الترجمان: المبادرة الأمريكية تتجه نحو معالجة جذور الأزمة من خلال الملفين الاقتصادي والأمني
أكد رئيس مجموعة العمل الوطني، خالد الترجمان، أن الاجتماع الذي استضافته القاهرة مؤخراً يكتسب أهمية استثنائية لارتباطه بمبادرة المبعوث الأمريكي مسعد بولس باعتبارها مبادرة مختلفة جذرياً عن جميع المبادرات التي طُرحت لمعالجة الأزمة الليبية خلال السنوات الماضية، معتبراً أن هذه المبادرة تبتعد عن المسارات التقليدية التي ركزت على الترتيبات السياسية وتقاسم السلطة، وتتجه بدلاً من ذلك نحو معالجة جذور الأزمة من خلال الملفين الأمني والاقتصادي.
وأوضح الترجمان، خلال لقاء مع قناة «الوسط»، رصدته «الساعة 24»، أن غالبية المبادرات الأممية السابقة انصبت على الجوانب السياسية والإجرائية المرتبطة بالانتخابات والقوانين المنظمة لها وشروط الترشح والناخبين، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق اختراق حقيقي في الأزمة الليبية، مشيراً إلى أن هذه المسارات تحولت مع مرور الوقت إلى حلقات مفرغة من النقاشات والتجاذبات دون الوصول إلى نتائج عملية تنهي حالة الانقسام.
وأضاف أن المبادرة المرتبطة بمسعد بولس تميزت، من وجهة نظره، بتركيزها على أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، وهما الملف الأمني والملف الاقتصادي، اللذان يعتبرهما الركيزتين الأساسيتين للأزمة الليبية، موضحاً أن معالجة هذين الملفين قد تمهد الطريق أمام حلول سياسية أكثر استقراراً وقابلية للتنفيذ.
وأشار إلى أن اجتماع القاهرة يكتسب وزناً إضافياً لكونه جمع دولاً مؤثرة بشكل مباشر في الملف الليبي، وعلى رأسها الولايات المتحدة ومصر والسعودية وتركيا، معتبراً أن هذه الأطراف تمتلك تأثيراً فعلياً على مجريات الأحداث داخل ليبيا، وأن توافقها أو تقارب مواقفها قد يسهم في دفع المسار السياسي نحو مراحل أكثر تقدماً.
وفي المقابل، لفت الترجمان، إلى وجود طرف دولي وصفه بـ”الحاضر الغائب” في المشهد الليبي، وهو روسيا، مؤكداً أن موقف موسكو يظل عاملاً مهماً في أي ترتيبات سياسية مستقبلية، نظراً لحجم حضورها وتأثيرها في الملف الليبي خلال السنوات الأخيرة.
ورأى الترجمان أن ما جرى في القاهرة يمثل دعماً سياسياً مهماً للمضي قدماً في المبادرة المطروحة، رغم أن الولايات المتحدة لم تتبنَّ المبادرة بشكل رسمي وكامل حتى الآن، موضحاً أن واشنطن ما تزال تراقب حجم التفاعل الليبي مع هذه المقاربة ومدى استعداد الأطراف المختلفة للتجاوب معها قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً.
كما اعتبر أن البيان المشترك الصادر عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي جاء في إطار محاولة لإعادة ترتيب الأوراق السياسية في مواجهة الزخم الذي حظيت به مبادرة بولس، مشيراً إلى أن هذا التحرك يعكس إدراكاً متزايداً لدى الأجسام السياسية التقليدية بأن المشهد الليبي يشهد تحولات جديدة قد تؤثر في موازين القوى القائمة.
وتوقف الترجمان، عند ما تضمنه البيان الثلاثي من حديث عن إجراء انتخابات خلال شهر فبراير المقبل، معتبراً أن هذا الطرح يثير العديد من التساؤلات، خاصة في ظل استمرار الخلافات العالقة حول القوانين الانتخابية والمناصب السيادية وشروط الترشح، وهي ملفات لم تتمكن الأطراف الليبية من التوصل إلى توافقات بشأنها طوال السنوات الماضية.
وأوضح أن الحديث عن حل هذه الإشكالات خلال فترة زمنية قصيرة لا يبدو واقعياً في ظل حجم التعقيدات القائمة، متسائلاً عن الكيفية التي يمكن من خلالها التوصل إلى اتفاقات نهائية بشأن ملفات ظلت محل خلاف منذ اجتماعات تونس وبوزنيقة والصخيرات وغيرها من المحطات السياسية السابقة.
وفي السياق ذاته، رأى الترجمان أن التحرك الأخير للأجسام الثلاثة لا يمكن فصله عن حالة الترحيب الواسعة التي حظيت بها مبادرة بولس، معتبراً أن ما جرى قد يكون محاولة لإعادة التموضع السياسي وخلط الأوراق في مواجهة المسار الجديد الذي بدأ يفرض نفسه على الساحة الليبية.
ورأى الترجمان أن المبادرة الأمريكية، رغم ما تحمله من فرص، لا تزال تواجه العديد من التحديات، وفي مقدمتها ضرورة الحصول على توافق دولي أوسع حولها، مشيراً بشكل خاص إلى أهمية الدور البريطاني في الملف الليبي.
وأوضح أن المملكة المتحدة ظلت لاعباً أساسياً في الشأن الليبي منذ عقود، وأنها تمتلك تأثيراً سياسياً وتاريخياً لا يمكن تجاهله، متسائلاً عن طبيعة موقف لندن من المبادرة الحالية، وما إذا كانت تدعمها بشكل مباشر أو تتابعها من خلف الكواليس دون إعلان واضح.
وأضاف أن تجارب سابقة أظهرت مدى تأثير المواقف البريطانية في عدد من الملفات الليبية الحساسة، ما يجعل من الضروري فهم موقع لندن من أي ترتيبات سياسية جديدة يجري العمل عليها حالياً.
وعند حديثه عن مستقبل المشهد السياسي في حال نجاح مبادرة بولس، استبعد الترجمان، حدوث تغييرات جذرية في موازين القوى القائمة على الأرض، موضحاً أن المبادرة تبدو أقرب إلى محاولة التعامل مع الوقائع السياسية والأمنية الحالية بدلاً من استبدالها بالكامل أو القفز فوقها.
وأشار إلى أن الأطراف الرئيسية الفاعلة في الشرق والغرب ستظل جزءاً من أي ترتيبات قادمة، لأن أي مقاربة سياسية واقعية لا يمكنها تجاهل القوى الموجودة فعلياً على الأرض، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو العسكري.
وفي هذا الإطار، أوضح الترجمان أن المرحلة المقبلة قد تشهد بروز شخصيات وقيادات جديدة، خاصة من فئة الشباب، في إطار توجه يهدف إلى ضخ دماء جديدة في مؤسسات الدولة، إلا أنه لا يتوقع إقصاءً كاملاً للفاعلين الحاليين، بل إعادة توزيع للأدوار والمسؤوليات بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة المقبلة.
كما أشار إلى أن الحديث المتكرر عن القيادات الشابة يثير تساؤلات حول طبيعة هذه الشخصيات التي يمكن أن تتولى أدواراً قيادية مستقبلاً، سواء في المجالات السياسية أو الأمنية، لافتاً إلى أن بعض المجموعات التي أظهرت استعداداً للتعاون مع مشاريع توحيد المؤسسة العسكرية وضبط السلاح قد تكون ضمن القوى المرشحة للعب أدوار أكبر مستقبلاً.
وأكد أن المرحلة المقبلة قد تشهد نهاية لحقبة سياسية طويلة ارتبطت بالأجسام التنفيذية والتشريعية القائمة، لكنه استبعد في الوقت ذاته حدوث قطيعة كاملة مع جميع الفاعلين الحاليين، مرجحاً استمرار بعضهم في أداء أدوار مختلفة خلال المرحلة الانتقالية وحتى الوصول إلى الانتخابات.
وختم الترجمان، بالتأكيد على أن أي حكومة أو سلطة تنفيذية جديدة يجب أن تقوم على معايير مختلفة عن التجارب السابقة، بحيث تضم شخصيات تتمتع بالكفاءة والنزاهة وغير مرتبطة بملفات الفساد أو الصراعات الأمنية، وقادرة على إدارة المرحلة الانتقالية وصولاً إلى انتخابات تفتح الباب أمام بناء مؤسسات مستقرة ودولة مدنية فاعلة تستجيب لتطلعات الليبيين.









