“الكاديكي”: بناء اقتصاد متنوع ضمانة لعدم هجرة الشباب الليبي

أكد الخبير الاقتصادي خالد الكاديكي أن مشكلة هجرة الشباب الليبي ترتبط بمجموعة متداخلة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، مشيراً إلى أن ضعف التخطيط الاقتصادي وعدم تنويع مصادر الدخل وغياب التوازن بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، من أبرز الأسباب التي تدفع الكفاءات الليبية إلى البحث عن فرص خارج البلاد.
وقال الكاديكي، خلال مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، ورصدتها “الساعة24″، تناولت أسباب هجرة الكفاءات والشباب الليبي، إن الهجرة في ليبيا مرت بمرحلتين رئيسيتين؛ بدأت بالهجرة الداخلية من المناطق الريفية إلى المدن، قبل أن تتطور إلى هجرة خارجية، مدفوعة بدرجة كبيرة بالمقارنة بين مستويات الدخل داخل ليبيا والفرص المتاحة في الخارج، ولا سيما الوظائف التي توفر دخلاً بالعملات الأجنبية.
وأشار إلى أن المشكلة لا تقتصر على مستوى الدخل فقط، وإنما تشمل أيضاً تراجع القوة الشرائية وعدم قدرة المواطن على التنبؤ بمستقبله الاقتصادي، وهو ما يعزز حالة عدم الاستقرار ويدفع الشباب إلى البحث عن بيئة عمل أكثر استقراراً.
وبيّن أن الاقتصاد الليبي ظل لعقود يعتمد بصورة كبيرة على النفط، في ظل محدودية القطاعات الاقتصادية الأخرى، الأمر الذي أدى إلى ضعف قدرة سوق العمل على استيعاب الأعداد المتزايدة من خريجي الجامعات والمعاهد، خصوصاً في تخصصات الاقتصاد والسياحة والتعليم، والصحة، والهندسة، وغيرها.
وأضاف أن عدم توافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، إلى جانب محدودية المؤسسات والقطاعات القادرة على خلق وظائف متنوعة، أدى إلى تراكم أعداد كبيرة من الخريجين الباحثين عن فرص عمل، ما جعل الهجرة أحد الخيارات المتاحة أمام شريحة واسعة من الشباب.
ولفت إلى أن الظروف الاقتصادية التي مرت بها ليبيا، بما فيها فترات الحصار وضعف النشاط الاقتصادي، أسهمت في تفاقم مشكلة البطالة وتراجع فرص العمل، مؤكداً أن غياب التخطيط السليم لتنمية القطاعات الاقتصادية والبنية التحتية وسوق العمل ساهم في استمرار الأزمة حتى الوقت الراهن.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن تجارب دول شمال أفريقيا، مثل تونس والجزائر والمغرب، تظهر ارتباطاً وثيقاً بين الهجرة والظروف الاقتصادية، موضحاً أن العديد من الكفاءات تتجه إلى الدول الأوروبية بحثاً عن فرص عمل ودخل أفضل وبيئة اقتصادية أكثر استقراراً.
وأكد أن ليبيا تواجه تحدياً إضافياً يتمثل في استمرار الاعتماد على العمالة الأجنبية في عدد من المهن والقطاعات، في وقت لا ينخرط فيه عدد كافٍ من الشباب الليبي في بعض الأعمال الفنية والمهنية، وهو ما يمثل، بحسب رأيه، خسارة مزدوجة تتمثل في هجرة الشباب من جهة واستمرار استقدام العمالة من الخارج من جهة أخرى.
وأوضح أن كثيراً من الليبيين الذين هاجروا إلى الخارج تمكنوا من اكتساب خبرات ومهارات مهنية واسعة، إلا أن عدداً منهم لم يعد إلى ليبيا بسبب توافر فرص العمل والاستثمار في الدول التي يقيمون فيها، إضافة إلى وجود أنظمة وقوانين توفر قدراً أكبر من الاستقرار والتنظيم الاقتصادي.
وأشار إلى أن بعض الشباب الليبي في الخارج يعملون في مهن فنية وحرفية مختلفة، مستفيدين من ارتفاع الطلب على هذه المهن، مؤكداً أن المقارنة بين بيئة العمل في الخارج وليبيا لا ينبغي أن تقتصر على قيمة الأجر، بل تشمل الضرائب وتكاليف المعيشة والضمانات القانونية والاجتماعية واستقرار سوق العمل.
وشدد الكاديكي على ضرورة وضع خطة وطنية متكاملة لسوق العمل، تشارك فيها الجهات المختصة، وفي مقدمتها مؤسسات العمل والخدمة المدنية، بما يضمن تحقيق التوازن بين أعداد الباحثين عن العمل واحتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة، بدلاً من الاستمرار في معالجة الملف من خلال التعيينات والإفراجات المالية دون ربطها باحتياجات التنمية.
وأشار إلى وجود أعداد كبيرة من المواطنين الذين ينتظرون إجراءات تتعلق بالإفراجات والتعيينات، معتبراً أن استمرار هذه الأوضاع دون رؤية اقتصادية واضحة يزيد من إحباط الشباب ويدفعهم إلى البحث عن فرص خارج البلاد.
ودعا إلى دعم المشروعات الصغرى والمتوسطة، باعتبارها أحد المسارات القادرة على خلق وظائف مستدامة وتنويع النشاط الاقتصادي، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية وخلق قطاعات إنتاجية جديدة تقلل من الاعتماد على النفط.
وأكد أن التخطيط الاقتصادي طويل الأجل يجب أن يركز على تحقيق التنمية المستدامة وتوفير فرص حقيقية للأجيال المقبلة، من خلال تنويع مصادر الدخل والاستفادة من الموارد الطبيعية والبشرية، بدلاً من الاعتماد على مورد واحد.
وفي المقابل، لفت الكاديكي إلى أن مشروعات البناء والإعمار القائمة حالياً في ليبيا تمثل فرصة مهمة لاستيعاب أعداد من الشباب والمهندسين والفنيين، ويمكن أن تسهم في تنشيط قطاعات اقتصادية متعددة إذا ما جرى استثمارها ضمن خطة تنموية متكاملة.
وخلص إلى أن الحد من هجرة الشباب والكفاءات لا يتحقق من خلال معالجة الأجور فقط، وإنما يتطلب بناء اقتصاد متنوع، وسوق عمل منظم، وتعليماً مرتبطاً باحتياجات التنمية، إلى جانب توفير بيئة مستقرة تتيح للشباب فرصاً حقيقية للعمل والاستثمار وبناء مستقبلهم داخل ليبيا.









