اخبار مميزةليبيا

الفنيش: المبادرة الأمريكية مرشحة للوصول إلى مرحلة التطبيق  

أكد الباحث السياسي حسام الفنيش أن التصريحات الأخيرة لمستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس بشأن مواصلة العمل لتشكيل حكومة ليبية موحدة تحمل دلالات سياسية مهمة، معتبراً أنها تعكس عودة واضحة للحديث عن ملف السلطة التنفيذية بعد فترة من الصمت، كما تؤكد استمرار الاهتمام الأمريكي بإنجاح هذا المسار، رغم الجدل الدائر حول طبيعة المبادرة ومضمونها.

وقال الفنيش، خلال لقائه مع قناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، إن عودة بولس للحديث عن حكومة موحدة جاءت بعد زيارته الأخيرة إلى مدينتي مصراتة وطرابلس ولقائه عدداً من الأطراف المؤيدة والمعارضة للمبادرة، مشيراً إلى أن هذه التحركات تحمل مؤشرات واضحة على أن الولايات المتحدة ما زالت متمسكة بمشروعها السياسي في ليبيا، وأن ما يجري يتجاوز مجرد تصريحات إعلامية.

وأوضح أن وجود تحفظات أو اختلافات في تقييم المبادرة لا يعني إنكار وجودها، مؤكداً أن من واجب المحللين السياسيين نقل الوقائع كما هي، سواء اتفقوا مع المبادرة أو اختلفوا معها، مضيفاً أن زيارة وفد من الكونغرس الأمريكي، الذي ضم ممثلين عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي، تشكل دليلاً إضافياً على أن المبادرة تمثل جزءاً من السياسة الأمريكية تجاه ليبيا، وليست مرتبطة بإدارة أمريكية بعينها.

وأشار إلى أن زيارة الوفد الأمريكي إلى بنغازي ولقاءه الفريق صدام حفتر ووكيل وزارة الدفاع عبدالسلام الزوبي، إلى جانب الحراك الدولي والإقليمي المصاحب لمبادرة بولس، تعكس جدية واشنطن في التعاطي مع الملف الليبي، معتبراً أن محاولات التقليل من أهمية المبادرة أو نفي وجودها لا تنسجم مع حجم التحركات السياسية والدبلوماسية الجارية.

وأضاف أن المبادرة لا يمكن اختزالها في وثيقة مكتوبة أو خارطة طريق معلنة، بل تندرج ضمن استراتيجية أمريكية أوسع تقوم على “الغموض الاستراتيجي”، موضحاً أن المستشار مسعد بولس يؤدي دوراً محورياً في السياسة الأمريكية باعتباره مستشاراً مقرباً من الرئيس الأمريكي، ويتحرك في إطار توجهات وزارة الخارجية الأمريكية، وهو ما يمنح المبادرة ثقلاً سياسياً يتجاوز طبيعة النصوص الرسمية.

وفي معرض تعليقه على ما تردد بشأن نفي بولس وجود مبادرة خلال زيارته إلى مصراتة، قال الفنيش إن ذلك قد يكون جزءاً من مقاربة دبلوماسية هدفت إلى استطلاع مواقف القوى المحلية وتحسين شروط قبول المبادرة، وليس دليلاً على غيابها، لافتاً إلى أن بولس كان يسعى إلى استكشاف طبيعة الاعتراضات أكثر من تغييب المبادرة نفسها.

وتطرق الفنيش إلى زيارة وفد الكونغرس، موضحاً أنها جاءت بتكليف من لجنة مختصة داخل الكونغرس، وأسفرت عن مجموعة من الخطوات العملية، من بينها الاتفاق على إنشاء مفرزة خاصة للسلاح الجوي في الكلية العسكرية بمصراتة، والتوافق على تمرين فلينتلوك خلال عام 2027، إضافة إلى إنشاء غرفة عمليات مشتركة، فضلاً عن طرح ملف إعادة افتتاح السفارة الأمريكية في ليبيا، مع تخصيص ميزانية تقارب 40 مليون دولار لهذا الغرض.

ورأى أن هناك بالفعل حالة رفض للمبادرة داخل أوساط في الغرب الليبي، خاصة فيما يتعلق بشكل السلطة التنفيذية المقبلة، في وقت تعاني فيه الحكومة الحالية من ضعف واضح في إدارة التوازنات الداخلية، خصوصاً بعد الاحتجاجات الأخيرة وأزمة الكهرباء، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن شكل الحكومة المقبلة، وما إذا كانت ستكون حكومة موحدة أو حكومة جديدة كلياً.

وفي هذا السياق، أشار الفنيش إلى أن الغرب الليبي ليس كتلة سياسية موحدة، بل يضم تباينات واختلافات تاريخية بين مكوناته، وهو ما يجعل التعامل مع أي مبادرة سياسية أكثر تعقيداً، مؤكداً أن التطورات التي شهدتها طرابلس خلال الفترة الأخيرة، وما رافقها من احتجاجات واضطرابات أمنية، أضعفت موقف حكومة عبدالحميد الدبيبة، وفتحت الباب أمام تساؤلات حول استمرار الرهان الأمريكي عليه كشريك في المرحلة المقبلة.

وأضاف أن زيارة بولس إلى الغرب الليبي هدفت، في جانب منها، إلى قياس حجم المعارضة الحقيقية للمبادرة، ومعرفة الأوزان السياسية للقوى الرافضة، معتبراً أن واشنطن لم تكن تملك تصوراً كاملاً عن طبيعة المشهد في الغرب الليبي قبل تلك الجولة، ولذلك سعت إلى جمع أكبر قدر من المعلومات حول مواقف مختلف الأطراف.

وأوضح أن الاعتراضات المطروحة لا تستهدف فكرة توحيد المؤسسات العسكرية أو الأمنية أو معالجة ملف الميزانية، وإنما تتركز بدرجة أساسية حول الشخصيات التي ستتولى قيادة المجلس الرئاسي والحكومة، معتبراً أن غالبية التحفظات تتعلق بتركيبة السلطة التنفيذية أكثر من اعتراضها على مضمون الإصلاحات نفسها.

كما أكد أن معالجة هذه الاعتراضات تستدعي توسيع دائرة الحوار وعدم الاقتصار على طرف واحد، مشيراً إلى أن الغرب الليبي لا يمثله عبدالحميد الدبيبة وحده، وإنما يضم شخصيات وقوى سياسية أخرى ينبغي إشراكها في أي تسوية لضمان قبول أوسع للمبادرة.

وفي حديثه عن موقف الدبيبة، رأى الفنيش أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية يواجه معارضة داخل معسكره نفسه، الأمر الذي قد يصعب عليه تقديم تنازلات كبيرة دون الاصطدام بالقوى الرافضة داخل الغرب الليبي، مضيفاً أن بولس لمس بنفسه حجم الاعتراضات خلال لقاءاته في مصراتة، وهو ما سيدفع إلى إدخال تعديلات أو تحسينات على بعض جوانب المبادرة دون التخلي عن أهدافها الأساسية.

وشدد على أن أي مقاربة سياسية يجب أن تنطلق من الواقع الليبي القائم، موضحاً أن الحديث عن الديمقراطية والانتخابات يظل مهماً من حيث المبدأ، إلا أن الانقسام المؤسسي وتعطل العملية الانتخابية طوال السنوات الماضية يفرضان معالجة جذور الأزمة أولاً، وهو ما حاولت المقاربة الأمريكية القيام به عبر التركيز على توحيد المؤسسات التنفيذية والعسكرية والأمنية ومعالجة الملفات الخلافية التي حالت دون إجراء الانتخابات والاعتراف بنتائجها.

وأضاف أن المجتمع الليبي ما زال يشهد انقسامات سياسية واجتماعية عميقة، الأمر الذي يجعل الوصول إلى توافق شامل أمراً معقداً، مشيراً إلى أن الغرب الليبي مطالب أيضاً بطرح بدائله وخياراته وعدم الاكتفاء برفض المبادرات المطروحة.

واختتم الفنيش حديثه بالتأكيد على أن المبادرة الأمريكية مرشحة للوصول إلى مرحلة التطبيق، رغم ما يحيط بها من تحديات سياسية، معتبراً أن الإدارة الأمريكية تمتلك القدرة على التعامل مع هذه العقبات، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن أصعب مراحل المبادرة ستتمثل في التوصل إلى صيغة توافقية بشأن السلطة التنفيذية الموحدة، بما يضمن عدم تعثرها في مراحلها المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى