معيوف: تجاوز المسار الدستوري أحد أبرز أسباب تعثر العملية السياسية في ليبيا

قال الكاتب والأكاديمي المهتم بالشأن الوطني، أحمد معيوف، إن التركيز المتزايد على مسار الحوكمة ضمن المسارات السياسية المطروحة حاليًا يثير تساؤلات مهمة بشأن مستقبل المسار الدستوري، خاصة أن القضايا المتعلقة بشكل السلطة وصلاحياتها واختصاصاتها تُعد في الأصل من المسائل التي يفترض أن تُحسم من خلال دستور دائم للبلاد، وفقا لقوله.
وأكد معيوف، في مداخلة على قناة “التناصح”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن التجارب الدولية المختلفة التي شهدت نزاعات وصراعات داخلية أظهرت أن الدستور كان دائمًا نقطة الانطلاق نحو بناء الدولة واستقرار مؤسساتها، مشيرًا إلى أن العديد من الدول التي مرت بأزمات سياسية أو حروب داخلية وضعت أطرها الدستورية قبل استكمال بناء المؤسسات التنفيذية والتشريعية، على حد تعبيره.
وزعم أن التجارب المقارنة أظهرت أهمية وجود قاعدة دستورية واضحة تحدد شكل النظام السياسي وتوزيع السلطات والعلاقة بين مؤسسات الدولة، معتبرًا أن غياب هذا الأساس يؤدي غالبًا إلى استمرار الخلافات والصراعات حول الشرعية والصلاحيات.
وأضاف أن الأزمة الليبية تعكس هذا الإشكال بوضوح، حيث ظل ملف الدستور محل تجاذب سياسي منذ سنوات، ما انعكس على مجمل العملية السياسية وأثر على فرص الوصول إلى تسوية مستقرة ودائمة.
وأشار إلى أن مشروع الدستور الذي أُنجز خلال السنوات الماضية واجه مجموعة من التحديات والخلافات السياسية، موضحًا أن بعض الأطراف أبدت تحفظات على عدد من مواده، من بينها القضايا المتعلقة بطبيعة الدولة وبعض الشروط الخاصة بالترشح للمناصب السيادية، وهو ما أسهم في تعثر مسار الاستفتاء عليه.
ورأى معيوف، أن معالجة هذه النقاط الخلافية تتطلب توافقًا سياسيًا وتشريعيًا واسعًا، مشيرًا إلى أن المؤسسات السياسية القائمة لم تتمكن حتى الآن من التوصل إلى حلول نهائية بشأن هذه المسائل، على حد وصفه.
ونوه لأن أي حكومة انتقالية جديدة ينبغي أن يكون من بين أولوياتها الأساسية معالجة الملف الدستوري، سواء من خلال التمهيد للاستفتاء على مشروع الدستور القائم أو إيجاد آلية توافقية لمعالجة المواد الخلافية بما يسمح بالانتقال إلى مرحلة دستورية مستقرة، على حد ادعائه.
وأضاف أن استمرار عقد المؤتمرات والحوارات السياسية دون وجود آليات تنفيذ واضحة سيؤدي إلى تكرار الإخفاقات السابقة، مؤكدًا أن قيمة أي اتفاق سياسي لا تقاس بما يتضمنه من نصوص وتفاهمات فقط، وإنما بمدى قابليته للتنفيذ على أرض الواقع.
وأوضح معيوف، أن الاتفاقات السياسية تؤدي وظيفتين أساسيتين؛ الأولى توفير آلية لتنفيذ التفاهمات المتوصل إليها، والثانية بناء الثقة بين الأطراف المتنافسة، مشيرًا إلى أن غياب التنفيذ يضعف الثقة ويجعل الاتفاقات عرضة للفشل.
وفي سياق حديثه عن التحديات التي تواجه الدولة الليبية، أشار معيوف، إلى أن الملف العسكري يمثل أحد أهم الملفات المرتبطة بنجاح أي عملية سياسية، موضحًا أن الحكومات التي تشكلت منذ عام 2015 واجهت صعوبات كبيرة في ممارسة سلطاتها على كامل التراب الليبي بسبب استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي والعسكري.
وأضاف أن التجارب السابقة أظهرت أن تشكيل الحكومات وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار ما لم يترافق مع معالجة القضايا المرتبطة بتوحيد المؤسسات وتعزيز سلطة الدولة على مختلف المستويات.
كما لفت معيوف، إلى الانعكاسات الاقتصادية المترتبة على استمرار الانقسام، مشيرًا إلى أن تعدد مراكز الإنفاق والسلطات المتوازية ألقى بأعباء مالية إضافية على الدولة، ما انعكس بصورة مباشرة على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين.
وأكد أن أي تسوية سياسية ناجحة في ليبيا يجب أن تنطلق من معالجة متوازية للملفين الدستوري والعسكري، باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لبناء مؤسسات مستقرة وقادرة على إدارة الدولة وإنهاء حالة الانقسام.
وقال معيوف، إن تقييم دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، يجب أن يكون متوازنًا، معتبرًا أنها لعبت أدوارًا مهمة في مراحل متعددة، لكنها تعمل في الوقت ذاته ضمن توازنات وضغوط دولية داخل مجلس الأمن.
وأوضح أن البعثة الأممية لا يمكن تحميلها وحدها مسؤولية تعثر العملية السياسية في ليبيا، مشيرًا إلى أن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب التوافق بين الليبيين أنفسهم داخل المؤسسات التشريعية والسياسية المختلفة.
وأضاف أن العديد من المبادرات والحوارات التي رعتها البعثة انتهت إلى نتائج محدودة بسبب عدم قدرة الأطراف الليبية على التوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، مؤكدًا أن المسؤولية النهائية تقع على الأطراف الوطنية المشاركة في العملية السياسية.
وأشار معيوف، إلى أن لجنة الحوار المهيكل تضم عددًا كبيرًا من الأعضاء، غير أن نجاح أي حوار سياسي يعتمد على قدرة المشاركين على توجيه مخرجاته نحو مصلحة البلاد، معتبرًا أن البعثة تعمل كميسر للعملية السياسية وليست جهة منفذة لها.
ولفت إلى أن غياب البدائل السياسية الواضحة في حال غياب البعثة قد يؤدي إلى تعقيد المشهد أكثر، محذرًا من احتمالات انقسام سياسي أوسع في حال عدم وجود إطار دولي يساعد على تقريب وجهات النظر بين الفرقاء.
وفي سياق حديثه عن مستقبل العملية السياسية، أكد معيوف، أن الإشكال الأساسي في ليبيا يتمثل في الانقسام داخل المؤسسات التشريعية ووجود قوى عسكرية خارج إطار الدولة، وهو ما يعرقل بناء مؤسسات موحدة.
وأوضح أن معالجة هذه الإشكاليات تتطلب توحيد السلطة التشريعية وتعزيز سيادة الدولة على مؤسساتها العسكرية والأمنية، معتبرًا أن أي عملية سياسية لا تتناول هذين الملفين ستظل قاصرة عن تحقيق الاستقرار.
وأضاف أن النقاشات الجارية حول مستقبل السلطة التنفيذية، يجب أن ترتبط بإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات التشريعية والعسكرية، بما يضمن أن تكون القوة العسكرية أداة للدولة وليست سلطة موازية لها.
ورأى معيوف، أن التمييز بين دولة العسكر وعسكر الدولة، يمثل جوهر الإشكال في ليبيا، موضحًا أن المطلوب هو بناء مؤسسة عسكرية مهنية تعمل تحت سلطة الدولة وتخضع للقانون. مشددا على أن الحل الحقيقي للأزمة الليبية لا يكمن في تعدد المبادرات، وإنما في بناء مؤسسات موحدة ودستور واضح يعيد تنظيم العلاقة بين السلطات ويضع حدًا لحالة الانقسام.
وقال إن التفاعلات الدولية والإقليمية المرتبطة بالملف الليبي تأتي في سياق محاولات إعادة تشكيل المشهد السياسي، لكنها تبقى محدودة التأثير دون وجود توافق داخلي ليبي حقيقي. موضحا أن دولًا إقليمية مثل مصر والإمارات تُعد من أبرز الأطراف المؤثرة في المشهد الليبي، إلى جانب البعثة الأممية، معتبرًا أن هذا التداخل يعكس حجم التعقيد في الأزمة.
وفي المقابل، شدد معيوف، على أن المسؤولية الأساسية في استمرار الأزمة تقع على الأطراف الليبية ذاتها، مشيرًا إلى أن الانقسام الداخلي هو ما سمح بتوسع التدخلات الخارجية.
وأكد أن التجربة السياسية منذ عام 2012 أظهرت خللًا في البنية السياسية الداخلية، سواء على مستوى إدارة المرحلة الانتقالية أو صياغة القوانين المنظمة للعملية السياسية، مشيرا إلى أن الإشكال لا يكمن فقط في تعدد المبادرات الدولية، وإنما في غياب الإرادة الوطنية الموحدة القادرة على إنتاج حلول مستقلة وفعالة، موضحًا أن أي تسوية لا تستند إلى توافق داخلي ستظل عرضة للتأثيرات الخارجية، وفقاً لقوله.
واختتم معيوف، حديثه بالتأكيد على أن استقرار ليبيا يبدأ من الداخل عبر إصلاح المؤسسات السياسية وتوحيد المسارات التشريعية والعسكرية، معتبرًا أن الأزمة في جوهرها داخلية تتطلب حلولًا وطنية شاملة، بحسب قوله.









