اخبار مميزةليبيا

السنوسي: استقالة ناجي عيسى ترتبط بضغوط متزايدة على سعر صرف الدينار

قال أحمد السنوسي، المهتم بالشأن الاقتصادي، إن ما أُثير بشأن استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى يرتبط بصورة مباشرة بالضغوط المتزايدة على سعر صرف الدينار في السوق الموازية، معتبراً أن الخطوة تمثل، في تقديره، «ضربة استباقية» و«جرس إنذار» لما قد تشهده المرحلة المقبلة.

وأوضح السنوسي في مداخلة تليفزيونية تابعتها ورصدتها صحيفة الساعة24، أن استقالة المحافظ لا تعني بالضرورة مغادرته منصبه، مشيراً إلى أن قبول الاستقالة يخضع للإجراءات القانونية والمؤسساتية، وأن ما أُعلن حتى الآن لا يعني أن الاستقالة أصبحت نافذة، في ظل عدم صدور قرار نهائي بقبولها.

وأضاف أن رسالة المحافظ، بحسب قراءته، لا تستهدف فقط المصرف المركزي، وإنما تحمل تحذيراً من تداعيات السياسات المالية المرتبطة بالإنفاق والإيرادات، مؤكداً أن المشكلة الاقتصادية في ليبيا لا تكمن في الإنفاق وحده، بل يرى أن الإيرادات تمثل الجانب الأكثر إلحاحاً وخطورة.

وأشار السنوسي إلى وجود ما وصفه بـ«انفلات» في الإنفاق العام شرقاً وغرباً، بالتزامن مع استمرار مشكلات الإيرادات، معتبراً أن معالجة الأزمة تتطلب مواجهة أسبابها بصورة مباشرة، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات مؤقتة أو تحميل المصرف المركزي وحده مسؤولية تراجع قيمة الدينار.

وقال إن استمرار الإنفاق بهذا الشكل، بالتوازي مع ضعف إدارة الإيرادات، يضغط بصورة متزايدة على العملة المحلية، لافتاً إلى أن ارتفاع فاتورة استيراد المحروقات يمثل أحد أبرز الملفات التي تستوجب المراجعة.

وبيّن أن فاتورة استيراد البنزين والديزل ارتفعت، وفق الأرقام التي أوردها، من نحو 200 إلى 250 مليون دينار قبل سنوات إلى أكثر من 700 مليون دينار، معتبراً أن هذا التطور يستدعي نقاشاً جدياً حول منظومة دعم المحروقات وآليات إدارتها.

وانتقد السنوسي استمرار دعم المحروقات بالصورة الحالية، معتبراً أن ليبيا تقدم البنزين بأسعار منخفضة للغاية مقارنة بالأسعار العالمية، في وقت تتحمل فيه الدولة أعباء مالية كبيرة لاستيراده.

وقال إن العالم يتعامل مع المحروقات باعتبارها سلعة تخضع لضرائب ورسوم وأسعار سوقية، بينما تستمر ليبيا منذ سنوات في إبقاء أسعار البنزين عند مستويات منخفضة، الأمر الذي يرى أنه خلق تشوهات اقتصادية وساهم في اتساع فجوة الاستهلاك والتهريب والاستيراد.

وأكد أن الحديث عن إصلاح منظومة الدعم لا ينبغي أن يقتصر على رفع الأسعار، بل يجب أن يكون جزءاً من سياسة اقتصادية متكاملة تراعي أوضاع المواطنين وتضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، بدلاً من استمرار الدعم السلعي المفتوح الذي تستفيد منه، بحسب رأيه، جهات وفئات لا تستحقه.

وأضاف أن المواطن الليبي يجب أن يحصل على دعم مباشر وعادل إذا اتُخذ قرار بإصلاح أسعار المحروقات، بدلاً من استمرار الوضع الحالي الذي وصفه بأنه «غير قابل للاستمرار».

ولفت السنوسي إلى أن حجم استيراد البنزين والديزل في ليبيا، وفق تقديراته، يمثل رقماً ضخماً مقارنة بحجم استيراد العديد من السلع الأخرى، داعياً إلى فتح ملف الاستيراد بشكل شفاف، والإجابة عن أسئلة تتعلق بحجم الكميات المستوردة، وأسعارها، والجهات المستفيدة، وآليات التوزيع.

وشدد على أن غياب الشفافية في هذا الملف يفتح الباب أمام الهدر والفساد، داعياً المؤسسات العامة المعنية إلى نشر بيانات تفصيلية تمكن المواطن والرأي العام من معرفة حجم الإنفاق الفعلي على المحروقات.

وقال إن الإصلاح الحقيقي يتطلب التعامل مع هذه الملفات بالأرقام، لا بالشعارات، مؤكداً أن استمرار الوضع الحالي يضاعف الضغوط على المالية العامة وسعر الصرف.

وربط السنوسي بين الضغوط على الدينار وبين ارتفاع الإنفاق العام، مشيراً إلى أن زيادة بند المرتبات، إلى جانب الإنفاق في قطاعات أخرى، ترفع الطلب على العملة الأجنبية وتزيد الضغوط على سوق الصرف.

وأشار إلى ما وصفه بوجود عجز مالي يقدر بنحو 3 مليارات دينار، معتبراً أن استمرار زيادة الإنفاق في ظل محدودية الموارد قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على سعر الصرف.

وأضاف أن الحديث عن سعر صرف الدولار يجب ألا يكون منفصلاً عن التطورات المالية والنقدية، لأن معالجة سعر الصرف تتطلب معالجة أسباب الاختلال في المالية العامة، وليس التعامل مع النتائج فقط.

ووصف السنوسي موقف ناجي عيسى بأنه أقرب إلى «جرس إنذار» موجه إلى مختلف المؤسسات المعنية بالسياسة المالية والنقدية، وليس إعلاناً مؤكداً عن مغادرة منصبه.

وأكد أن استقالة المحافظ، بحسب الإجراءات التي أشار إليها، لا تصبح نافذة بمجرد إرسالها، وإنما تتطلب استكمال الإجراءات القانونية والمؤسساتية ذات الصلة.

ودعا السنوسي مجلس النواب والسلطات والمؤسسات المعنية إلى التعامل مع الملف بعقلانية، محذراً من أن أي تغيير مفاجئ في قيادة المصرف المركزي، في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، قد يزيد حالة عدم الاستقرار بدلاً من معالجتها.

وقال إن ليبيا تمر، في تقديره، بمرحلة اقتصادية وسياسية حساسة، وإن استمرار السياسات الحالية دون إصلاحات حقيقية قد يقود إلى تداعيات اجتماعية واقتصادية أكبر.

وشدد السنوسي على ضرورة رفع مستوى الإفصاح المالي في المؤسسات العامة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالإنفاق والاستيراد والدعم.

وانتقد ما وصفه بضعف المعلومات المتاحة للرأي العام بشأن بعض الملفات الاقتصادية، داعياً إلى نشر البيانات المتعلقة بالإنفاق العام، واستيراد المحروقات، والإيرادات، والمرتبات، وأوجه استخدام الأموال العامة.

وأكد أن المواطن لا يستطيع تقييم السياسات الاقتصادية من دون أرقام واضحة ومعلومات منشورة، معتبراً أن غياب الشفافية يساهم في انتشار الشائعات ويزيد حالة عدم الثقة بين المواطن والمؤسسات.

وتطرق السنوسي إلى أداء المؤسسة الوطنية للنفط، معتبراً أن قطاع النفط يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة، وأن أي خلل في إدارة موارده ينعكس مباشرة على الوضع الاقتصادي والمالي في ليبيا.

ودعا إلى مراجعة أداء المؤسسات العامة خلال السنوات الماضية، بما في ذلك المؤسسات المرتبطة بالنفط والاتصالات والمرافق وغيرها، بهدف معرفة حجم الإنفاق والإيرادات وأوجه الاستفادة من الموارد العامة.

وشدد على أن الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على مؤسسة واحدة، بل يجب أن يشمل منظومة إدارة المال العام بالكامل.

ودعا السنوسي المسؤولين والمؤسسات في شرق ليبيا وغربها إلى «التعقل» واتخاذ قرارات اقتصادية مسؤولة، محذراً من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يقود إلى تداعيات اجتماعية وسياسية يصعب احتواؤها.

وأكد أن المواطن الليبي يتحمل منذ سنوات تبعات الأزمات الاقتصادية، وأن استمرار الهدر والإنفاق غير المنضبط، إلى جانب غياب الإصلاح الحقيقي لمنظومة الدعم والإيرادات، قد يزيد من حالة الاحتقان الشعبي.

وقال السنوسي إن معالجة الأزمة تتطلب قرارات واضحة وشجاعة، تتحمل المؤسسات مسؤولية نتائجها، بدلاً من تأجيل الملفات من عام إلى آخر تحت مبررات مختلفة.

وأكد على أن إصلاح منظومة الدعم، وضبط الإنفاق، وتعزيز الإيرادات، ورفع مستوى الشفافية، ومعالجة اختلالات سوق الصرف، تمثل ملفات مترابطة لا يمكن التعامل معها بصورة منفصلة، محذراً من أن استمرار تأجيل هذه الملفات قد يجعل تكلفة الإصلاح أكبر في المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى