اخبار مميزةليبيا

المحمودي: خدمات المركزي لم تعد فعلياً والأزمة كشفت غياب الجاهزية

أكد الصحفي الاقتصادي، علي المحمودي، أن ما يُتداول بشأن عودة خدمات مرتبطة بمنظومة المصرف المركزي في ليبيا عقب الهجوم السيبراني الذي تعرض له غير دقيق، مشيراً إلى أن الواقع الحالي لا يشهد أي عودة فعلية لهذه الخدمات عبر القنوات الرسمية، وإنما عبر مسارات بديلة تعمل بشكل موازٍ.

وقال المحمودي، في مداخلة على تلفزيون “المسار”، رصدتها صحيفة الساعة 24، إن اليوم في ليبيا لا توجد خدمات عائدة فعلياً إلى منظومة المصرف المركزي، وما يُقال عن عودة الخدمات غير دقيق، فالربط الحالي لعجز الدولار هو مجرد رابط بين المواطن وهيئة الاتصالات، ولا توجد أي معلومات تصل إلى منظومة المصرف المركزي.

وأضاف أن الخدمات الرقمية الحالية، بما فيها الدفع الإلكتروني، تعمل عبر شركتي “معاملات” و”مسارات”، موضحاً أن هاتين الشركتين تعملان بشكل موازٍ لمنظومة المصرف المركزي من خلال عمليات الحوالات والأرصدة المصرفية الموجودة لديهما، دون أن تتم أي تسوية فعلية عبر المصرف المركزي.

وتابع أن الموضوع ما زال دون تسوية رسمية، حيث تُجرى العمليات عبر الحوالات الإلكترونية بين المصارف دون أن تُسجل أو تُصفى ضمن منظومة المصرف المركزي، محذراً من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع المصارف إلى اتخاذ خطوات تؤدي إلى تراكم أرصدة لديها لدى تلك الشركات، ما قد يسبب خللاً في العلاقة المالية بين الأطراف.

ودعا المحمودي، إدارة الرقابة على النقد في المصرف المركزي إلى الإسراع في معالجة وتسوية الوضع القائم مع شركتي “معاملات” و”مسارات”، محذراً من أن عدم التسوية قد يخلق إشكاليات مالية أوسع. موضحا أن الخدمات التي تقدمها الشركتان، رغم ما تحقق من إنجازات وتحسينات، ما زالت تعمل خارج إطار التسوية النهائية مع المصرف المركزي، واصفاً ذلك بأنه ملف لم تتم تسويته بعد.

وأشار إلى أن خدمات الدفع الإلكتروني تعمل حالياً في مختلف أنحاء ليبيا، لكنها غير مسواة رسمياً ضمن منظومة المصرف المركزي، لافتاً إلى أن العمليات تتم عبر تحويلات بين المصارف دون تسويات مركزية.

وفي سياق متصل، أبدى المحمودي، قلقه من تقديرات رسمية تشير إلى أن معالجة الإشكاليات الحالية قد تستغرق ستة أشهر أو أكثر، متسائلاً عما إذا كان ذلك توصيفاً دقيقاً لحجم الاختراق أم مجرد إطار عام مشابه لحوادث مالية وتقنية عالمية.

وأضاف أن الكارثة ليست في الاختراق بحد ذاته، بل في غياب اختبارات الضغط والخطط البديلة داخل المصرف المركزي وعدم وجود جاهزية كافية لمثل هذه الحالات. مشيرا إلى أن الأزمة بدأت فعلياً منذ يوم الخميس، وليس كما يُشاع من بداية الأسبوع، مؤكداً أن غياب الجاهزية كان واضحاً في التعامل مع الحدث.

ولفت إلى أن توقيت الأزمة جاء في بداية الشهر، ما ساهم في الحد من آثارها، خصوصاً فيما يتعلق بصرف المرتبات، قائلاً إنه لو حدثت في نهاية الشهر لكانت المرتبات مهددة بالتأخر أو التعطيل.

كما انتقد المحمودي، ما وصفه بضعف التنسيق داخل المنظومة المالية، مشيراً إلى أن الوزارات والمصارف تواجه صعوبات في تنفيذ عمليات الصرف نتيجة تعطل آليات الربط مع المصرف المركزي.

ولفت إلى إعلان المصرف المركزي عن إجراءات إضافية، من بينها إضافة مبلغ مالي لدعم المعالجات، معتبراً أن التعامل مع الأزمة يجب أن يكون جذرياً وليس ترقيعياً، محذراً من أن مجرد الاعتراف بالاختراق دون معالجته بشكل شامل قد يؤدي إلى تكرار المشكلة.

وقال المحمودي، إن البيان الصادر عن المصرف المركزي يُعد مهماً وموجهاً للرأي العام، في حين اعتبر أن ما حدث يمثل خطأً فادحاً من جانب المصرف المركزي في إدارة الأزمة والتواصل بشأنها.

وأضاف أن المصرف المركزي أشار في بيانه إلى أنه يعمل على جمع الأدلة وفحص التدقيق وتحديد مدى الضرر الواقع على البيانات والمعلومات المخزنة داخل الأنظمة المتأثرة، معتبراً أن هذا التوضيح يعكس وجود محاولة لتحديد حجم الاختراق وامتداده، لكنه في الوقت ذاته أثار تساؤلات حول مدى عمق الاختراق الفعلي.

وأوضح أن البيان الرسمي جزم بأن الاستهدافات محدودة، إلا أن هذا التوصيف، بحسب رأيه، لا يتوافق مع ما تم طرحه من آراء داخل النقاش، متسائلاً عما إذا كان ما يحدث يعكس فعلاً محدودية الضرر أم سياسة تهدئة للرأي العام.

كما نُبه المحمودي، إلى أن المصرف المركزي لا يمتلك حسابات المواطنين أو بياناتهم الشخصية، وإنما تتعامل المؤسسة مع حسابات الدولة والمصارف التجارية، معتبراً أن تسرب بيانات المواطنين ليس جوهر الخطورة في هذه الحالة، بل إن الخطر الحقيقي يتمثل في تعطل النظام المالي وتأثيره على السيولة والاعتمادات وقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها المالية.

وأشار إلى أن التوقف أو التعطل في منظومة المصرف المركزي قد ينعكس مباشرة على صرف المرتبات وتمويل الوزارات والاعتمادات، محذراً من لجوء بعض الأطراف إلى السوق الموازية في حال استمرار الأزمة.

كما أشار إلى أن هناك اعتقاداً لدى بعض المختصين بأن منظومة المصرف المركزي تعاني من ضعف تقني وهيكلي، لكنه أكد أن تقييم ذلك يحتاج إلى وقت وتحليل فني دقيق.

وانتقد المحمودي، آلية التواصل الحالية للمصرف المركزي، مشيراً إلى أن بعض البيانات أو الإجراءات، مثل الحديث عن إضافة مبالغ مالية أو إجراءات طارئة، تُطرح دون خطة واضحة أو شرح كافٍ للرأي العام، ما قد يثير مزيداً من الجدل بدلاً من الطمأنة.

وأكد أن تكرار البيانات والتصحيحات من المصرف المركزي قد يعكس ضعفاً في إدارة الأزمة الإعلامية، معتبراً أن بعض البيانات جاءت منقوصة وغير مكتملة، وأن ذلك ساهم في تضارب الفهم حول حقيقة ما يجري داخل المنظومة المالية.

وقال المحمودي، إن الجدل الدائر حول احتمال أن يكون الاختراق الذي طال المصرف المركزي ناتجاً عن أطراف داخلية أو خارجية يظل أمراً وارداً، إلا أن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تنصب على استعادة استقرار المنظومة المالية ووضع خطة طوارئ عاجلة.

وأوضح أن الخلاف بين الضيوف حول طبيعة البيان الصادر عن المصرف المركزي يعكس تعدد القراءات حول مستوى الشفافية والدقة في توصيف الأزمة، مشيراً إلى أن التجارب السابقة في التحقيقات المرتبطة بملفات مشابهة لم تُعلن نتائجها النهائية رغم الإعلان عن فتحها.

وأضاف أن هناك توتراً متزايداً في المشهد، خاصة مع تداول معلومات حول توقيفات داخل القطاع المالي، إلى جانب فرضيات تتعلق بإمكانية وجود رسائل سياسية أو محاولات تخريبية تستهدف تعطيل مسار التحقيق أو التأثير عليه.

وتساءل المحمودي، عن المعايير التي ينبغي أن تحكم الاستعانة بخبرات دولية في مثل هذه القضايا، لافتاً إلى تجارب سابقة تم فيها اللجوء إلى شركات تدقيق واستشارات دولية مثل “ديلويت” و”K2″، والتي كشفت، بحسب وصفه، عن إشكاليات أعمق من مجرد حادثة الاختراق نفسها، بما في ذلك هدر مالي وملفات مالية معقدة.

وشدد المحمودي، على أن معيار اختيار الجهات الدولية يجب أن يرتكز على الكفاءة والاستقلالية والقدرة على تقديم تقارير قابلة للتنفيذ، سواء كانت هذه الجهات شركات خاصة أو مؤسسات ذات طابع حكومي أو شبه حكومي، مع ضرورة ضمان عدم تضارب المصالح.

وأكد أن الخلاف حول هوية منفذ الاختراق، سواء كان داخلياً أو خارجياً، لا يجب أن يشتت الانتباه عن الأولويات العاجلة، قائلاً إن الأهم حالياً هو ضمان استمرار عمل النظام المالي وعدم توقف صرف المرتبات أو تعطّل الخدمات الأساسية.

ودعا المحمودي، إلى إعداد خطة طوارئ عاجلة خلال فترة لا تتجاوز يومين إلى ثلاثة أيام لضمان استمرارية العمل داخل المصرف المركزي، مشيراً إلى وجود تجارب سابقة تم فيها تسيير المرتبات عبر آليات بديلة في فترات استثنائية.

وأوضح أن المصرف المركزي مطالب بوضع خطط تشغيل احتياطية واختبارات ضغط دورية للأنظمة المالية، بما يضمن الجاهزية لمواجهة أي أعطال أو هجمات محتملة، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة بعد وقوع الأزمات.

وفيما يتعلق بالسيولة وسعر الصرف، حذر المحمودي، من أن استمرار الاضطراب في منظومة الدفع والتحويلات قد يدفع عدداً من التجار والمستوردين إلى اللجوء للسوق الموازية للعملة، ما قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار وارتفاع أسعاره. مشيرا إلى أن هذا السيناريو قد ينعكس بشكل مباشر على السوق، سواء عبر تجار ملتزمين أو غير ملتزمين، نتيجة الحاجة لتغطية وارداتهم والتزاماتهم التشغيلية.

وانتقد ما وصفه بأسلوب إدارة الأزمات برد الفعل داخل بعض المؤسسات، معتبراً أن ذلك يعكس غياب التخطيط الاستراتيجي والاعتماد على قرارات آنية لمعالجة الأزمات المالية.

وفي سياق متصل، أشار المحمودي، إلى أن موضوع الاستقالات الأخلاقية في الإدارات العليا للمؤسسات المالية لا يزال محدوداً في المنطقة العربية، معتبراً أن هذا النوع من الممارسات يرتبط بثقافة مؤسسية غير راسخة في بيئة العمل المحلية.

وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب قرارات إصلاحية عاجلة وإدارة أزمة أكثر انضباطاً، مع التركيز على حماية الاستقرار المالي وتفادي توسع تداعيات الأزمة إلى السوق والمجتمع. موضحا أن البيان، من وجهة نظره الاقتصادية، لا يمكن اعتباره جيداً بالمعايير المهنية الكاملة، مشيراً إلى أن صياغته تعكس، بحسب تعبيره، حالة من رد الفعل أكثر من كونه نتاج تخطيط مؤسسي مسبق.

وأضاف المحمودي، أن المصرف المركزي أشار في بيانه إلى استمرار أعمال التحقيق الفني وتقييم مدى الضرر على البيانات والأنظمة، مع التأكيد على عدم وجود مؤشرات مؤكدة حتى الآن على تأثر حسابات العملاء أو أرصدتهم، وأن التأثير، وفق البيان، اقتصر على عدد محدود من الأنظمة التي يجري استرجاعها تدريجياً.

كما أشار البيان إلى أن الخدمات الأساسية لا تزال تعمل بشكل طبيعي، مع استمرار الفرق الفنية في استعادة الأنظمة المتأثرة، والتأكيد على التزام المصرف بحماية الاستقرار المالي وسلامة المعلومات واعتبار الأمن السيبراني أولوية قصوى، إضافة إلى استمرار تزويد الجهات المعنية بالتحديثات.

لكن المحمودي، تساءل عن مدى وضوح هذا البيان بالنسبة للرأي العام، قائلاً إنه رغم ما يتضمنه من عبارات طمأنة، فإنه لا يقدم إجابات مباشرة حول هوية الخلل أو طبيعته أو ما إذا كان هناك خطر فعلي على الأفراد أو المؤسسات.

وأضاف: “أعطني طمأنة واحدة واضحة في هذا البيان… لا نعرف من هو الفاعل، ولا حجم الضرر، ولا ماذا فقدنا أو لم نفقد”.

وانتقد المحمودي، ما وصفه بكثرة التصريحات الصادرة عن المصرف المركزي وتعددها بين بيانات رسمية وتسريبات أو تفسيرات غير موحدة، معتبراً أن ذلك يخلق حالة من التضارب في الرسائل الموجهة للرأي العام.

وأكد أن المشكلة لا تتعلق باللغة الإعلامية فقط، بل بغياب الوضوح المبني على بيانات وتحليل فني دقيق، مشيراً إلى أن ما قد يبدو طمأنة للعموم قد يراه المتخصصون نقصاً في المعلومات الأساسية.

واختتم المحمودي، بالتأكيد على أن إدارة الأزمات المالية والتقنية تتطلب خطاباً أكثر اتساقاً ووضوحاً، يعتمد على معطيات دقيقة بدلاً من الاكتفاء بصياغات عامة تهدف إلى تهدئة الرأي العام دون تقديم تفاصيل كافية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى