بوالرايقة: الانقسام السياسي يهدد بتجدد أزمة مصرف ليبيا المركزي

قال المحلل السياسي فيصل بوالرايقة إن الظروف الاستثنائية التي تمر بها ليبيا تتطلب إدارة استثنائية للمؤسسات السيادية، معتبرًا أن اعتذار محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى عن استكمال مهامه، وإشارته إلى وجود «أسباب حساسة»، يستوجبان قدرًا أكبر من الشفافية والوضوح، محذرًا من أن الاستقالة قد تفتح الباب أمام تجدد الصراع على السيطرة على المصرف كما حدث خلال أزمة عام 2024.
وأوضح بوالرايقة، في مداخلة لبرنامج «وسط الخبر» على قناة الوسط، رصدتها صحيفة “الساعة24″ـ أن مصرف ليبيا المركزي يمثل أحد أكثر مفاصل الدولة حساسية، باعتباره عصب الدولة وشريانها الاقتصادي، مشددًا على ضرورة تحييد المؤسسات السيادية عن التجاذبات السياسية، وعدم انحيازها إلى أي طرف من أطراف الانقسام في شرق البلاد أو غربها.
ودعا بوالرايقة إلى الاستماع إلى ناجي عيسى للوقوف على أسباب اعتذاره والمشكلات التي واجهته، معتبرًا أن أي تغيير في قيادة المصرف يجب أن يتم وفق الإجراءات القانونية، وبما يضمن استقرار المؤسسة ويحول دون تكرار أزمة السيطرة عليها.
وحذر من أن استمرار الشخصيات نفسها التي أسهمت، وفق تقديره، في صناعة الأزمات السابقة قد يجعل الوصول إلى حلول أمرًا صعبًا، معتبرًا أن هشاشة المؤسسات وغياب الحوكمة والتنازع بين السلطتين التشريعيتين والحكومتين عوامل تزيد مخاطر أي تغيير غير منظم داخل المؤسسات السيادية.
وقال إن الانقسام السياسي يمثل جوهر الأزمة الليبية، مشيرًا إلى أن إنشاء مؤسسات تنفيذية وتشريعية موازية أدى إلى تضخم الجهاز الحكومي وتعدد الوزارات والهيئات والدواوين، وما يترتب على ذلك من ارتفاع الإنفاق العام.
وأشار إلى تعدد المناصب الحكومية وارتفاع الإنفاق على المرتبات والمزايا والإيفاد والعلاج بالخارج وغيرها من أوجه الإنفاق، معتبرًا أن هذه الأعباء تستنزف الموارد العامة وتفرض ضغوطًا إضافية على الاقتصاد والنقد الأجنبي.
وفي السياق الاقتصادي، أشار بوالرايقة إلى أن سعر الدولار ارتفع من نحو دينار وربع في عام 2014 إلى أكثر من تسعة دنانير حاليًا، معتبرًا أن استمرار تراجع قيمة الدينار يعكس اختلالات مالية واقتصادية تراكمت على مدى سنوات، من بينها اعتماد الاقتصاد الليبي بصورة رئيسية على النفط وضعف مساهمة القطاع الخاص في توفير موارد بديلة من النقد الأجنبي.
وأضاف أن الفساد والتهريب واستنزاف موارد الدولة لمصلحة جهات محددة يفرض ضغوطًا إضافية على النقد الأجنبي، ويسهم في اتساع الاقتصاد الموازي واقتصاد الظل، بما ينعكس على الاستقرار الاقتصادي والأمني والاجتماعي.
وأكد أن معالجة هذه التحديات تتطلب الاستعانة بالخبرات الليبية المتخصصة في مجالات الطاقة والنفط والاقتصاد والمصرفية، ووضع رؤية استراتيجية لإدارة الموارد، معتبرًا أن المرحلة الحالية لا تحتمل مزيدًا من التجاذبات السياسية.
وفيما يتعلق باتفاق الإنفاق الموحد، قال بوالرايقة إن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه برعاية أميركية وأممية وبمشاركة ممثلين عن مجلسي النواب والدولة لم يحقق تقدمًا ملموسًا على مستوى التنفيذ، معتبرًا أن التوافق السياسي بشأنه بقي دون ترجمة عملية.
وأوضح أن تعثر الاتفاق يعود، وفق تقديره، إلى عدم إحراز تقدم في توحيد الجهاز التنفيذي، إلى جانب انشغال الأطراف بملفات سياسية أخرى مرتبطة بالانتخابات واجتماعات لجنة «4+4»، ما دفع ملف الإنفاق الموحد إلى هامش الأولويات.
وأشار إلى أن المطالبة بتوحيد الإنفاق تزامنت مع تراجع الشفافية وعدم انتظام المؤسسات المعنية في نشر بياناتها المالية،
متسائلًا عن مدى التزام مصرف ليبيا المركزي بتوزيع مخصصات الميزانية بين شرق البلاد وغربها، وما إذا كان ذلك يتم وفق آلية واضحة ومعلنة.
وانتقد توقف نشر البيانات الدورية المتعلقة بالإنفاق التي كانت تصدر خلال فترة المحافظ السابق الصديق الكبير، مشيرًا إلى أنها كانت تُنشر كل ثلاثة أشهر وتوضح أوجه الإنفاق لدى مختلف الجهات، معتبرًا أن العودة إلى نشر هذه البيانات تمثل خطوة مهمة لاستعادة الشفافية، لكنها لن تكون كافية في ظل استمرار الانقسام وتعدد مراكز القرار والإنفاق.
وشدد بوالرايقة على أن توحيد الإنفاق لا يمكن أن يتحقق بصورة فعلية من دون توافق مؤسسي، معتبرًا أن استمرار كل مؤسسة في العمل بصورة منفردة ومطالبتها بمزيد من الموارد، من دون رؤية وطنية موحدة لإدارة المال العام، يبقي الاتفاق بعيدًا عن التنفيذ الفعلي.
وأكد أن أي تغيير في قيادة مصرف ليبيا المركزي أو غيره من المؤسسات السيادية يجب أن يراعي استقرار الدولة ويجري وفق الأطر القانونية، محذرًا من أن استمرار التجاذبات السياسية والمؤسسية سينعكس في النهاية على المواطن، سواء من خلال تراجع قيمة الدينار أو ارتفاع الإنفاق أو تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.









