بلقاسم: التطورات الأمنية المتلاحقة تجعل الحاجة إلى توحيد مؤسسات الدولة أكثر إلحاحاً

قال الكاتب والباحث السياسي الليبي إبراهيم بلقاسم إن الأحداث الأمنية والسياسية والاقتصادية المتزامنة التي تشهدها ليبيا، رغم تباعدها جغرافياً، تبدو مترابطة من حيث التوقيت والنتائج، معتبراً أنها تشير إلى وجود محاولات لعرقلة وصول البلاد إلى تفاهمات سياسية وتشكيل سلطة ليبية موحدة.
وأوضح بلقاسم، في لقائه مع قناة «الرأي الحر»، رصدته “الساعة24″، أن اغتيال اللواء فوزي المنصوري في شرق ليبيا، واستهداف مصفاة الزاوية، والضغوط التي تعرض لها مصرف ليبيا المركزي، وما رافق ذلك من استقالة محافظ المصرف، تمس ثلاث ركائز أساسية للدولة، هي المال والأمن والنفط، مشيراً إلى أن هذه التطورات جاءت في توقيت متزامن يثير القلق بشأن مستقبل المسار السياسي في البلاد.
وأشار إلى أن المسار الأمريكي الذي طرحه مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس بات من أبرز المسارات السياسية المطروحة حالياً في ليبيا، إلا أن هناك أطرافاً دولية وإقليمية لا ترغب في وصول البلاد إلى هذا المسار، وقد تستخدم أدوات داخلية للتأثير على المشهد الليبي وعرقلة جهود توحيد المؤسسات.
وأضاف أن المؤشرات والقرائن المتوفرة تدفع إلى الاعتقاد بوجود تحركات مرتبطة بعوامل خارجية، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن تحديد المسؤولين عن أي جريمة أو هجوم يجب أن يخضع للتحقيقات القضائية والأمنية، وأن الأدلة ومعلومات الاتهام مكانها الطبيعي أمام الجهات المختصة، وليس في التقديرات السياسية أو الإعلامية.
ولفت بلقاسم إلى أن مخاوفه السابقة من تحول ليبيا، في ظل هشاشتها السياسية والأمنية، إلى ساحة خلفية لصراعات دولية بدأت تقترب من الواقع.
وأكد أن الأحداث الأخيرة تبدو متباعدة من الناحية الجغرافية، لكنها تلتقي في نتيجة واحدة، تتمثل في الضغط على مسار توحيد المؤسسات وتوحيد البلاد، معتبراً أن هناك أطرافاً داخل ليبيا وأخرى خارجها قد تتضرر مصالحها في حال تحقق الاستقرار السياسي وتوحيد السلطة والمؤسسات.
وأوضح أن تلك الأطراف تستفيد من استمرار حالة الانقسام من خلال النفوذ والمصالح والتواجد العسكري، مشيراً إلى أن وصول الليبيين إلى سلطة موحدة سيقود بالضرورة إلى إعادة تقييم العلاقات الخارجية والنفوذ الأجنبي داخل البلاد.
وفي هذا السياق، رأى بلقاسم أن الأحداث الأخيرة تكشف حجم الهشاشة الأمنية التي تعاني منها الدولة الليبية، رغم الجهود المبذولة، موضحاً أن استهداف مصفاة الزاوية تطوراً بالغ الخطورة بالنسبة إلى غرب ليبيا، خصوصاً أنه يأتي بعد سنوات طويلة لم تتعرض خلالها المصفاة لمثل هذا النوع من الاستهداف.
كما أشار إلى أن الجنوب الليبي يشهد بدوره ضغوطاً أمنية واقتصادية لا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام الإعلامي، متحدثاً عن محاولات لاستغلال الاقتصاد الليبي عبر شبكات مالية مشبوهة، وعن كميات من العملة المزورة التي قال إنها دخلت السوق الليبية خلال السنوات الماضية، مضيفاً أن الجهات المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تمكنت من تفكيك عدد من الشبكات والمجموعات المرتبطة بهذه الأنشطة.
واعتبر أن ما يحدث في ليبيا لم يعد مجرد خلافات داخلية، بل أصبح انعكاساً لتجاذبات وصراعات دولية تستخدم الأراضي والأدوات الليبية، فيما تكون المصالح المستهدفة في النهاية ليبية بالدرجة الأولى، وهو أمر بالغ الخطورة ويكشف هشاشة الوضع الأمني والسياسي.
وأكد أن الليبيين، رغم خلافاتهم السياسية، أصبحوا أمام تحدٍ يمس البلاد بأكملها، قائلاً إن الاستهدافات الأخيرة دفعت إلى بروز قدر أكبر من الشعور بالمصلحة الوطنية المشتركة، موضحاً أن الخصومة السياسية ينبغي أن تتوقف عند حدود معينة عندما يتعلق الأمر بالسيادة الوطنية وأمن الدولة.
وقال إن غرب ليبيا الذي يؤكد إدارة المؤسسات ووجود مؤسسات شرعية شهد استهداف مصفاة الزاوية، بما يجعل تداعيات هذه التطورات تتجاوز حدود منطقة بعينها لتطال المشهد الليبي بصورة عامة.
وفيما يتعلق بالمسار السياسي، قال بلقاسم إن مبادرة مسعد بولس الأمريكية تمثل حالياً أحد المسارات الرئيسية المطروحة، مبينًا أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بمن سيشارك في العملية السياسية ومن سيُستبعد منها، وإنما أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الدولة الليبية على الصمود، ولتماسك المجتمع، وقدرة المؤسسات الأمنية والاقتصادية على مواجهة التحديات.
وأضاف أن الانقسام السياسي والتدخلات الدولية والصراعات الإقليمية أوصلت ليبيا إلى حالة من الإنهاك، إلا أنه يرى أن الظروف الحالية تفرض الذهاب نحو مقاربة حقيقية لتوحيد المؤسسات وجمع الأطراف الليبية في إطار واحد، مشدداً على أن البلاد تمتلك الموارد والأدوات والمجتمع القادر على تجاوز أزماته، وأن التجربة السياسية السابقة أثبتت إمكانية تقديم المصلحة الوطنية عندما يكون المسار السياسي واضحاً.
واستشهد بلقاسم بما حدث عام 2021 عند تشكيل حكومة الدبيبة، مشيراً إلى أن أطرافاً كانت على خلاف سياسي تمكنت في مرحلة معينة من التصويت على مسار سياسي مشترك، معتبراً أن وضوح المسار يدفع الليبيين أحياناً إلى تقديم تنازلات متبادلة عندما تصبح المصلحة الوطنية العليا أكثر أهمية من المصالح الخاصة.
ورأى أن ليبيا تقف حالياً في منتصف الطريق، وأن المسار السياسي لم يُستكمل بعد، في ظل ضغوط كبيرة تهدف إلى إخراج العملية السياسية عن مسارها. وتساءل عما إذا كان الليبيون سيتمكنون من تجاوز هذه الضغوط والاستمرار في طريق توحيد الدولة وإجراء الانتخابات، أم أن الأطراف التي تعمل على عرقلة هذا المسار ستتمكن من تحقيق أهدافها.
وبشأن قضية اختطاف المعارض المصري فتحي، قال بلقاسم إنه لم تصدر حتى الآن جهة رسمية أمنية أو قضائية بياناً واضحاً يكشف ملابسات الواقعة، مؤكداً أن ما يتداول بشأنها لا يزال في إطار التكهنات والقراءات والمعلومات غير الرسمية.
وأضاف أن القضية لم تتضح تفاصيلها بصورة كافية حتى الآن، مشيراً إلى أن الشخص المعني يحمل جنسيتين مصرية وتركية، وأن وزير الخارجية التركي كان موجوداً في طرابلس خلال الفترة الأخيرة، لكنه لم يسمع أن هذا الملف كان من بين القضايا التي طُرحت بصورة معلنة خلال الزيارة.
وأكد أن تفاصيل القضية لا تزال غائبة، بما في ذلك ظروف الدخول إلى ليبيا والإجراءات التي اتخذت بحقه، مشيراً إلى أن مثل هذه الملفات قد تنتهي، بعد استكمال التحقيقات، إما بإجراءات قضائية داخل ليبيا أو بالترحيل إلى الدولة التي يحمل جنسيتها، بحسب طبيعة القضية والظروف القانونية المرتبطة بها.
وختم بلقاسم بالتأكيد على أن التطورات الأمنية المتلاحقة في ليبيا تجعل الحاجة إلى توحيد مؤسسات الدولة أكثر إلحاحاً، مشدداً على أن استمرار الانقسام يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات والصراعات، بينما يمثل توحيد المؤسسات والسلطة السياسية مدخلاً أساسياً لاستعادة الاستقرار وحماية المصالح الوطنية الليبية.









