اخبار مميزةليبيا

القزار: أزمة ليبيا الاقتصادية تتجاوز نقص الأموال

قال المهتم بالشأن الاقتصادي علاء محمود القزار، إن الأزمة الاقتصادية في ليبيا لا ترتبط فقط بنقص الأموال أو بسوء إدارة الحكومات المتعاقبة، وإنما تعود، إلى استمرار إدارة الدولة بمنظومة اقتصادية واجتماعية تشكلت قبل أكثر من نصف قرن، في ظل ظروف سكانية واقتصادية مختلفة جذرياً عن الواقع الحالي.

وأضاف القزار، في سلسلة منشورات عبر حسابه على «فيسبوك»، أن النموذج الاقتصادي الليبي نشأ على أساس اعتبار الدولة أكبر رب عمل، تتولى التوظيف والدعم واستيراد السلع وتوزيعها وتوفير الوقود والكهرباء والخدمات، بالتزامن مع ضعف القطاع الخاص والعمل المنتج والضرائب والمحاسبة.

وأشار إلى أن الظروف تغيرت بينما بقي النموذج الاقتصادي إلى حد كبير دون تغيير، لافتاً إلى أن نحو 86% من قوة العمل الرسمية تعمل في القطاع العام، في حين لا يزال الاقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، مع ضعف القطاع الخاص وانقسام المؤسسات العامة.

ورأى القزار أن استمرار هذا النموذج خلق معادلة وصفها بالخطيرة، إذ ينظر بعض المسؤولين إلى المنصب باعتباره امتيازاً أو غنيمة، بينما يرى بعض المواطنين الدولة مصدراً للراتب والدعم والمزايا، ومع ضعف القانون والمحاسبة يصبح الفساد والواسطة والتهريب، بحسب تقديره، نتائج متوقعة لهذه البيئة.

وأوضح أن اكتشاف النفط نقل ليبيا سريعاً من مجتمع محدود الموارد إلى دولة ذات إيرادات كبيرة مقارنة بعدد سكانها، وأسهم في تحسين التعليم والصحة ومستوى المعيشة، لكنه في المقابل جعل الدخل أكثر ارتباطاً بالدولة من ارتباطه بالإنتاج.

وأشار إلى أن توسع الوظائف الحكومية وبرامج الدعم جعل العمل الحكومي أكثر جاذبية، ودفع الليبيين تدريجياً بعيداً عن قطاعات الزراعة والبناء والصناعة والأعمال اليدوية، فيما جرى تعويض النقص في هذه المجالات بالعمالة الأجنبية.

وقال إن هيمنة الدولة على الاقتصاد ازدادت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وصولاً إلى إضعاف القطاع الخاص عملياً في مراحل من النظام الجماهيري، معتبراً أن المشكلة لم تكن فقط في كبر حجم الدولة، بل في ضعف المؤسسة نفسها.

ولفت القزار إلى أن التعيينات والترقيات في قطاعات عدة أصبحت، وفق وصفه، أقل ارتباطاً بالكفاءة وأكثر ارتباطاً بالولاء والواسطة والعلاقات الاجتماعية والمناطقية، قبل أن يؤدي الانقسام السياسي الذي أعقب عام 2011 إلى زيادة قدرة جماعات وأفراد على الاستفادة من المال العام وإضعاف الرقابة والمحاسبة.

كما اعتبر أن عقوداً من الوظيفة الحكومية والدعم والوقود منخفض السعر والكهرباء المدعومة والخدمات العامة أسهمت في تكوين تصور لدى المواطن بأن الدولة مطالبة بالعطاء المستمر دون مقابل واضح، مشيراً إلى أن دعم الطاقة وحده بلغت تكلفته الاقتصادية، بحسب تقديره، نحو 17 مليار دولار خلال 2024 عند احتساب أشكال الدعم المباشر وغير المباشر.

وأكد القزار أن ليبيا لا تحتاج فقط إلى تغيير الحكومة، وإنما إلى «عقد اجتماعي جديد» يحدد العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الحقوق والواجبات، ويجعل القانون والشفافية والمحاسبة ركائز لإدارة الدولة.

وأوضح أن الدولة يجب أن تلتزم بتوفير الأمن والعدالة والتعليم والصحة الأساسية والبنية التحتية وتكافؤ الفرص وحماية الحقوق، مقابل التزام المواطن بالقانون ودفع الضرائب والرسوم العادلة والمحافظة على المال العام والعمل والإنتاج.

وأشار إلى أن تجارب دول مثل رواندا وإستونيا، بحسب رؤيته، تؤكد أن تغيير الأشخاص وحده لا يكفي، وأن إصلاح الدولة يرتبط بتغيير القواعد وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وربط الإدارة بالأداء والشفافية وتقليص فرص الفساد.

وشدد على أن العقد الاجتماعي الجديد يعني الانتقال من «وظيفة حكومية للجميع» إلى «فرصة عمل حقيقية للجميع»، ومن دعم السلع بصورة عامة إلى دعم المواطن المحتاج مباشرة، ومن منصب يمنح الامتيازات إلى وظيفة عامة بأجر عادل ومحاسبة صارمة.

ودعا القزار، إلى الانتقال من اقتصاد يقوم على توزيع عائدات النفط إلى اقتصاد يستخدم هذه العائدات لبناء الأصول والمؤسسات والقطاعات المنتجة، وخلق مساحة حقيقية أمام قطاع خاص قادر على الاستثمار وتوفير فرص العمل.

واعتبر أن تغيير الحكومات بصورة متكررة لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير النتائج إذا بقيت قواعد إدارة الدولة والاقتصاد كما هي، قائلاً إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمسؤول والمواطن.

وأكد أن الإصلاح لا يعني حرمان المواطن من حقوقه أو رفع الدعم بصورة مفاجئة، وإنما بناء دولة تقدم خدمات حقيقية، ومواطن يتمتع بحقوق واضحة ويلتزم بواجباته، ومسؤول يحصل على أجر عادل ويخضع للمحاسبة، وقطاع خاص قادر على العمل والاستثمار، وقانون لا يستثني أحداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى