البوري: استقالة محافظ المركزي لم تستكمل إجراءاتها القانونية

قال الباحث القانوني محمد البوري إن الحديث عن استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى ومغادرته منصبه لا يزال سابقًا لأوانه، موضحًا أن طلبه لم يستكمل بعد الإجراءات القانونية اللازمة للبت فيه وقبوله من الجهات المختصة.
وأوضح البوري، في حديث لقناة الوسط ضمن برنامج «وسط الخبر»، رصدته صحيفة “الساعة24″، أن عيسى وجّه طلبه إلى رئاسة مجلسي النواب والدولة، مشيرًا إلى أن إنهاء مهامه بالإعفاء يختلف قانونيًا عن الاستقالة التي يتقدم بها شاغل المنصب، وأن الأخيرة تحتاج إلى استكمال الإجراءات والبت فيها من الجهات صاحبة الاختصاص.
وقال إن آلية تسمية محافظ مصرف ليبيا المركزي، وفق الاتفاق السياسي الذي أصبح جزءًا من الإطار الدستوري الليبي، تقوم على التوافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وهي الآلية التي اتُّبعت في تسمية ناجي عيسى.
وأضاف البوري أنه في حال قبول الاستقالة، فإن نائب المحافظ سيتولى تسيير مهام المنصب مؤقتًا، إلى حين تسمية محافظ جديد أو اتخاذ الإجراء القانوني المناسب بشأن قيادة المصرف، مؤكدًا أن هذه المسألة ستُحسم وفق الآليات القانونية والجهة المختصة.
وأشار إلى أن طلب رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة من عيسى الاستمرار في أداء مهامه إلى حين حسم وضعه يمثل، من الناحية القانونية، موقفًا صادرًا عن إحدى الجهتين المعنيتين بتسمية المحافظ، وليس مجرد موقف سياسي.
وفي تعليقه على إعلان عيسى وجود «أسباب حساسة» وراء طلبه، قال البوري إن المحافظ، إذا كان يواجه بالفعل تهديدات أو أخطار حالت دون استمراره في منصبه، كان يمكنه توضيح حجم الضغوط والصعوبات التي واجهها للرأي العام، بما يضع الجهات المسؤولة أمام مسؤولياتها ويحد من حالة التكهنات التي رافقت إعلان اعتذاره.
وأضاف أن الحديث عن اتصالات أو تدخلات دولية مرتبطة بملف المصرف المركزي يعكس حساسية الوضع، معتبرًا أن خروج المحافظ في تصريح واضح يشرح فيه التحديات التي واجهها، وإعلانه أنه قد يضطر إلى مغادرة منصبه إذا استمرت الظروف على حالها، كان سيكون أكثر وضوحًا من تقديم طلب الاستقالة بصورة مباشرة.
وفي تقييمه لأداء عيسى، قال البوري إن المسؤولية عن أداء مصرف ليبيا المركزي لا تقع على المحافظ وحده، موضحًا أن المحافظ يعمل إلى جانب مجلس إدارة يتولى اختصاصات أساسية في رسم السياسات واتخاذ القرارات.
وانتقد البوري عدم انعقاد مجلس إدارة المصرف بصورة منتظمة وفاعلة، معتبرًا أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها ليبيا تفرض تفعيل المجلس بصورة أكبر، وعقد اجتماعات دورية لمتابعة الملفات النقدية والمالية وتوزيع المهام بين أعضائه.
وقال إنه لم يسمع خلال الفترة الماضية عن قرارات ذات وزن صدرت بصورة واضحة عن مجلس إدارة المصرف، مشيرًا إلى أن غالبية القرارات التي تظهر للرأي العام تُنسب إلى المحافظ، رغم أن مجلس الإدارة يتحمل جانبًا أساسيًا من المسؤولية عن رسم السياسات النقدية واتخاذ القرارات.
وأكد أن تحميل المحافظ وحده مسؤولية أداء المصرف يتجاهل دور مجلس الإدارة، معتبرًا أن المطلوب هو مجلس فاعل يمارس اختصاصاته بصورة مستمرة، لا أن يقتصر دوره على الاجتماعات الدورية والإجراءات البروتوكولية.
وفي تقييمه للسياسات النقدية خلال فترة تولي عيسى، أشار البوري إلى أن المحافظ يمتلك خبرة سابقة في مصرف ليبيا المركزي، كما شغل إدارة مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية، معتبرًا أن خلفيته تجمع بين الجانب الأكاديمي والخبرة المصرفية.
وانتقد في المقابل سياسة فتح الاعتمادات لتوفير السلع، مشيرًا إلى أن هذه السياسة أدت إلى ضخ كميات كبيرة من النقد الأجنبي في السوق، ومتسائلًا عن استمرار تمويل المشروعات التنموية وإبرام اتفاقيات جديدة في ظل الضغوط التي يتعرض لها سوق النقد الأجنبي.
واعتبر البوري أن تعليق بعض المشروعات أو وقف إبرام اتفاقيات تنموية جديدة لفترة محددة كان يمكن أن يسهم في ضبط السوق الداخلية والسيطرة على الطلب على العملة الأجنبية، مشيرًا إلى استمرار الحكومتين في شرق البلاد وغربها في إبرام عقود ومشروعات تنموية رغم الضغوط على الموارد المالية.
وقال إن مثل هذه السياسات كان ينبغي أن تُبحث داخل مجلس إدارة المصرف وأن تصدر بشأنها قرارات واضحة، مشيرًا إلى أن غياب القرارات ذات الوزن عن المجلس يعكس، في تقديره، ضعفًا في أداء المؤسسة ككل.
وفي حديثه عن الوضع الاقتصادي، أوضح البوري أن الاقتصاد الليبي يعاني تشوهات تراكمت منذ عقود، فيما تؤدي زيادة مطالب الوزارات والمؤسسات بالميزانيات وارتفاع فاتورة المرتبات والإنفاق العام إلى ضغوط متزايدة على الموارد المتاحة.
وأضاف أن اتساع الفجوة بين حجم الإنفاق والموارد المتاحة قد يؤدي إلى زيادة المعروض النقدي، بما ينعكس على قيمة العملة المحلية ويزيد تعقيد الأزمة الاقتصادية.
وأكد البوري أن معالجة الوضع الاقتصادي لا يمكن اختزالها في أداء محافظ مصرف ليبيا المركزي، معتبرًا أن الأزمة ترتبط بمجمل السياسات المالية والنقدية وبأداء المؤسسات المسؤولة عن اتخاذ القرار.
وخلص إلى أن مصرف ليبيا المركزي لم ينجح، بحسب تقديره، في وضع خطة واضحة لإدارة المرحلة، سواء على مستوى المحافظ أو مجلس الإدارة، معتبرًا أن الأداء اتسم بالتعامل مع الملفات يومًا بيوم بدلًا من العمل وفق رؤية مسبقة، وهو ما انعكس على إدارة الملفات الاقتصادية والنقدية.









