اخبار مميزةليبيا

الفلاح: المبادرة الأمريكية للسلام تفتح الطريق أمام الانتخابات

قال المحلل السياسي علام الفلاح إن ما يُعرف بـ«مبادرة بولس» ليس مبادرة أمريكية مكتوبة أو وثيقة رسمية صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، وإنما هو توافق ليبي برعاية أمريكية يهدف إلى جمع الأطراف السياسية والعسكرية والاقتصادية المؤثرة على الأرض وتوحيدها ضمن سلطة واحدة، بما يفتح الطريق أمام توحيد مؤسسات الدولة والوصول لاحقاً إلى الانتخابات، مؤكداً أن الهدف الحالي يجب أن يتركز على إنهاء الانقسام وتوحيد السلطة قبل الانتقال إلى المشروع الديمقراطي والنهضوي.

وأوضح الفلاح، في لقائه مع تلفزيون المسار، رصدته صحيفة الساعة 24، أن الولايات المتحدة تواصل منذ سنوات التواصل مع أطراف ليبية متعددة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، بهدف دمجها وتقريب مواقفها والوصول إلى سلطة تنفيذية موحدة ومدنية، قادرة على إعادة توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية، ومن ثم تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات.

وأشار إلى أن تسمية هذا المسار بـ«مبادرة بولس» لا تعني وجود وثيقة رسمية تحمل هذا الاسم، مبيناً أن ما يطرحه المبعوث الأمريكي مسعد بولس يمثل مجموعة أفكار توصل إليها الليبيون والأمريكيون من خلال البحث عن نقاط الالتقاء بين القوى الموجودة على الأرض، بهدف الوصول إلى توافق سياسي يوحد السلطة والدولة.

وأكد الفلاح أن الليبيين لا يريدون من الولايات المتحدة أن تملي عليهم تفاصيل الحل من الألف إلى الياء، مشدداً في الوقت نفسه على أن واشنطن ليست «جمعية خيرية» أو طرفاً محايداً بالكامل في المنطقة، وأن لها مصالحها وحساباتها، مستشهداً بما يجري في غزة وإيران، لكنه دعا إلى التعامل مع الدور الأمريكي باعتباره عاملاً يمكن الاستفادة منه للوصول إلى حل، لا باعتباره بديلاً عن الإرادة الليبية.

وأضاف أن أي معالجة للأزمة يجب أن تنطلق من رؤية سياسية مجردة عن الأفكار المسبقة والأهواء والمواقف الشخصية، موضحاً أن السؤال الأساسي ليس فقط ما إذا كان الليبيون يقبلون أو يرفضون الطرح الأمريكي، وإنما ما هو البديل العملي القادر على إنهاء الانقسام القائم.

وتساءل الفلاح عن إمكانية استمرار مجلسي النواب والدولة في الوضع الحالي إلى ما لا نهاية، في ظل الزيارات المتكررة التي تجريها شخصيات سياسية وعسكرية إلى الولايات المتحدة وفرنسا وباكستان ومصر والأردن وغيرها، واللقاءات المتواصلة بين مختلف الأطراف، معتبراً أن هذه التحركات لا يمكن أن تكون بلا نتائج، وأنها تعكس وجود مسار تفاوضي للوصول إلى توافق حول السلطة القائمة على الأرض.

ورأى أن البديل عن التوافق الذي ترعاه واشنطن يحتاج إلى طرح واضح، قائلاً إن الدعوة إلى تشكيل مؤسسة عسكرية واحدة أو سلطة سيادية واحدة دون آليات عملية لتنفيذها لا تكفي، مؤكداً أن الواقع الليبي يفرض التعامل مع القوى الموجودة على الأرض، لأن تجاهلها لن يؤدي إلى حل.

وأوضح أن الهدف الأساسي في المرحلة الراهنة هو تشكيل حكومة وطنية أو انتقالية واحدة، وإنهاء تعدد السلطات التنفيذية، معتبراً أن الانقسام المالي والمؤسسي أصبح عائقاً مباشراً أمام إدارة الدولة.

وفي هذا السياق، أشار الفلاح إلى استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، معتبراً أن تعدد الحكومات والسلطات كان أحد الأسباب التي جعلت إدارة الإنفاق العام أكثر تعقيداً، لافتاً إلى وجود ضغوط مرتبطة بملفات الإنفاق وحسابات بعض الأجهزة، ومشدداً على أن استمرار الإنفاق دون رقابة حقيقية يمثل أزمة لا يمكن تجاهلها.

وأضاف أن وجود أجهزة رقابية ومراجعة مالية ومصرف مركزي لا يعني بالضرورة أن كل عمليات الإنفاق تخضع للرقابة الفعلية، مشيراً إلى أن بعض الأموال يمكن أن تتحرك خارج الأطر التقليدية، وهو ما يفرض توحيد مؤسسات الدولة وإخضاع المال العام لرقابة موحدة.

ورفض الفلاح اعتبار الدور الأمريكي تدخلاً لفرض حل محدد، قائلاً إن واشنطن تدفع الأطراف إلى الاجتماع والتوافق، لكنها لا تفرض عليهم وصفة جاهزة، مضيفاً أن الليبيين بحاجة إلى مظلة تساعدهم على جمع الأطراف الموجودة على الأرض والوصول إلى تفاهمات عملية.

وفي رده بشأن سبب ارتباط هذا المسار باسم مسعد بولس، أوضح الفلاح أن القيادة العامة تعاملت مع الطرح باعتباره مبادرة مرتبطة بالمستشار الأمريكي، إلا أن مضمونها يقوم أساساً على أفكار ليبية جرى تطويرها برعاية أمريكية، مؤكداً أن الحاجة إلى مظلة أمريكية ناتجة عن تعقيد الأزمة وتشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية.

ورفض الفلاح المقارنات بين ليبيا وأفغانستان أو العراق، معتبراً أن لكل حالة ظروفها التاريخية والسياسية والعسكرية المختلفة، مشيراً إلى أن الحالة الليبية نشأت في سياق ثورة شعبية عام 2011 وبمساعدة حلف شمال الأطلسي، وبالتالي لا يمكن إسقاط تجارب دول أخرى عليها بصورة مباشرة.

كما رفض المقارنة بين مسارات جنيف والصخيرات بصورة تختزل طبيعة الأطراف المشاركة، موضحاً أنه كان موجوداً في الصخيرات، وأن القيادة العامة لم تكن جزءاً من المسار بالشكل الذي كان يسمح بتسوية شاملة، بينما لم تكن القيادة العامة موجودة في جنيف أيضاً، وهو ما دفع إلى التأكيد على ضرورة حضورها في أي تسوية مقبلة.

وأكد أن إشراك المؤسسة العسكرية في العملية السياسية لا يعني بالضرورة منحها سلطة سياسية مطلقة، وإنما الاعتراف بوجودها كطرف فاعل لا يمكن تجاوزه، خصوصاً بعد سنوات من الحرب وسقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وما ترتب على ذلك من تشكل مؤسسات عسكرية وأمنية على الأرض.

وشدد الفلاح على أن الولايات المتحدة ليست جهة خيرية، وأن مصالحها النفطية والاقتصادية جزء من حساباتها، لكنه رأى أن هذا لا يمنع الليبيين من الاستفادة من الدور الأمريكي في مساعدتهم على الخروج من الأزمة، مؤكداً أنه سبق أن طالب الأمريكيين بالتدخل المباشر بدلاً من ترك الملف للوسطاء الإقليميين فقط، باعتبار أن واشنطن كانت طرفاً أساسياً في أحداث الحرب التي شهدتها ليبيا.

وأوضح أن الليبيين لا يطلبون من الولايات المتحدة أن تحكم البلاد أو تختار لهم نظاماً سياسياً، وإنما يريدون ضماناً يساعد الأطراف المتصارعة على الوصول إلى حل، في ظل أزمات اقتصادية وأمنية ومعيشية متراكمة تشمل سعر الصرف والكهرباء والسيولة والوقود والانقسام المؤسسي.

وأكد الفلاح أن الانتخابات ليست الغاية النهائية، وإنما وسيلة للوصول إلى دولة منظمة وسلطة مركزية قادرة على جمع السلاح وتحقيق الأمن وحماية البلاد من المخاطر الداخلية والخارجية، موضحاً أن الغاية الأساسية هي بناء الدولة أولاً، ثم إجراء الانتخابات في إطار مؤسسات مستقرة.

وأضاف أن الحديث عن الانتخابات قبل توحيد مؤسسات الدولة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام، مشدداً على ضرورة المرور بمراحل تبدأ بتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات، ثم استتباب الأمن، وتوحيد الإنفاق والمؤسسات، وبعدها الانتقال إلى الانتخابات والمشروع النهضوي.

وأشار إلى أن البعض يتخوف من أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى وضع دائم، لكنه رأى أن الضمان الحقيقي يتمثل في وجود مسار واضح ينتهي إلى الانتخابات، وأن القوى الموجودة حالياً يجب أن تشارك في ترتيب المرحلة الانتقالية لأنها تملك القوة والنفوذ على الأرض.

وفيما يتعلق بالشخصيات التي ترفض أو تتحفظ على المبادرة، اتهم الفلاح بعض التيارات بالاستفادة من استمرار الانقسام، مشيراً إلى ما وصفه بـ«تيار الاسترزاقيين» المستفيدين من المصارف والتحويلات والاعتمادات، والذين قال إن استمرار الوضع القائم يخدم مصالحهم الاقتصادية.

كما وجه انتقادات إلى ما سماه «تيار المفتي» وجماعة الإخوان المسلمين، معتبراً أن بعض هذه الأطراف لا تؤمن بالدولة الوطنية، فيما رفض أطراف أخرى الطرح بدافع حسابات سياسية أو مخاوف شخصية، داعياً إلى التفريق بين المعارضة السياسية المشروعة وبين المصالح التي قد تستفيد من استمرار الانقسام.

وشدد على أن موقفه لا يستهدف أشخاصاً بعينهم، وإنما ينطلق من محاولة تقديم حل واقعي للأزمة، معتبراً أن الليبيين بحاجة إلى معالجة مشكلات الانقسام السياسي، وتعدد السلطات، والإنفاق الموازي، وتعدد الأجهزة الأمنية والعسكرية، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات.

وبشأن إمكانية نجاح المبادرة في حال استبعاد شخصيتي الفريق صدام حفتر وعبد الحميد الدبيبة، قال الفلاح إن التعامل مع الواقع يفرض وجود الشخصيات والقوى التي تملك نفوذاً فعلياً، موضحاً أن الدبيبة موجود في طرابلس، بينما توجد القيادة العامة وقواتها في الشرق والجنوب، وأن تجاهل هذه القوى لن ينتج تسوية قابلة للتطبيق.

وأوضح أن الهدف ليس تمجيد الأشخاص أو منحهم شرعية دائمة، وإنما التعامل معهم كأطراف في معادلة قائمة، ثم العمل على دمج المؤسسات والقوى بصورة تدريجية، مؤكداً أن الحديث عن تغيير كل شيء بقرار واحد غير واقعي.

وبشأن المخاوف من دمج المؤسسات العسكرية والأمنية، أوضح الفلاح أن الدمج لا يعني إصدار قرار مفاجئ بإلغاء تشكيلات أو نقل مئات الأفراد من مؤسسة إلى أخرى، وإنما يمكن أن يبدأ بتقريب المسافات، وتبادل المسؤولين والكوادر الأمنية بين المدن والمناطق، وتوحيد الأطر الأمنية بصورة تدريجية وسلسة.

وأشار إلى أن تعيين مسؤولين أمنيين من مناطق مختلفة يمكن أن يكون أحد أشكال بناء الثقة وتوحيد المؤسسات، مستشهداً بإمكانية تعيين مدير أمن في طرابلس من ودان أو مدير أمن في مصراتة من سبها أو مدير أمن في طبرق من مصراتة، بما يساعد على تجاوز الانقسامات الجغرافية والمناطقية.

وأكد أن الدمج الحقيقي يجب أن يتم بهدوء وعلى مراحل، وبطريقة تمنح الأطراف الثقة، بدلاً من اقتلاع المؤسسات القائمة وبناء مؤسسات جديدة من الصفر، معتبراً أن هناك شباباً في المؤسسات الحالية لديهم أفكار لإعادة بناء الدولة، ويمكن الاستفادة منهم في المرحلة المقبلة.

وفيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية، قال الفلاح إنه لا يرى مشكلة في دخولها في العملية السياسية ضمن أطر محددة، مؤكداً دعمه للمؤسسة العسكرية باعتبارها أحد الضمانات لحماية الدولة، لكنه شدد على ضرورة وجود حدود واضحة بين الدور العسكري والعمل السياسي.

وأشار إلى أن القيادة العامة نفسها، بحسب ما نقله عن لقاءات سابقة، أكدت في مرحلة من المراحل أنها لا تريد الانخراط في العمل السياسي، وأن الظروف الأمنية والعسكرية هي التي دفعت بعض العسكريين إلى ممارسة أدوار سياسية، مضيفاً أن الليبيين وجدوا أنفسهم أمام واقع فرض عليهم التعامل مع المؤسسة العسكرية باعتبارها طرفاً رئيسياً.

وأكد الفلاح أنه لا يتماهى مع أي شخصية، وإنما يتعامل مع المؤسسات والقوى الموجودة، موضحاً أن المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب والقيادة العامة والحكومتين الموجودتين يمثلون عناصر لا يمكن تجاوزها في أي حل واقعي.

وفيما يتعلق بالخلافات داخل شرق ليبيا بشأن المبادرة، قلل الفلاح من احتمالات تحولها إلى انقسام مؤسسي، موضحاً أن هناك فرقاً بين مواقف الأشخاص ومواقف المؤسسات. وأشار إلى أن مجلس النواب، باعتباره مؤسسة، أصدر بياناً شارك فيه أكثر من 80 عضواً بشأن مبادرة بولس، كما أن القيادة العامة أصدرت بياناً باسم المؤسسة، معتبراً أن هذه المؤسسات تمثل الركائز الأساسية في المنطقة.

وأضاف أن اختلاف مواقف بعض الشخصيات، ومن بينها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، لا يعني بالضرورة وجود انقسام داخل المؤسسة، مشدداً على أنه يتعامل مع المؤسسات وليس الأشخاص، وأن النقاش يجب أن يركز على مستقبل الدولة وآليات توحيدها.

وفي المقابل، أكد الفلاح أنه لا يعارض المشروع النهضوي لليبيا، بل يرى أنه الهدف النهائي، لكنه يعتقد أن الوصول إليه يتطلب المرور بمراحل واقعية تبدأ بإنهاء الانقسام وتحقيق الأمن وتوحيد مؤسسات الدولة.

وأشار إلى أن المناطق التي عانت من الحرب والإرهاب تحتاج إلى استقرار حقيقي، مستذكراً ما شهدته بنغازي ودرنة وسرت من معارك ضد الجماعات المسلحة، ومؤكداً أن تحقيق الأمن لا ينبغي أن يكون بديلاً عن بناء الدولة، بل مدخلاً إليها.

وتطرق إلى الأوضاع الخدمية، مشيراً إلى أن أزمات الوقود والكهرباء تظهر بصورة متفاوتة بين المناطق، وأن بعض مناطق شرق ليبيا تشهد أزمات وقود بين فترة وأخرى لكنها تُحل بعد مدة، في حين يرى أن الأزمة في طرابلس والمناطق الغربية أكثر حدة في بعض الفترات.

وفي حديثه عن شخص الفريق صدام حفتر، أكد الفلاح أن التعامل معه يجب ألا يكون قائماً على افتراضات مسبقة، وإنما ضمن عملية سياسية ومؤسسية تضمن احترام المخالفين وحرية التعبير والنقد والمعارضة، مشدداً على أن أي شخصية عسكرية تدخل العمل السياسي يجب أن تكون مستعدة للتعامل مع المجتمع باعتبارها طرفاً سياسياً لا قائداً عسكرياً فقط.

ورأى أن التحول من الدور العسكري إلى السياسي يحتاج إلى قواعد واضحة، حتى لا يتحول انتقاد أي مسؤول إلى اتهام بالخيانة أو الارتهان للخارج، مؤكداً أن المشاركة السياسية يجب أن تقوم على حرية الرأي وحق المعارضة والاختلاف.

كما أشار إلى مشاركته في فعاليات ببنغازي، مؤكداً أن حضور شخصيات من خارج المدينة ومن دول أوروبية وغيرها يعكس، في رأيه، وجود اهتمام بالمسار السياسي، وأن بعض هذه الفعاليات ما كان ليُعقد لولا رعاية شخصيات وقوى مؤثرة على الأرض.

وفي ختام حديثه، شدد الفلاح على أن أي حل للأزمة الليبية لا يمكن أن يتجاهل موازين القوى القائمة، مؤكداً أن البلاد بحاجة إلى توافق يضم الأطراف المؤثرة فعلياً، مع وضع ضمانات تمنع تحول المرحلة الانتقالية إلى سلطة دائمة، وتفتح الطريق أمام توحيد مؤسسات الدولة ثم الوصول إلى الانتخابات وبناء الدولة الليبية المستقرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى