عدد السكان وضعف حجم الطلب الفعلي على النقل الجوي، ما يؤدي إلى تشبع السوق وتراجع الجدوى الاقتصادية للشركات العاملة فيه.

ورأى أن التوسع غير المدروس في منح التراخيص يعكس خللاً واضحاً في السياسات التخطيطية، محذراً من أن ذلك قد يفاقم الأزمات المالية والتشغيلية داخل القطاع بدلاً من دعمه أو تطويره.

وشدد الساروي، على أهمية تنظيم الاستثمار الخاص في قطاع الطيران ضمن رؤية استراتيجية واضحة تقودها الدولة، بحيث يتم توجيه رؤوس الأموال الوطنية نحو القطاعات ذات الأولوية الفعلية، بما يحقق التوازن بين العرض والطلب ويضمن استدامة النشاط.

وأضاف أن وزارة المواصلات ووزارة التخطيط والجهات المعنية بالطيران المدني مطالبة بدور أكبر في رسم السياسات التنظيمية ووضع استراتيجيات تحدد احتياجات السوق بدقة، بما يضمن تطوير القطاع على أسس علمية بعيداً عن العشوائية.

ورأى الساروي، أن النهوض بقطاع الطيران الليبي يتطلب إدارة مهنية قائمة على الكفاءة والمعايير الفنية وإبعاد القطاع عن المحاصصة والتجاذبات السياسية، مع ضرورة تبني خطط طويلة المدى تعزز دوره في دعم الاقتصاد وربط مختلف مناطق البلاد.

وفي محور آخر، تناول الساروي، تجربة الشركات القابضة في قطاع الطيران، موضحاً أن هذا النموذج الإداري مطبق عالمياً وحقق نجاحات كبيرة، إلا أن الإشكال في ليبيا لا يتعلق بالنموذج بحد ذاته، بل بطريقة تطبيقه والبيئة الإدارية المحيطة به.

وأشار إلى أن أولى التجارب العالمية البارزة في هذا المجال تعود إلى مجموعة لوفتهانزا التي شكلت منذ منتصف التسعينيات نموذجاً ناجحاً جرى اعتماده لاحقاً في عدة دول، من بينها مصر وإندونيسيا وغيرها.

وأضاف أن ليبيا حاولت الاستفادة من هذه التجارب عبر تبني فكرة المراكز الربحية داخل الخطوط الجوية الليبية خلال بداية الألفية، إلا أن هذه المحاولات واجهت عراقيل داخلية، كان جزء كبير منها مرتبطاً برفض التغيير داخل المؤسسات.

وتحدث الساروي، عن مراحل إعادة هيكلة قطاع الطيران، مشيراً إلى صدور قرارات تنظيمية مهمة في منتصف العقد الأول من الألفية أعادت تشكيل القطاع وغيرت بعض هياكله، وصولاً إلى تأسيس الشركة القابضة للطيران لاحقاً، حيث شغل خلالها مناصب إدارية عليا في تلك الفترة.

وأوضح أن نموذج الشركة القابضة في ليبيا اعتمد على مزيج بين التوجيه الاستراتيجي والتدخل الإداري المحدود، إلا أن غياب الاستقرار الإداري وتكرار تغيير القيادات أضعف فعالية هذا النموذج.

ولفت الساروي، إلى أن شركتي الخطوط الجوية الليبية والأفريقية شهدتا خلال السنوات الماضية تغيرات متكررة في إداراتهما، حيث تعاقب على كل شركة ما بين سبعة إلى ثمانية مديرين عامين خلال نحو 15 عاماً، في حين لم يتجاوز متوسط بقاء المدير الواحد سنة ونصف، وهو ما اعتبره أحد أبرز أسباب غياب الاستقرار المؤسسي.

وأكد أن المشكلة لا تتعلق بالأفراد بقدر ما ترتبط بغياب البيئة المناسبة للعمل الإداري، في ظل صراعات داخلية ومظاهر محسوبية وشللية أثرت بشكل مباشر على الأداء. مشيرا إلى أن هذه الظروف ساهمت في تعطيل مشروع دمج الشركتين، الذي طُرح منذ عام 2010 وأُعيد الحديث عنه في مراحل لاحقة، دون أن يصل إلى نتائج عملية بسبب استمرار الإشكالات الإدارية والمالية.

وفي محور الشراكة مع القطاع الخاص، شدد الساروي، على أن هذا الخيار أصبح ضرورة استراتيجية في ظل محدودية قدرة الدولة على التمويل، داعياً إلى دعم شركات طيران صغيرة تخدم المناطق الداخلية، خاصة في الجنوب والمناطق البعيدة. موضحا أن هذا التوجه يحمل بعداً خدمياً وأمنياً، نظراً لأهمية ربط المناطق النائية بخدمات النقل الطبي والاقتصادي، عبر تطوير مطارات صغيرة وتشغيل خطوط محلية فعالة.

كما أشار إلى وجود خلل تقني في منظومات الحجز بين الشركات الليبية، حيث تعتمد الخطوط الأفريقية نظام «سابر» بينما تستخدم الخطوط الليبية نظام «ماداس»، ما يعرقل عمليات التكامل والتنسيق بين الشركات.

وفي سياق مالي، أكد الساروي، أن نجاح أي دمج يتطلب معالجة شاملة للميزانيات وتسوية الديون وإعادة تقييم الأصول، معتبراً أن الأنظمة المحاسبية القديمة لم تعد مناسبة لقطاع الطيران الحديث، داعياً إلى اعتماد معايير IFRS لما توفره من دقة وشفافية في تقييم الأصول.

وضرب الساروي، مثالاً على ذلك بطريقة احتساب إهلاك الطائرات في النظام التقليدي، مقابل المرونة التي توفرها المعايير الحديثة في تقييم العمر التشغيلي الحقيقي للطائرات والأصول. مشيرا إلى أن القطاع يعاني من تضخم مالي كبير في الميزانيات وعدم دقتها، ما يستوجب إصلاحاً محاسبياً جذرياً قبل أي عملية دمج أو إعادة هيكلة.

وشدد على أن تجربة دولة الكويت تقدم نموذجاً ناجحاً في إعادة الهيكلة المشروطة والدعم التدريجي المرتبط بالإصلاح، داعياً إلى الاستفادة من هذه التجارب بدلاً من الاكتفاء بإجراءات شكلية لا تعالج جذور الأزمة.

وشدد الساروي، في ختام مداخلاته على أن أي إصلاح حقيقي لقطاع الطيران الليبي يحتاج إلى قرار سيادي واضح وإرادة سياسية جادة وكفاءات متخصصة، بعيداً عن المحاصصة والاعتبارات غير المهنية، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي سيبقي القطاع في دائرة التعثر والتكلفة المرتفعة وضعف الأداء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى