امطيريد: المبادرة الأمريكية تمضي نحو التنفيذ بدعم دولي واسع
أكد المحلل السياسي محمد امطيريد أن المبادرة الأمريكية الخاصة بالملف الليبي تحظى بزخم دولي وإقليمي متصاعد، معتبراً أن الولايات المتحدة لم تتحرك منفردة، وإنما عملت بناء على تحالف واسع يضم قوى إقليمية ودولية ترى أن استقرار ليبيا يمثل مصلحة مشتركة، مشيراً إلى أن هذا الدعم عزز فرص انتقال المبادرة من مرحلة الطرح إلى التنفيذ.
وأوضح امطيريد، خلال لقائه مع قناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، أن الولايات المتحدة نجحت في إعادة ترتيب المشهد الليبي بعد سنوات من تعدد التدخلات الخارجية، عبر التنسيق مع شركائها في الشرق والغرب، وإيجاد حالة من التوازن بين الأطراف المؤثرة، لافتاً إلى أن مصر وتركيا، رغم اختلاف مواقفهما سابقاً، توصلتا إلى تفاهمات ساهمت في تهدئة الملف الليبي، كما شهدت مواقف كل من فرنسا وإيطاليا تقارباً في ظل المصالح المشتركة داخل ليبيا.
وأضاف أن المبادرة الأمريكية استفادت أيضاً من نتائج زيارة وفد من الكونغرس الأمريكي إلى ليبيا، وما تضمنته لقاءاته مع الأطراف المختلفة، مبيناً أن تلك التحركات أفضت إلى إعداد بنود سيتم تضمينها في قانون الاستقرار المتوقع الإعلان عنه، والذي يرى أنه سيمهد لتوقيع اتفاق نهائي بشأن المبادرة.
وفي السياق ذاته، اعتبر امطيريد أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية عبدالحميد الدبيبة تراجع عن عدد من الشروط التي كان يتمسك بها خلال المفاوضات السابقة، مرجعاً ذلك إلى تراجع شعبيته في طرابلس ومصراتة، الأمر الذي أدى إلى إضعاف موقفه التفاوضي ودفعه إلى تقديم تنازلات مهمة، ما سمح للمبادرة بالانتقال إلى مرحلة التنفيذ بالشراكة مع عدد من الدول، من بينها مصر وتركيا وإيطاليا، إلى جانب انضمام قطر والإمارات وسوريا إلى مسار الدعم.
وأشار إلى أن المبادرة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية تشمل الجانب الأمني والعسكري، والاقتصادي، والسياسي، موضحاً أن البعد الاقتصادي يحظى بأولوية كبيرة نظراً للموقع الاستراتيجي لليبيا في ظل التطورات الإقليمية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، والتوتر مع إيران، والأوضاع في غزة، إضافة إلى سعي الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين إلى نقل الاستثمارات بعيداً عن مناطق التوتر في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على توازن المصالح الدولية، بما فيها المصالح الروسية.
وعن الجدل الدائر بشأن توصيف الطرح الأمريكي، شدد امطيريد على أن النقاش حول تسمية المبادرة لا يغير من واقعها، مؤكداً أنها أصبحت مساراً قائماً فرض نفسه على المشهد السياسي، مستشهداً بما قال إنه تغير في توجهات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وتحولها نحو دعم هذا المسار، فضلاً عن التعديلات التي طالت آليات عمل لجان الحوار، معتبراً أن تلك التطورات تمثل مؤشرات عملية على وجود المبادرة وليس مجرد طرح إعلامي.
ورأى أن المبادرة لا تمثل مشروعاًجديداً بالكامل، وإنما تعد صيغة إصلاحية للمسارات السابقة، بدءاً من اتفاق الصخيرات وصولاً إلى حوار جنيف، مع إدخال تعديلات تستهدف معالجة أوجه القصور التي رافقت تلك الاتفاقات، مضيفاً أن وجود اعتراضات عليها لا يختلف عن الرفض الذي واجه مختلف المبادرات السياسية خلال السنوات الماضية.
وأكد أن المبادرة الحالية ستعيد رسم المشهد السياسي، ولن تقتصر آثارها على تغيير الحكومات، بل ستؤثر أيضاً في طبيعة الأدوار التي ستلعبها المؤسسات القائمة، سواء المجلس الرئاسي أو مجلس الدولة أو مجلس النواب، معتبراً أن التوازنات السياسية تغيرت بعد تراجع نفوذ بعض الأطراف في المنطقة الغربية.
وفي حديثه عن المواقف الإقليمية، قال امطيريد إن مصر كانت من بين الدول المتحفظة على المبادرة في بدايتها، إلا أنها غيّرت موقفها لاحقاً بعد زيارة مسعد بولس، مشيراً إلى أن التقارب المصري التركي لعب دوراً في قبول القاهرة بهذا المسار، معتبراً أن انضمام عدد من الدول، بينها قطر والإمارات والسعودية، يعكس اتساع دائرة الدعم للمبادرة.
كما اعتبر أن الحديث عن عدم وجود مبادرة أمريكية يتناقض مع سلسلة الاجتماعات واللقاءات التي شهدتها روما وأنقرة ومالطا، إضافة إلى اللقاءات التي جمعت شخصيات من الشرق والغرب الليبي، مؤكداً أن هذه التحركات تعكس وجود ترتيبات سياسية فعلية يجري العمل عليها.
وفيما يتعلق بمستقبل الحكومة المقبلة، أوضح امطيريد أن النقاشات الأخيرة ركزت على وزارات الخارجية والدفاع والداخلية، مشيراً إلى أن الخطة المطروحة تتضمن، إعادة تشكيل المجلس الرئاسي خلال شهر أكتوبر المقبل، بعد إسقاط عدد من الشروط التي كان يتمسك بها رئيس حكومة الوحدة الوطنية، إلى جانب تثبيت صلاحيات المؤسسة العسكرية، مع بقاء قرارات السلم والحرب بيد رئيس المجلس الرئاسي.
وأضاف أن المرحلة التالية ستشهد، قبل نهاية العام، رسم ملامح الحكومة المقبلة وإجراء تعديلات على بعض الحقائب الوزارية، على أن تتولى لجنة “4+4” لاحقاً وضع الترتيبات اللازمة للانتقال إلى انتخابات برلمانية في منتصف عام 2027.
وعن استمرار التعاطي مع الدبيبة رغم تراجع موقعه السياسي، قال امطيريد إن الولايات المتحدة حاولت البحث عن بدائل بالتنسيق مع تركيا، إلا أن بريطانيا، ما تزال متمسكة ببقاء الدبيبة، وتعتبره الشخصية الأنسب لتمثيل مصالحها داخل ليبيا، وهو ما حال دون استبداله في هذه المرحلة.
وفي رده على الانتقادات الموجهة للمبادرة، رأى أن الرافضين لها يفتقرون إلى بدائل عملية، معتبراً أن أي شخصية تسعى إلى بناء مؤسسات الدولة وتوحيد الجيش ومحاربة الميليشيات ستواجه اعتراضات من القوى المستفيدة من استمرار الوضع القائم، داعياً إلى تقديم حلول واقعية بدلاً من الاكتفاء برفض المبادرات المطروحة.
وأشار كذلك إلى أن لقاءات مسعد بولس في مدينة مصراتة أظهرت تبايناً في مواقف المشاركين، إذ رفض بعضهم الطرح الأمريكي، بينما أبدت مجموعات أخرى قبولها بالمقترحات، بما في ذلك فكرة تولي الفريق صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، معتبراً أن هذا الانقسام يعكس وجود تيارات مختلفة داخل المدينة بشأن مستقبل العملية السياسية.
واختتم امطيريد حديثه بالتأكيد على أن المبادرة الأمريكية تسير نحو التنفيذ وتحظى بدعم دولي وإقليمي متزايد، نافياً أن تكون قائمة على تقاسم السلطة بين عائلتين كما يروج البعض، ومشدداً على أنها تستند إلى وجود قوتين سياسيتين في الشرق والغرب ستعملان على إصلاح المشهد السياسي وتهيئة البلاد لإجراء انتخابات خلال فترة لا تتجاوز عامين.









