اخبار مميزةليبيا

عاطف: التحركات المصرية تدعم توحيد المؤسسات الليبية وتمهد لتسوية سياسية

أكد المحلل السياسي والعسكري، العميد حاتم عاطف، أن مصر تنظر إلى ليبيا باعتبارها عمقاً استراتيجياً مباشراً لأمنها القومي، مشيراً إلى أن التحركات المصرية الأخيرة تجاه الملف الليبي تنطلق من حرص القاهرة على الحفاظ على وحدة ليبيا واستقرارها، انطلاقاً من الترابط الوثيق بين أمن البلدين ومصالحهما الاستراتيجية المشتركة.

وأوضح عاطف، خلال مداخلة على تلفزيون “المسار”، رصدتها “الساعة 24″، تعليقاً على التحركات الأخيرة لرئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، والتي شملت لقاءات في القاهرة وطرابلس مع شخصيات ليبية وأمريكية مؤثرة، أن هذه الجهود تندرج ضمن المساعي المصرية المستمرة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية المختلفة والمساهمة في رأب الصدع داخل الساحة الليبية.

وأشار إلى أن العلاقات المصرية الليبية تاريخية ومتجذرة، وقد حظيت خلال السنوات الأخيرة باهتمام متزايد من القيادة السياسية المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار ليبيا يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة لمصر، مؤكداً أن القاهرة لا تتعامل مع الأزمة الليبية باعتبارها طرفاً خارجياً يسعى للتأثير في المشهد، بل باعتبار ليبيا جزءاً من محيطها الاستراتيجي، ما يجعل هدفها الأساسي الوصول إلى دولة ليبية موحدة ومستقرة وقادرة على حماية مؤسساتها.

وفيما يتعلق بمبادرة مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، أوضح عاطف أنها تنطلق من إدراك واضح لطبيعة الانقسام القائم في ليبيا ووجود مراكز قوة ونفوذ مختلفة في شرق البلاد وغربها، الأمر الذي يجعل أي تسوية سياسية بحاجة إلى توافقات حقيقية بين هذه الأطراف.

وأضاف أن المبادرة تسعى إلى جمع عناصر القوة والتأثير في مختلف المناطق الليبية ضمن إطار سياسي ومؤسسي موحد، بما يساهم في تحقيق الاستقرار وضمان استمرارية عمل الدولة ومؤسساتها.

ولفت إلى أن استقرار ليبيا لا يرتبط بالوضع الداخلي فقط، بل يمتد إلى ملفات إقليمية ودولية متعددة تشمل أمن الحدود وتدفقات الطاقة ومكافحة التدخلات الخارجية التي أسهمت في تعقيد المشهد خلال السنوات الماضية.

ووصف عاطف، الاجتماع الذي استضافته القاهرة وضم مسؤولين من مصر والسعودية وتركيا إلى جانب مسعد بولس، بأنه محطة مهمة في مسار الجهود الإقليمية الرامية إلى معالجة الأزمة الليبية، موضحاً أن القاهرة سعت من خلاله إلى بناء إطار إقليمي منسق للتعامل مع الملف الليبي عبر تفاهمات مشتركة تقلل من تضارب المصالح والتدخلات المتنافسة.

ورأى أن اختيار مصر والسعودية وتركيا للمشاركة في هذه المشاورات يعكس حجم التأثير الذي تمتلكه هذه الدول في الملف الليبي وقدرتها على دفع العملية السياسية نحو حلول أكثر واقعية وقابلة للتنفيذ، معتبراً أن هذه المشاورات قد تشكل نواة لتحرك إقليمي أوسع يهدف إلى دعم الاستقرار في ليبيا ومساندة جهود توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام القائم.

وشدد عاطف، على أن أي عملية سياسية ناجحة يجب أن تبدأ بتوحيد مؤسسات الدولة الليبية، مؤكداً أن إجراء الانتخابات وحده لن يكون كافياً لتحقيق الاستقرار إذا استمرت حالة الانقسام المؤسسي. موضحا أن الأولوية في المرحلة الحالية ينبغي أن تتركز على بناء جيش وطني موحد يمثل جميع الليبيين، إلى جانب تشكيل حكومة وطنية موحدة ومصرف مركزي موحد قادر على إدارة الموارد والثروات بصورة عادلة ومتوازنة.

وأضاف أن الشعب الليبي يتطلع إلى خطوات عملية تنهي سنوات الانقسام بعد سلسلة طويلة من المبادرات والوعود السياسية التي لم تترجم إلى نتائج ملموسة، مؤكداً أن الاستقرار المؤسسي يمثل المدخل الأساسي لأي استحقاق انتخابي ناجح، وأن بناء مؤسسات موحدة وقوية سيهيئ الأرضية المناسبة لإجراء انتخابات قادرة على إنتاج سلطة شرعية مستقرة وتحظى بقبول واسع في مختلف مناطق البلاد.

وفيما يخص الدور المصري في المبادرة الأمريكية والمسار السياسي الجاري، أكد عاطف، أن نجاح أي مبادرة، سواء كانت أمريكية أو إقليمية أو أممية، يبقى مرهوناً بوجود توافق ليبي ـ ليبي حقيقي، موضحاً أن المبادرة التي يقودها مسعد بولس لا تستهدف فرض حلول جاهزة، وإنما جمع الأطراف المختلفة إلى طاولة واحدة لبحث القضايا الخلافية والتوصل إلى تفاهمات مشتركة، مشدداً على أن الحل النهائي يجب أن ينبع من إرادة الليبيين أنفسهم.

وأشار إلى أن المرحلة الحالية تتطلب من جميع الأطراف تقديم تنازلات متبادلة من أجل مستقبل ليبيا واستقرارها، والعمل على بناء مؤسسات وطنية موحدة تشمل الجيش والمؤسسات التشريعية والتنفيذية والمالية.

كما اعتبر عاطف، أن زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد إلى ليبيا ولقاءه رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة تعكس طبيعة المقاربة المصرية القائمة على التواصل مع مختلف الأطراف الليبية دون الانحياز إلى طرف بعينه، موضحاً أن التحركات المصرية الأخيرة أظهرت حرص القاهرة على التواصل مع جميع مكونات المشهد الليبي بهدف تقريب وجهات النظر وتسهيل الوصول إلى أرضية مشتركة للحل.

وأكد أن مصر تنظر إلى ليبيا باعتبارها دولة واحدة وشعباً واحداً، وأن الهدف الرئيسي لتحركاتها يتمثل في دعم وحدة المؤسسات الليبية وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني، مشيراً إلى أن القاهرة تدعم تشكيل حكومة تكنوقراط أو سلطة تنفيذية تحظى بتوافق واسع، إلى جانب وجود مصرف مركزي موحد يدير الموارد والثروات الوطنية بصورة عادلة تخدم جميع الليبيين.

وأضاف أن ليبيا تمتلك إمكانات اقتصادية وثروات كبيرة تؤهلها لتحقيق نهضة واسعة، إلا أن الاستفادة من هذه الإمكانات تظل مرتبطة بقدرة القوى السياسية على تجاوز خلافاتها والعمل وفق مشروع وطني جامع.

وفي معرض حديثه عن موازين القوى داخل البلاد، أوضح عاطف، أن المشهد الليبي يتسم بوجود مراكز نفوذ رئيسية تتمثل في المؤسسات العسكرية والأمنية الموجودة في شرق البلاد، مقابل المؤسسات التنفيذية والمالية الموجودة في غرب البلاد، مشيراً إلى أن جانباً مهماً من الجهود السياسية الجارية يهدف إلى بناء جسور بين هذه المراكز المختلفة بما يسمح بإقامة منظومة حكم أكثر توازناً واستقراراً.

وأوضح أن المبادرة المطروحة تستند إلى فكرة الجمع بين عناصر القوة المختلفة المرتبطة بالمؤسسات العسكرية والإدارة التنفيذية والموارد الاقتصادية، بهدف الوصول إلى صيغة موحدة لإدارة الدولة، مؤكداً أن مصر تدعم بقوة بناء جيش وطني موحد ومؤسسات موحدة، وترى في ذلك الأساس الضروري لأي عملية سياسية ناجحة أو انتخابات مستقبلية.

كما شدد عاطف، على أن القاهرة تنطلق في مقاربتها من مبدأ الحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومنع أي تدخلات أو صراعات من شأنها إطالة أمد الأزمة أو تهديد استقرار المنطقة، معتبراً أن المرحلة الحالية تشهد جهوداً مكثفة لتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف الليبية، وأن نجاح هذه الجهود سيفتح الباب أمام بناء مؤسسات وطنية موحدة وقادرة على إدارة المرحلة المقبلة بصورة أكثر استقراراً وفاعلية.

وحول اعتماد القاهرة على جهاز المخابرات العامة في إدارة جانب من تحركاتها المرتبطة بالملف الليبي، أوضح عاطف، أن هذا الخيار يعكس طبيعة المقاربة المصرية التي تجمع بين الأبعاد الأمنية والسياسية والاستراتيجية للأزمة الليبية، مؤكداً أن زيارة اللواء حسن رشاد إلى طرابلس ولقاءه رئيس حكومة الوحدة المؤقتة حملت رسائل سياسية وأمنية مهمة، أبرزها التأكيد على أن مصر تتعامل مع مختلف الأطراف الليبية وتسعى إلى بناء جسور الثقة مع جميع مكونات المشهد السياسي.

وأضاف أن هذه الخطوة تمثل رسالة طمأنة إلى القوى السياسية في غرب ليبيا بأن القاهرة لا تنظر إلى الأزمة الليبية من زاوية الانحياز إلى طرف ضد آخر، بل من زاوية دعم استقرار الدولة الليبية بكامل مؤسساتها، لافتاً إلى أن التحركات المصرية الأخيرة تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية تحقيق الاستقرار الأمني في غرب البلاد باعتباره شرطاً أساسياً لإنجاح أي عملية سياسية أو مؤسسية مستقبلية.

وأكد عاطف، أن توحيد المؤسسات وإعادة بناء الدولة الليبية يتطلبان معالجة الملفات الأمنية المعقدة، وفي مقدمتها التشكيلات المسلحة وفرض سلطة الدولة على كامل التراب الليبي، مشدداً على أن أي جهود سياسية لن تحقق أهدافها ما لم تترافق مع ترتيبات أمنية تضمن الاستقرار وتوفر بيئة مناسبة لتنفيذ التفاهمات السياسية على أرض الواقع.

ورأى أن التحركات التي أعقبت الاجتماع الرباعي في القاهرة تعكس وجود رؤية مشتركة بين مصر والسعودية وتركيا والولايات المتحدة بشأن ضرورة دعم الاستقرار في ليبيا وتوحيد مؤسساتها، كما أن لقاءات رئيس جهاز المخابرات المصرية في طرابلس تأتي في إطار محاولة بناء الثقة مع المؤسسات الموجودة في غرب ليبيا والتأكيد على استعداد القاهرة لدعم أي خطوات تسهم في تعزيز الأمن والاستقرار ووحدة الدولة.

وأشار عاطف، إلى أن المؤسسة العسكرية الليبية لعبت خلال السنوات الماضية دوراً مهماً في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، وساهمت في جهود إقليمية مرتبطة بملاحقة العناصر المتطرفة والتنظيمات المسلحة، مؤكداً أن مصر تنطلق من مبدأ دعم الجيوش الوطنية ومؤسسات الدولة الرسمية باعتبارها الضامن الأساسي لوحدة الدول واستقرارها، مع رفض أي نماذج تؤدي إلى تعدد مراكز القوة أو ازدواجية المؤسسات العسكرية والأمنية.

وأضاف أن القاهرة ترى في وجود مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة أحد أهم متطلبات بناء الدولة الحديثة، وأن استقرار ليبيا لا يمكن أن يتحقق بصورة كاملة في ظل استمرار الانقسامات المؤسسية أو تعدد مراكز النفوذ المسلح.
وفي سياق المقارنة مع أزمات إقليمية أخرى، أوضح عاطف، أن التطورات الأخيرة توحي بأن الملف الليبي بدأ يسلك مساراً مختلفاً عن السنوات السابقة، خاصة مع تراجع حدة التنافس الإقليمي وظهور مؤشرات على تفاهمات أوسع بين عدد من الدول المؤثرة، مشيراً إلى أن العلاقات المصرية التركية انتقلت إلى مستوى أعلى من التنسيق والتفاهم بعد مراحل من التباين، وهو ما ينعكس إيجاباً على فرص التوصل إلى حلول أكثر استقراراً.

وأكد أن هذا التقارب الإقليمي يوفر مظلة داعمة لأي جهود سياسية مستقبلية ويمنح الأطراف الليبية ضمانات إضافية بشأن استمرارية التفاهمات وعدم تحول ليبيا مجدداً إلى ساحة صراع بين الأجندات المتنافسة، معرباً عن اعتقاده بأن توحيد الجيش والمؤسسات المالية والتنفيذية يمثل الطريق الأقصر نحو بناء دولة مستقرة وقادرة على تلبية تطلعات مواطنيها.

وأشار إلى أن مصر ستواصل دعمها لوحدة ليبيا واستقرارها انطلاقاً من الروابط التاريخية والجغرافية التي تجمع البلدين، ومن قناعة راسخة بأن أمن ليبيا واستقرارها يشكلان جزءاً لا يتجزأ من أمن المنطقة بأكملها.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين دعم مصر للمؤسسات الليبية القائمة وتأييدها للتحركات السياسية الجديدة الرامية إلى إعادة تشكيل المشهد الليبي، أكد عاطف، أن القاهرة لا ترى تعارضاً بين الأمرين، بل تعتبر أن الهدف النهائي في الحالتين يتمثل في الحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومؤسساتها.

وأوضح أن مصر كانت ولا تزال من أبرز الداعمين للمؤسسات الشرعية الليبية، وفي مقدمتها مجلس النواب، مشيراً إلى أن العلاقات بين القاهرة والسلطة التشريعية الليبية شهدت تعاوناً وتنسيقاً مستمرين خلال السنوات الماضية، لافتاً إلى الزيارة الأخيرة التي أجراها رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح إلى مصر وما حظيت به من اهتمام رسمي.

وأكد أن الدعم المصري لمجلس النواب لا يعني التمسك بصيغ الانقسام المؤسسي القائمة، بل يأتي في إطار دعم المؤسسات الوطنية الليبية والعمل على تطويرها بما يخدم مشروع الدولة الموحدة، معتبراً أن استمرار وجود مؤسسات متوازية في الشرق والغرب لا يمكن أن يشكل أساساً دائماً للاستقرار، وأن الانقسام بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية ينعكس بصورة مباشرة على أداء الدولة ويعرقل جهود التسوية.

وأوضح عاطف، أن المقاربة التي تتحرك وفقها القاهرة تقوم على تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف الليبية ودفعها نحو بناء مؤسسات موحدة تمثل جميع المناطق والتيارات السياسية، مشيراً إلى أن الجهود التي قادها اللواء حسن رشاد خلال الفترة الأخيرة تندرج في إطار السعي إلى توحيد الرؤى وتهيئة الظروف اللازمة للوصول إلى مؤسسات وطنية جامعة.

وأضاف أن مصر تنظر إلى توحيد المؤسسات باعتباره أولوية تتقدم على أي استحقاقات سياسية أخرى، بما في ذلك الانتخابات، لأن إجراء انتخابات في ظل استمرار الانقسام قد يؤدي إلى إنتاج مؤسسات هشة وغير قادرة على إدارة الدولة بصورة مستقرة، مؤكداً أن نجاح أي عملية سياسية يتطلب أولاً وجود مؤسسات موحدة وقادرة على العمل ضمن إطار وطني جامع.

وحول مستقبل مجلس النواب في ظل المبادرة الأمريكية وما يتردد عن توجهها نحو التعامل المباشر مع القوى الفاعلة على الأرض، رأى عاطف، أن المجلس سيظل جزءاً أساسياً من أي معادلة سياسية مقبلة باعتباره المؤسسة التشريعية القائمة والمعترف بها داخل المشهد الليبي، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد ترتيبات جديدة تهدف إلى توحيد الأجسام والمؤسسات التشريعية المختلفة ضمن إطار أكثر شمولاً يضمن تمثيل مختلف المناطق الليبية في مؤسسة تشريعية واحدة.

وأكد أن الهدف لا يتمثل في إقصاء أي مؤسسة أو طرف سياسي، وإنما في تجاوز حالة التعدد والانقسام التي أفرزتها سنوات الأزمة وصولاً إلى مؤسسات وطنية موحدة تمتلك القدرة على اتخاذ القرار وإدارة المرحلة الانتقالية بصورة أكثر فاعلية، مشيراً إلى أن المبادرة الأمريكية تسعى، وفق التصورات المتداولة حولها، إلى تقريب وجهات النظر بين مراكز القوة والنفوذ المختلفة داخل ليبيا وليس إلى إلغاء دور المؤسسات القائمة.

وختم عاطف، بالتأكيد على أن أي مسار سياسي ناجح ينبغي أن يحقق التوازن بين الاعتراف بالواقع القائم على الأرض والحفاظ على الأطر المؤسسية للدولة بما يمنع حدوث فراغ سياسي أو دستوري، معتبراً أن الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الراهنة يتمثل في توحيد المؤسسات التشريعية والتنفيذية والعسكرية، لأن بناء دولة مستقرة يتطلب سلطة واحدة ومؤسسات موحدة قادرة على إدارة شؤون البلاد بعيداً عن الانقسامات والصراعات التي أنهكت ليبيا خلال السنوات الماضية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى