“بو الرايقة”: الملف الليبي انتقل إلى مرحلة الضمانات الأمنية وتقاسم النفوذ

قال الباحث المتخصص في الأمن القومي، فيصل بو الرايقة، إن تحركات أجهزة الاستخبارات في الملف الليبي تعكس انتقاله من مرحلة المبادرات السياسية التقليدية إلى مرحلة أكثر تعقيداً ترتبط بـ”الضمانات الأمنية وتقاسم النفوذ وترتيبات ما بعد التسوية”.
وأوضح بو الرايقة، خلال مداخلة على قناة “الوسط”، أن هذا التحول مرتبط بطبيعة المقاربة الأمريكية الحالية، التي تعتمد على منظومة المستشارين المرتبطين مباشرة بالرئيس الأمريكي، في إطار تقليص البيروقراطية داخل وزارة الخارجية وربط مراكز القرار التنفيذي بشكل مباشر بالبيت الأبيض.
وأشار إلى أن تعيين مستشارين مثل ستيف ويتكوف، وتوم باراك، ومسعد بولس، يعكس اعتماد الإدارة الأمريكية على قنوات مباشرة لتجاوز البنية التقليدية لوزارة الخارجية، والاعتماد بدلاً من ذلك على ما وصفه بـ”قنوات الأمن القومي والاستخبارات”.
وأضاف أن هذا النهج يستند إلى وثائق الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية الصادرة عن مؤسسات صناعة القرار الأمريكية، والتي تحدد، بحسب قوله، توجهات الدولة خلال المرحلة المقبلة، بمشاركة مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع ودوائر الاستخبارات ومراكز التفكير الاستراتيجي.
وأكد أن تحركات أجهزة الاستخبارات في هذا السياق لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا الإطار، موضحاً أن رجال الاستخبارات في مثل هذه الملفات يمثلون مبعوثين خاصين للأمن القومي، ويتعاملون مع الدول من منظور استراتيجي شامل يتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية.
واعتبر “بو الرايقة”، أن اجتماع القاهرة الأخير يعكس هذا التوجه، حيث جرى طرح تصورات ومبادرات أمريكية على عدد من الدول الإقليمية المؤثرة، من بينها مصر وتركيا والسعودية، بهدف إشراكها في صياغة ملامح أي تسوية مستقبلية في ليبيا.
وأضاف أن الملف الليبي يعاني من إشكالية جوهرية تتعلق بغياب الدولة الموحدة والسياسة الخارجية الواحدة، في ظل وجود انقسام مؤسسي بين حكومات وأجسام سياسية متعددة، الأمر الذي ينعكس على ضعف القدرة التفاوضية الليبية في هذه المسارات الدولية.
وأشار إلى أن هذا الواقع أدى إلى انتقال إدارة الملف عملياً إلى المستوى الاستخباراتي، خاصة في ظل تراجع دور المؤسسات الدبلوماسية الليبية وتعدد مراكز القرار داخل الدولة.
ولفت إلى أن الأجهزة الاستخباراتية الأجنبية المشاركة في الملف الليبي تخضع مباشرة للمساءلة أمام حكوماتها، وتعمل ضمن خرائط واضحة للمصالح الوطنية، على عكس الجانب الليبي الذي، بحسب تعبيره، لا يمتلك رؤية موحدة أو أجندة تفاوضية واضحة.
وضرب “بو الرايقة”، مثالاً باجتماعات أمنية سابقة في طرابلس، حيث ظهرت الفجوة بين الوفود الأجنبية المنظمة والمؤسسات الليبية التي وصفها بأنها تعمل دون أدوات استراتيجية متكاملة لإدارة التفاوض.
كما أشار إلى أن بعض الدول، ومنها تركيا وإيطاليا ومصر، بالإضافة إلى أطراف دولية أخرى، تتحرك وفق قراءات مختلفة للمشهد الليبي بهدف تثبيت مصالحها قبل الوصول إلى أي تسوية نهائية.
وأوضح أن الولايات المتحدة تدير هذا الملف بعقل الدولة، من خلال إشراك مختلف الأطراف الدولية عبر لقاءات متعددة، سواء في باريس أو روما أو غيرها، بهدف توزيع الأدوار وتقليل كلفة الانفراد بالقرار.
وأكد أن جميع الأطراف الدولية تسعى إلى ضمان موقعها داخل أي تسوية قادمة، فيما يظل التحدي الأساسي مرتبطاً بقدرة الليبيين أنفسهم على صياغة رؤية وطنية موحدة قادرة على التفاعل مع هذه التوازنات الدولية المعقدة.
وقال: إن الحديث عن إعادة توحيد ليبيا عبر مسارات دولية، ومنها واشنطن، يطرح إشكالية جوهرية تتمثل في غياب التوافق الليبي الداخلي على شكل السلطة المقبلة، وعدم وجود قاعدة دستورية أو مسار انتخابي واضح حتى الآن.
وأوضح أن الأجسام السياسية القائمة حالياً في إدارة المشهد الليبي، بحسب وصفه، لم تعد فاعلة بالشكل المطلوب، مشيراً إلى أنها تنصلت من مسؤولياتها الوطنية ولم تنجح في لعب الدور المنوط بها، وهو ما ساهم في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها.
وأضاف أن بعض هذه الأجسام حاولت، عبر بيانات ومواقف سياسية، عرقلة المبادرة الأمريكية المطروحة، مشيراً إلى البيان الثلاثي الأخير الذي اعتبره محاولة لفرض مسار قانوني ودستوري مختلف عن المسار الذي تتحرك به الأطراف الدولية.
ولفت إلى أن هذه التحركات تزامنت مع دعم سياسي من أطراف إقليمية في إطار سعي كل طرف لإعادة صياغة موقعه داخل المشهد الليبي ومنحه غطاءً شرعياً في المحافل الدولية.
وأشار إلى أن الخطاب السياسي الحالي للأجسام الليبية يركز على مفاهيم مثل الحوكمة والانتخابات والسيادة، إلا أن هذه المصطلحات، وفق تعبيره، تُستخدم في سياق مخاطبة المجتمع الدولي ومجلس الأمن أكثر من كونها تعكس واقعاً عملياً قابلاً للتنفيذ على الأرض.
وأوضح أن الولايات المتحدة تتحرك وفق مقاربة واقعية تقوم على إدارة موازين القوى الفعلية وليس على التصورات النظرية، مشيراً إلى أن ما يُطرح من مبادرات يعكس هذا التوجه القائم على إعادة ترتيب السلطة وفق الوقائع الميدانية.
وفي هذا السياق، تحدث بو الرايقة عن مسار توحيد المؤسسة العسكرية، وربط ذلك بتحركات ميدانية في مناطق عدة، من بينها مدينة سرت، التي جرى النظر إليها كمنطقة ذات طابع خاص في المعادلات الأمنية والعسكرية، سواء كمجال محتمل للتنسيق أو كمنطقة عازلة في بعض التصورات المطروحة.
وأضاف أن هناك تصوراً دولياً، تقوده الولايات المتحدة ضمنياً، يقوم على دمج الاعتبارات الأمنية بمفاهيم مكافحة الإرهاب، بهدف تجاوز الخلافات السياسية الداخلية وإعادة تنظيم المشهد العسكري في البلاد.
وأشار إلى أن المسارات السياسية المطروحة حالياً تتوزع بين عدة ملفات، من بينها ملف توحيد المؤسسة العسكرية، وملف القوانين الانتخابية، وملف تشكيل السلطة التنفيذية، لافتاً إلى أن كل مسار يتم التعامل معه بشكل منفصل ضمن رؤية دولية شاملة لإعادة تشكيل النظام السياسي في ليبيا.
وأوضح أن الرؤية الأمريكية للملف الليبي تأتي ضمن سياق إقليمي أوسع يشمل أزمات في السودان وغزة وإيران، حيث تنظر واشنطن إلى هذه الملفات باعتبارها مترابطة ضمن لوحة جيوسياسية واحدة.
واستشهد بو الرايقة ببعض الطروحات النظرية في العلاقات الدولية التي تشير إلى أن الفراغات السياسية في الدول الهشة قد تسمح بتمدد قوى أخرى، وهو ما يجعل الموقع الجيوسياسي لليبيا، بحسب وصفه، ذا أهمية تتجاوز قدرات الفاعلين المحليين.
وأكد أن أي تسوية مستقبلية في ليبيا ستظل خاضعة لتوازنات دولية معقدة ما لم يتم التوصل إلى توافق وطني داخلي قادر على إعادة تعريف شكل الدولة ومؤسساتها بشكل مستقل ومستقر.
وفي حديثه عن الدور الإقليمي، أشار بو الرايقة إلى أن مصر تتعامل مع الملف الليبي من منظور الأمن القومي بالدرجة الأولى، لافتاً إلى أن هذا التوجه ينعكس في خطاب الدولة المصرية، وخاصة عبر وزارة الخارجية، التي تعتمد بشكل كبير على مقاربات أمنية في إدارة هذا الملف.
وأضاف أن مصر تنظر إلى ليبيا باعتبارها جزءاً من نطاق أمنها الإقليمي الممتد، بما في ذلك تداعيات الأوضاع في السودان والحدود الجنوبية، وهو ما يجعل القاهرة حريصة على ضبط أي ترتيبات سياسية أو أمنية في ليبيا بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية.
وأشار إلى أن الأجهزة المصرية المعنية بالملف الليبي تتعامل معه باعتباره ملفاً أمنياً متكاملاً، يتم عبره ضبط التوازنات الإقليمية وتحقيق الاستقرار بما يخدم الأمن القومي المصري وشركاءه الإقليميين.
وفي المقابل، تحدث بو الرايقة عن أدوار الدول الأخرى المنخرطة في الملف الليبي، مثل فرنسا وتركيا وغيرها، موضحاً أن مقاربات هذه الدول أيضاً تستند إلى اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، وليس إلى مقاربات سياسية تقليدية فقط.
وأشار إلى أن الوفود الأمنية والاستخباراتية التي زارت ليبيا خلال الفترة الأخيرة تأتي ضمن هذا الإطار، حيث تتحرك أجهزة الاستخبارات بوصفها أدوات تنفيذ مباشر لمصالح الدول، وليست مجرد قنوات تقنية أو دبلوماسية.
واعتبر أن الإشكالية الأساسية تكمن في الجانب الليبي، حيث لا توجد، بحسب وصفه، رؤية استراتيجية موحدة تعبر عن المصالح الوطنية العليا للدولة الليبية في أي تسوية قادمة. موضحا أن الأطراف الليبية لم تنجح حتى الآن في صياغة أجندة تفاوضية واضحة تحدد أولويات الدولة ومصالحها الاستراتيجية، بما يجعلها طرفاً فاعلاً في رسم مخرجات أي تسوية، بدلاً من أن تكون مجرد متلقٍ للقرارات الدولية.
وأكد أن الدول الفاعلة في الملف الليبي تتعامل بمنطق المصالح البحتة، وتستخدم أدوات العمل الاستخباراتي والدبلوماسي ضمن منظومة دقيقة لحماية مصالحها الاستراتيجية، في حين يفتقر الجانب الليبي إلى هذا المستوى من التنظيم المؤسسي في إدارة الملف.
وأكد أن مستقبل التسوية في ليبيا سيظل مرهوناً بقدرة الليبيين على بلورة مشروع وطني واضح يحدد بدقة موقع الدولة ومصالحها داخل المعادلات الإقليمية والدولية، بعيداً عن العاطفة أو ردود الفعل، وبما يضمن استعادة القرار الوطني داخل مؤسسات الدولة.









