اخبار مميزةليبيا

البويري: المبادرات الدولية في ليبيا تسير ضمن مسارات متكاملة لا متعارضة

قال الباحث في القانون الدولي محمد البويري، إن رؤساء أجهزة الاستخبارات حول العالم يُعدّون في الغالب شخصيات ذات طابع سياسي أكثر من كونهم مجرد مسؤولين أمنيين، مشيرًا إلى أن هذا المنصب يقارب في طبيعته منصب وزير الخارجية في العديد من الدول، حيث لا يشترط أن يكون شاغله ذا خلفية عسكرية أو أمنية بحتة.

وأوضح البويري خلال مداخلة على قناة “الوسط”، في حديثه حول زيارة وفود من أجهزة الاستخبارات والمخابرات إلى ليبيا، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن هذا النوع من المناصب سياسي بطبيعته، وهو ما يستوجب، بحسب تعبيره، توضيح هذه النقطة حتى لا يُفهم الوضع في ليبيا على أنه يقتصر على البعد الأمني فقط، بل هو جزء من سياق سياسي أوسع.

وأضاف أن الحديث عن وجود تناقض بين المبادرة الأمريكية للسلام والجهود التي تبذلها بعثة الأمم المتحدة في ليبيا غير دقيق، موضحًا أن الأزمة الليبية الحالية تتوزع إلى مسارين رئيسيين: الأول يتعلق بتوحيد السلطة من الناحية المؤسسية، والثاني يتعلق بالاتفاق على القوانين المنظمة للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة.

وأشار إلى أن مسألة توحيد السلطة، وفقًا لرؤيته، تدخل ضمن نطاق المبادرة الأمريكية، في حين أن بعثة الأمم المتحدة ستبارك أي نتائج يتم التوصل إليها في هذا السياق، باعتبار أن الهدف النهائي للبعثة يتوافق مع تحقيق الاستقرار السياسي في البلاد.

وفيما يخص ملف القوانين الانتخابية، أوضح البويري أن هناك خيارين مطروحين: الأول يتمثل في التوصل إلى توافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وهو خيار وصفه بأنه مستبعد في الوقت الراهن، والثاني يتمثل في تفعيل المادة 64 والذهاب نحو حوار سياسي موسع جديد يشمل مختلف الأطراف السياسية.

ولفت إلى أن هذا المسار يجري العمل عليه بالفعل، مشيرًا إلى وجود اجتماعات تمهيدية في تونس لما وصفه بـ”نواة الحوار”، وهي مجموعة أولية لا تمثل طرفًا سياسيًا واحدًا، وإنما تمهيد لتشكيل لجنة حوار شاملة في حال تعذر التوافق بين المؤسسات القائمة.

وأكد البويري أنه لا توجد – من وجهة نظره – أي حالة تناقض بين المبادرة الأمريكية وجهود الأمم المتحدة، مشيرًا إلى أن اختلاف المصالح بين الدول أمر طبيعي في السياسة الدولية، وأن الولايات المتحدة كقوة كبرى تتحرك وفق أدوات دبلوماسية ونفوذ سياسي، وليس عبر فرض مباشر للقرارات.

وأشار إلى أن الإشكال الأساسي في ليبيا يتمثل في ضعف البنية المؤسسية للدولة، موضحًا أن غياب مؤسسات مستقرة يجعل التعامل الدولي مع ليبيا قائمًا على الأشخاص لا المؤسسات، وهو ما يدفع بعض الدول إلى التحرك السريع ومتابعة التغييرات داخل مراكز السلطة.

وأضاف أن هذا الوضع قد يفسر جزءًا من الزيارات والتحركات الدولية الأخيرة، التي تهدف إلى فهم طبيعة التوازنات ومن سيتولى مواقع القرار، مشيرًا إلى أن الدول الأكثر استقرارًا تتعامل مع الحكومات باعتبارها مؤسسات ثابتة، وهو ما تأمل ليبيا الوصول إليه مستقبلًا.

وقال البويري إن ما يُتداول في بعض الصحف بشأن لقاء يُحضَّر له في واشنطن بين ممثلين عن شرق ليبيا وغربها، قد يفضي إلى إعلان اتفاق تاريخي لإعادة توحيد البلاد، يدخل في إطار ترتيبات سياسية متقدمة أكثر مما هو مجرد نقاشات أولية أو تسريبات إعلامية.

وأوضح أن الواقع الحالي يشير إلى أن هناك ترتيبات قائمة بالفعل، مشيرًا إلى وجود مفاوضات مستمرة منذ أشهر، تشمل تحركات مكوكية يقوم بها المبعوث الأمريكي مسعد بولس، في إطار مقاربة أمريكية أوسع للتعامل مع الملف الليبي، عبر التواصل مع مختلف الأطراف.

وأضاف أن استمرار تسريب خارطة الطريق إلى وسائل الإعلام دون إعلان رسمي يعكس طبيعة التعقيدات السياسية في ليبيا، معتبرًا أن المشكلة الأساسية لا تزال مرتبطة بتغليب الأسماء والمصالح الشخصية على حساب الحلول المؤسسية، وهو ما يعرقل الوصول إلى توافق نهائي.

وفي سياق حديثه، رأى البويري أن ليبيا، بوضعها الحالي، لا تزال في مرحلة تأسيسية مقارنة بالدول ذات التجارب الديمقراطية المستقرة، مشيرًا إلى أن بناء الديمقراطية يتم تدريجيًا عبر تراكم التجربة السياسية، وليس عبر نماذج مثالية مكتملة منذ البداية.

وأوضح أن الانتقال السياسي في ليبيا يتطلب العمل خطوة بخطوة، بما في ذلك تطور العمل الحزبي، حتى لو لم تكن الأحزاب الحالية مقبولة بالكامل في هذه المرحلة، مؤكدًا أن التحول السياسي قد يسمح مستقبلًا بوصول شخصيات من داخل الأحزاب إلى مواقع السلطة التنفيذية بعد سنوات، في إطار تطور طبيعي للعمل الديمقراطي.

وأشار إلى أن أحد الإشكالات الجوهرية يتمثل في قانون الانتخابات، خاصة الجدل القائم حول نظام القائمة مقابل النظام الفردي، لافتًا إلى أن نظام القوائم – رغم التحفظات عليه – يُعد في بعض الحالات أكثر قدرة على تطوير العمل السياسي والحد من تأثير البُنى القبلية، خصوصًا في المجتمعات ذات الطبيعة القبلية.

وأضاف أن بعض الاعتراضات على نظام القوائم ترتبط بخشية من سيطرة تنظيمات سياسية أكثر تنظيماً على المشهد الانتخابي، إلا أنه وصف هذا الطرح بأنه حجة ضعيفة في سياق تطوير النظام السياسي.

وفيما يتعلق بالمبادرات السياسية الجارية، أوضح البويري أنها ليست مبادرات بوليسية كما قد يصفها البعض، وإنما هي مبادرة في طور التنفيذ، تهدف إلى إعادة هيكلة بعض المؤسسات السياسية، وعلى رأسها المجلس الرئاسي، بما يجعله مؤسسة حقيقية ذات صلاحيات دستورية واضحة وقدرة على اتخاذ القرار بشكل جماعي ومنظم.

وانتقد البويري أداء المجلس الرئاسي الحالي، مشيرًا إلى أنه يعاني من ضعف مؤسسي واضح منذ ما بعد جنيف، حيث – على حد وصفه – يصدر كل عضو قرارات أو مواقف منفردة، ما أدى إلى إضعاف فعاليته السياسية والدستورية.

ورأى أن المبادرة الحالية تسعى إلى تحويل المجلس الرئاسي إلى كيان مؤسسي فاعل يتكامل مع حكومة حقيقية، في إطار مرحلة انتقالية جديدة يرى أنها “ا مفر منها في السياق الليبي، رغم أنه شخصيًا لا يتمنى استمرار المراحل الانتقالية المتكررة.

وأشار إلى أن التساؤلات المطروحة بشأن الانتخابات المقبلة، مثل من سيصل إلى السلطة وكيف سيتم ضمان التداول السلمي، ما تزال مفتوحة دون إجابات نهائية، معتبرًا أن هذه الأسئلة تقع ضمن المجهول السياسي في المرحلة الحالية.

كما لفت إلى أن المال السياسي يمثل أحد أبرز التحديات أمام العملية الديمقراطية في ليبيا، موضحًا أن الترشح للانتخابات، سواء الرئاسية أو البرلمانية، يتطلب موارد مالية كبيرة، ما يحد من قدرة بعض الفئات على المشاركة، في ظل ضعف الأحزاب السياسية وعدم نضجها المؤسسي الكامل.

وأكد البويري على أن المبادرات المطروحة، رغم ما قد يوجه لها من انتقادات، تنطلق من مقاربة الواقع الممكن في ليبيا، وليس من نماذج مثالية غير قابلة للتطبيق، مشيرًا إلى أن السياسة في جوهرها تقوم على إدارة الممكن وليس المستحيل، بما يضمن عدم تجاوز الواقع القائم أو فرض حلول غير قابلة للتنفيذ.

وقال إن قدرة القوى السياسية والعسكرية في العاصمة طرابلس على قبول شخصية تُمنح صلاحيات القائد الأعلى للجيش ضمن أي تسوية سياسية محتملة، بما في ذلك ما يُتداول حول تسوية بولس، ستظل مرتبطة بطبيعة التوافقات المنصوص عليها في الاتفاق السياسي الليبي، الذي يضع هذه الصلاحيات ضمن اختصاصات المجلس الرئاسي مجتمعًا.

وأوضح البويري أن الإشكال الأهم لا يتعلق بالشخصيات بقدر ما يتعلق بإعادة تشكيل المجلس الرئاسي الجديد على أسس مؤسسية واضحة، مشيرًا إلى أن الأولوية ينبغي أن تكون لتمكين هذا المجلس من ضبط عمل البعثات الدبلوماسية الليبية في الخارج، التي وصف وضعها الحالي بأنه مزرٍ، في ظل ما يشهده المجلس الرئاسي القائم من صراعات داخلية ومهاترات سياسية أثرت على أدائه.

وأضاف أن الملف الدبلوماسي يمثل واجهة الدولة الأولى، وبالتالي فإن إصلاحه يعد أضعف الإيمان في المرحلة الراهنة، قبل الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيدًا في بنية الدولة الليبية.

وفي سياق حديثه، تطرق البويري إلى البعد الجيوسياسي الدولي، مشيرًا إلى أن روسيا الاتحادية لم تعد تمثل قوة مماثلة للاتحاد السوفيتي السابق، ولا تُقارن بالولايات المتحدة الأمريكية أو حتى بحلف شمال الأطلسي، موضحًا أن النظام الدولي الحالي تحكمه بشكل أساسي قوتان رئيسيتان هما: الولايات المتحدة الأمريكية والصين الشعبية.

واعتبر أن الصين “تنين نائم” يركز حاليًا على الاقتصاد دون الانخراط الكامل في صراعات القوة العسكرية، في حين تتحرك الولايات المتحدة في نطاق نفوذها الاستراتيجي العالمي، بينما تواجه روسيا – بحسب وصفه – تحديات اقتصادية كبيرة، رغم محاولاتها توسيع نفوذها في بعض مناطق أفريقيا عبر تحالفات وعمليات نفوذ سياسية وأمنية.

وأشار إلى أن روسيا تمكنت من تحقيق تمدد نسبي في بعض الدول الأفريقية، إلا أن هذا التمدد، من وجهة نظره، لا يعكس قوة استراتيجية مستدامة بقدر ما يعكس ثغرات في النظام الدولي واستغلالًا لفراغات سياسية في بعض المناطق.

وفي المقابل، شدد البويري على أن الغرب لا يتعامل مع هذه التحركات دائمًا بالجدية الكافية، رغم قدرته على التأثير والمنافسة في نفس الساحات، لافتًا إلى أن الصراع الجيوسياسي الحالي يعكس إعادة تشكيل مراكز القوى العالمية.

واعتبر أن الحرب في أوكرانيا تمثل مثالًا على هذا التحول، مؤكدًا أن العقيدة العسكرية والاقتصادية الحالية تشير إلى أن استنزاف روسيا اقتصاديًا هو جزء من معادلة الصراع الدولي، على حد تعبيره.

وفي سياق حديثه عن ليبيا، أكد البويري أن البلاد بحاجة إلى بناء تحالفات استراتيجية مع القوى الكبرى، سواء مع الصين أو الولايات المتحدة، مشددًا على أن ليبيا دولة صغيرة وضعيفة نسبيًا وتحتاج إلى شراكات دولية تضمن حماية مصالحها الوطنية دون المساس بسيادتها.

وأوضح أن مفهوم التحالفات الدولية لا يعني التفريط في السيادة، بل يتطلب في بعض الأحيان تقديم تنازلات محسوبة تخدم المصلحة الوطنية، معتبرًا أن ليبيا لا يمكنها إدارة مصالحها بمفردها في ظل التوازنات الدولية الحالية.

واختتم البويري تصريحه بالتأكيد على أن الأمن القومي الليبي يجب أن يُدار وفق مقاربة استراتيجية واقعية، تأخذ بعين الاعتبار حجم الدولة وموقعها الجغرافي والتحديات المحيطة بها، مشيرًا إلى أن ليبيا، حتى بالمقارنة مع دول الجوار، لا تزال في موقع هش يتطلب سياسات خارجية متوازنة وتحالفات مدروسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى