اخبار مميزةليبيا

مشرف: إدارة الأزمة في ليبيا أكثر جاذبية من تسويتها

قال أستاذ التاريخ السياسي، عبد اللطيف مشرف، إن الأزمة الليبية تمثل نموذجًا مركبًا تتداخل فيه العوامل السياسية والمؤسسية والاقتصادية والاجتماعية، مشيرًا إلى أن بعض الأطراف الفاعلة باتت ترى في إدارة الأزمة وإطالة أمدها مكاسب أكبر من تلك التي يمكن أن تحققها تسوية سياسية شاملة ومستدامة.

وأوضح مشرف، في حديث لقناة “الجزائرية الدولية”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن فهم مسار الأزمة الليبية يمكن أن يستند إلى «نظرية المفسدين» التي تميز بين أنماط مختلفة من الأطراف التي تعرقل عمليات السلام، ومن بينها «المفسد المحدد» الذي يسعى إلى ضمان مصالح خاصة عبر التفاوض، و«المفسد الجشع» الذي يعيد صياغة شروط التسوية كلما اقتربت المفاوضات من تحقيق اتفاق حقيقي، بما يضمن استمرار نفوذه وموقعه داخل دائرة الشرعية.

وأضاف أن الحالة الليبية تتقاطع بصورة واضحة مع هذين النمطين، إذ ترى أطراف عدة أن استمرار الانقسام يوفر لها مكاسب سياسية واقتصادية ومؤسسية، ما يجعل إدارة الأزمة بالنسبة إليها أكثر جاذبية من إنهائها.

ويرى مشرف، أن الإشكالية الأعمق تتمثل في غياب الفاعل العقلاني القادر على تقديم المصلحة الوطنية الليبية على الحسابات الضيقة والمكاسب السياسية الآنية، مؤكدًا أن الأزمة لا يمكن اختزالها في كونها مجرد انتقال ديمقراطي متعثر أو حرب أهلية كلاسيكية، وإنما هي حالة مركبة تتداخل فيها عوامل متعددة.

وأشار إلى أن من أبرز هذه العوامل الانقسام المؤسسي والسياسي المزمن، والانقسامات الاجتماعية والقبلية، وإرث النظام السياسي السابق، إلى جانب تعدد الفاعلين الخارجيين وتباين مصالحهم داخل المشهد الليبي.

ولفت مشرف، إلى أن الاقتصاد السياسي يمثل عاملًا إضافيًا في تعقيد الأزمة، في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على الموارد النفطية وغياب اقتصاد إنتاجي متنوع، الأمر الذي يجعل السيطرة على الموارد ومؤسسات توزيعها مصدرًا أساسيًا للنفوذ السياسي.

وقال مشرف، إن من يمتلك أدوات التحكم في الاقتصاد الريعي يستطيع تحقيق مكاسب أكبر، موضحًا أن هذه المكاسب لا تأتي بالضرورة من الشرعية السياسية وحدها، وإنما من القدرة على التحكم في الموارد والمؤسسات التي تديرها.

وتابع: أن هذا الواقع يفسر استمرار لجوء بعض الأطراف إلى مسارات تفاوضية دولية وأممية وثنائية، باعتبارها أدوات لتحقيق مكاسب سياسية وتثبيت مواقع النفوذ، وليس بالضرورة باعتبارها طريقًا مباشرًا إلى حل مستدام للأزمة.

وأكد مشرف، أن قراءة الخطاب السياسي لبعض الأطراف ينبغي أن تتم في إطار ما يمكن وصفه بـ«التسوية العابرة» أو «التسوق من خلال المنابر»، حيث تتحول المفاوضات والمنصات السياسية أحيانًا إلى ساحات لتثبيت المواقع وتحقيق المكاسب، بدلًا من أن تكون مسارات جادة لإنهاء الانقسام.

وشدد على أن تعدد الفاعلين الخارجيين، بالتوازي مع الطبيعة الريعية للاقتصاد الليبي، يزيد من تعقيد فرص التسوية، لأن مصالح القوى المختلفة لا تتطابق بالضرورة مع مصلحة الدولة الليبية في إنهاء الأزمة.

وفيما يتعلق بمسار إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، أوضح مشرف، أن هناك مقاربتين رئيسيتين لتفسير الطريق نحو توحيد السلطة في ليبيا.

وتقوم المقاربة الأولى على اعتبار الانتخابات مدخلًا إلى توحيد السلطة، باعتبارها تمنح الشرعية لسلطة تنفيذية وتشريعية منتخبة، بما يتيح إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس موحد، في المقابل، تنطلق المقاربة الثانية، التي يبرز فيها طرح رونالد باريس، من أولوية بناء المؤسسات وتحقيق التوافق بين الفاعلين، ولا سيما الفاعلين العسكريين، قبل إجراء الانتخابات، ووفق هذا الاتجاه، فإن تنظيم انتخابات في ظل استمرار الانقسام المؤسسي قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع، بحيث يستند كل طرف إلى نتائج انتخابية تمنحه شرعية في مواجهة خصومه.

وأشار مشرف، إلى أن التجربة الليبية عكست جانبًا من هذه الإشكالية، بعدما تحولت الشرعية الانتخابية نفسها إلى أحد مصادر الانقسام بين الشرق والغرب، في ظل استناد الأطراف المتنافسة إلى أطر سياسية ومؤسساتية مختلفة لتأكيد شرعيتها.

وفي هذا السياق، تبرز مقاربة تحاول الجمع بين المدرستين عبر العمل على مسارين متوازيين: توحيد مؤسسات الدولة من جهة، والتحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية حقيقية من جهة أخرى، بالتزامن مع حوار سياسي مهيكل يضم مختلف الأطراف، وصولًا إلى حكومة ومؤسسات موحدة بين شرق البلاد وغربها.

ويرى مشرف، أن هذه المقاربة يمكن أن تتيح منع استمرار الانقسام مع الحفاظ على هدف الوصول إلى انتخابات ذات شرعية وطنية، بدل وضع الانتخابات وتوحيد المؤسسات في مسارين متعارضين.

وأوضح أن صعوبة تطبيق هذا التصور ترتبط بطبيعة الحالة الليبية، التي تتداخل فيها القوة العسكرية والاقتصاد السياسي والبنية القبلية والاجتماعية والصراع على الموارد والسلطة، مؤكدًا أن امتلاك النفوذ العسكري أو الاقتصادي والقدرة على التحكم في مؤسسات الدولة ومواردها يمكن أن يشكلا مصدرًا مستقلًا للنفوذ، بعيدًا عن الشرعية الانتخابية وحدها.

وأضاف أن أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة يتمثل في غياب التوافق حول قواعد اللعبة السياسية، واستمرار تنافس الأطراف على السيطرة على السلطة والاقتصاد الريعي، ولا سيما موارد النفط والمؤسسات المرتبطة بها.

وقال إن الصراع في ليبيا لا يدور فقط حول من يحكم، وإنما أيضًا حول من يمتلك أدوات التحكم في الموارد الاقتصادية والأمنية والعسكرية، وهو ما يجعل أي عملية سياسية عرضة للتعطيل ما لم تترافق مع ترتيبات تضمن توحيد مؤسسات الدولة، وتوزيع الموارد وفق قواعد واضحة.

وأكد مشرف، أن المشهد الليبي لا يمكن فهمه بمعزل عن دور الفاعلين الخارجيين، مشيرًا إلى أن البلاد تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية متعددة، يمتلك بعضها نفوذًا سياسيًا ودبلوماسيًا، فيما يرتبط بعضها الآخر بعلاقات مباشرة مع أطراف محلية.

وأوضح أن هذا التشابك قد يزيد من تعقيد فرص التسوية، إذ يمكن أن تؤدي الحسابات الخارجية إلى إعادة توجيه مسار العملية السياسية أو فرض حسابات جديدة على الفاعلين المحليين.

وأشار إلى أن أهمية ليبيا بالنسبة إلى القوى الخارجية ترتبط بموقعها الاستراتيجي، وقضايا الأمن البحري والإقليمي والأفريقي، وملف الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، إضافة إلى مواردها النفطية، مؤكدًا أن تعدد الفاعلين الخارجيين لا يؤدي بالضرورة إلى تسهيل التسوية، بل قد يضيف طبقات جديدة من التعقيد إلى الصراع الداخلي.

وشدد على أن المعضلة الأساسية ستظل مرتبطة بقدرة الفاعلين الليبيين على الانتقال من منطق تقاسم النفوذ والموارد إلى منطق بناء دولة ومؤسسات موحدة، مؤكدًا أن نجاح أي مسار انتخابي سيبقى مرهونًا بوجود حد أدنى من التوافق السياسي والأمني والمؤسسي الذي يضمن قبول مختلف الأطراف بنتائجه.

واختتم مشرف، بالتوضيح أن الانتقال من إدارة الأزمة إلى تسويتها يتطلب تغييرًا في طبيعة سلوك الفاعلين، وليس مجرد إنتاج اتفاقات جديدة بين الأطراف نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى