المخزوم: «المبادرة الأمريكية» فرصة حقيقية لإنقاذ البلاد من حالة التلاشي والانهيار

قال نائب رئيس المؤتمر الوطني سابقًا صالح المخزوم إن الاتفاق المرتقب داخل ليبيا يمثل فرصة حقيقية ، مؤكدًا أن الضغوط الدولية والأمريكية الحالية، إلى جانب مسار لجنة «4+4»، يمكن أن تدفع نحو توحيد مؤسسات الدولة وتشكيل حكومة واحدة، داعيًا النخب والقوى السياسية الليبية إلى استغلال هذه الفرصة والضغط باتجاه تنفيذ الاتفاق وعدم السماح بعرقلته.
وأوضح المخزوم، خلال لقائه مع تلفزيون المسار، رصدته صحيفة “الساعة 24″، أن المعلومات المتداولة تشير إلى إمكانية توقيع الاتفاق داخل ليبيا، وربما على مرحلتين تبدأ إحداهما من بنغازي ثم طرابلس، مشيرًا إلى أن هذه المعلومات لا تزال أولية، لكنه اعتبر أن الأهم هو وجود فرصة سياسية يجب عدم إهدارها.
وأكد أن فرص تمرير الاتفاق والمصادقة عليه ما تزال قائمة، رغم ردود الفعل والتحفظات التي صدرت عن بعض الأطراف، موضحًا أن مثل هذه المواقف غالبًا ما تظهر في مختلف مراحل الحوار السياسي نتيجة الحسابات الشخصية والمصالح، إلا أن الأهم هو النظر إلى الهدف الأكبر المتمثل في إنقاذ الوطن من التلاشي والانهيار والاقتتال.
وأشار المخزوم إلى أن تاريخ تدخل بعثة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في ليبيا يثبت أن التدخل الخارجي كان في محطات عديدة عاملًا لمنع انهيار الدولة أو تقسيمها، مستشهدًا بمرحلة ما قبل الاستقلال، ثم اتفاق الصخيرات، ولاحقًا حوار جنيف، معتبرًا أن كل محطة من هذه المحطات جاءت نتيجة ظروف استثنائية فرضت تدخل المجتمع الدولي ودفع الليبيين نحو تسويات سياسية.
وقال إن ليبيا تمر حاليًا بمرحلة أكثر خطورة، في ظل الفساد وتقاسم أموال النفط وتراجع مؤسسات الدولة، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مزيد من التدخلات الدولية وعودة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، وهو ما يجعل المجتمع الدولي أكثر جدية في الضغط للوصول إلى حل.
وفيما يتعلق بالغموض المحيط بالاتفاق، رأى المخزوم أن «الغموض البناء» قد يكون جزءًا من آلية إنجاح المسار، مؤكدًا أن البعثة الأممية لم تكن تسعى تاريخيًا إلى إخراج مجلسي النواب والدولة من المشهد، وإنما كانت حريصة على الحفاظ على ما تعتبره شرعية دستورية وانتخابية نسبية، مع وضع آليات مختلفة للعمل والإنجاز.
وأوضح أن لجنة «4+4» تمثل خطوة أولى في هذا المسار، على أن تأتي بعدها مرحلة أخرى تمتد لنحو شهر، داعيًا خلال هذه الفترة إلى عقد اجتماع واسع للنخب والتيارات والأحزاب والقوى الوطنية الليبية داخل البلاد أو خارجها، بهدف تشكيل قوة سياسية داعمة للاتفاق وضاغطة على المؤسسات لمنع تعطيله.
واقترح أن يجتمع الليبيون في أي مدينة مناسبة، سواء سرت أو غدامس أو غيرهما، أو أن يعقدوا اجتماعًا خارج ليبيا إذا تعذر ذلك، على أن يكون الهدف هو دعم البعثة الأممية ومساندة أي مسار يؤدي إلى تنفيذ الاتفاق، مشددًا على ضرورة أن تكون الأيام الثلاثون المقبلة فترة عمل مكثف، إما لإنجاز الاستحقاقات أو للانتقال إلى مرحلة أخرى من الحوار السياسي.
وفي الشق القانوني، رفض المخزوم اعتبار تحرك البعثة الأممية عبر لجنة «4+4» خروجًا عن الإطار القانوني، موضحًا أن الاتفاق السياسي أصبح جزءًا من الإعلان الدستوري وفق ما استند إليه من أحكام قضائية، وأن البعثة تستند إلى المادة «64» من الاتفاق السياسي للحفاظ على الشرعية الدستورية والانتخابية النسبية.
وأشار إلى أن وجود عضوين من مجلس النواب وعضوين من مجلس الدولة داخل لجنة «4+4» يمثل محاولة للحفاظ على صلة المسار الجديد بالمؤسستين، موضحًا أنه حتى في حال رفض رئاستي المجلسين تمرير الاتفاق، يمكن اللجوء إلى مسار الحوار السياسي المنصوص عليه في المادة «64»، من خلال أعضاء يمثلون المؤسستين، دون أن يكون موقف الرئاستين وحده قادرًا على تعطيل المسار.
وأكد المخزوم أن ما وصفه بالشرعية القانونية في ليبيا هو شرعية نسبية بحكم الظروف التي مرت بها البلاد، مشيرًا إلى غياب إرادة شعبية مكتملة في إقرار الدساتير منذ تأسيس الدولة الليبية، ومعتبرًا أن البعثة الأممية تتعامل مع هذه الحقيقة السياسية والقانونية من خلال الاستناد إلى الشرعية النسبية المتاحة.
وأضاف أن الاتفاق السياسي في الصخيرات أصبح جزءًا من الإعلان الدستوري، وأن الاستناد إلى المادة «64» يتيح استمرار المسار السياسي حتى في حال تعثر المؤسسات القائمة، مؤكدًا أن الهدف في النهاية هو إيجاد آلية تتجاوز الانسداد ولا تسمح باستمرار الجمود.
وبشأن لجنة «4+4»، أوضح المخزوم أن اللجنة حققت اختراقًا سياسيًا خلال فترة قصيرة، خصوصًا في ملف القوانين الانتخابية، معتبرًا أن التحدي الأكبر الذي يواجهها الآن هو الانتقال من الجانب التشريعي إلى الجانب التنفيذي، وتحديد شكل الحكومة المقبلة، وما إذا كانت حكومة جديدة أو حكومة مدمجة.
وقال إنه لا يملك معلومات مؤكدة بشأن ما إذا كانت لجنة «4+4» ستتولى مباشرة مهمة تشكيل الحكومة، أو ستدخل في مفاوضات بشأن تشكيلها، لكنه رأى أن مسعد بولس يمارس ضغوطًا في هذا الاتجاه، باعتبار أن مكونات اللجنة تمثل القيادة العامة للجيش وحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة.
وأكد أن الضغط الدولي أصبح عنصرًا أساسيًا في دفع العملية السياسية، مشيرًا إلى أن تعطّل آليات تداول السلطة والديمقراطية في ليبيا جعل التدخل الدولي أكثر حضورًا، خاصة مع تصنيف البلاد ضمن الدول التي تواجه خطر الفشل والانهيار، وهو ما ينعكس على ملفات الطاقة والنفط والغاز والإرهاب والهجرة غير الشرعية.
ورأى أن الحل العملي يمر عبر توحيد ليبيا في إطار حكومة واحدة، سواء جاءت من خلال دمج المؤسسات القائمة أو عبر تشكيل حكومة جديدة، لكنه شدد على أن أي صيغة يجب ألا تقوم على الإقصاء، لأن إقصاء الأطراف السياسية والعسكرية، في رأيه، كان أحد الأسباب التي دفعت ليبيا إلى الانقسام والصراع.
وأوضح المخزوم أن الحكومة المقبلة، سواء وصفت بأنها حكومة مدمجة أو حكومة جديدة، ستكون في النهاية حكومة جديدة من حيث المهمة والمرحلة، معتبرًا أن المشكلة ليست في المصطلح وإنما في طريقة تشكيلها ومدى قدرتها على استيعاب الأطراف المختلفة.
وأكد أن البعثة الأممية لن تكرر أخطاء سابقة من خلال إقصاء أطراف رئيسية، بل ستتجه إلى توسيع دائرة الحوار والتوافق، بحيث تضم قوى سياسية ونخبًا وأطرافًا مختلفة، مشيرًا إلى أن رفض مدينة مصراتة للصيغة الأولى من المبادرة الأمريكية دفع المجتمع الدولي، والولايات المتحدة بصورة خاصة، إلى التفكير في توسيعها ودمجها مع المسار الأممي.
ورأى أن المبادرة الأمريكية بقيادة مسعد بولس أصبحت الآن جزءًا من المسار الأممي من خلال لجنة «4+4»، معتبرًا أن هناك اتجاهًا نحو توسيع المشاركة بصورة نسبية، بما يمنع فرض صيغة واحدة على الأطراف الليبية ويجنب البلاد العودة إلى الحرب.
ودعا المخزوم الأحزاب والتيارات السياسية والنخب الوطنية والمؤسسات القائمة إلى التحرك فورًا، مؤكدًا أن على هذه الأطراف أن تجتمع في مكان واحد داخل ليبيا إذا أمكن، أو في أي دولة أخرى إذا تعذر الاجتماع داخل البلاد، لتشكيل موقف وطني داعم للمسار السياسي.
وأوضح أن اجتماع القوى الوطنية الليبية من شأنه أن يوفر ضغطًا إيجابيًا على البعثة الأممية ومجلسي النواب والدولة، ويمنع تعطيل الاتفاق، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي يتفاعل عادة مع وجود الليبيين مجتمعين حول رؤية واحدة، وأن البعثة ستكون أكثر استعدادًا للاستماع إلى هذا الموقف والتعامل معه.
وأكد أن السيناريو الأقرب، في حال تعطل المسار أمام مجلسي النواب والدولة، هو اللجوء إلى حوار سياسي جديد استنادًا إلى المادة «64»، داعيًا إلى الاستعداد لهذا الاحتمال بدل التعامل معه باعتباره مجرد أمنية أو توقع.
وحذر المخزوم من أن الفشل في استثمار الضغط الدولي الحالي قد يقود إلى مرحلة أكثر خطورة من الانقسام، لكنه أكد في الوقت ذاته أن الوضع الراهن لا يمكن أن يكون أفضل من أي محاولة جادة لتشكيل حكومة واحدة وإعادة بناء الدولة.
وأوضح أن عوامل الضغط الحالية تختلف عن المراحل السابقة، إذ كانت الحرب على تنظيم داعش العامل الأساسي في مرحلة الصخيرات، بينما كان التدخل العسكري الروسي والتركي عاملًا حاسمًا في مرحلة جنيف، أما اليوم فتتمثل عوامل الضغط في خطر انهيار الدولة، وتقاسم النفط دون رقابة، والهجرة غير الشرعية، والخوف من عودة الإرهاب.
وأكد أن هذه العوامل تدفع المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة، إلى التحرك بجدية أكبر، معتبرًا أن استمرار الضغط قد يتيح خلال شهر أو شهرين تحقيق تقدم في تشكيل حكومة موحدة، حتى وإن تعرض المسار لاحقًا لعقبات أو انتكاسات.
ورأى المخزوم أن ما أنجزته لجنة «4+4» لا يتعارض مع المسار الأوسع للحل، معتبرًا أن عملها انصب بصورة أساسية على تفكيك الإشكالات المرتبطة بالقوانين الانتخابية ومحاولة تبسيطها، تمهيدًا للانتقال إلى تشكيل حكومة موحدة وإعادة توحيد مؤسسات الدولة.
وعن مدى اعتبار ما تحقق في لجنة «4+4» نجاحًا جزئيًا للمبادرة الأمريكية، قال المخزوم إن الأمر لا يمثل مجرد نجاح للمبادرة، بل يعكس طبيعة عمل المجتمع الدولي عندما يصل إلى قناعة بأن الدولة مهددة بالانهيار، موضحًا أن المجتمع الدولي قد يظل لفترة طويلة في حالة مراقبة، لكنه يتحرك بقوة عندما تصل المخاطر إلى مستوى يهدد المصالح الدولية والإقليمية.
وأكد أن الضغوط الأمريكية الحالية جاءت نتيجة الخوف من الانهيار الشامل للدولة الليبية ومن استمرار تقاسم النفط دون رقابة، معتبرًا أن ذلك يوفر فرصة حقيقية يجب استغلالها، داعيًا من جديد النخب والأحزاب والمؤسسات الليبية إلى توحيد جهودها والاستفادة من هذا الظرف لإعادة بناء الدولة.
وفيما يتعلق بقدرة القوى السياسية الأخرى على المشاركة في الحل رغم أن المبادرة الأمريكية تقوم، في شكلها المتداول، على أطراف تملك نفوذًا فعليًا على الأرض، قال المخزوم إن الولايات المتحدة حريصة على إنجاح مبادرتها، وإن تحركات مسعد بولس ولقاءاته مع مختلف الأطراف جاءت بعد رصد اعتراضات على فرض أسماء محددة، وهو ما قد يدفع نحو توسيع دائرة المشاركة وإجراء تعديلات على الصيغة المطروحة.
وأشار إلى أن المسار الأمريكي بدأ بالفعل في الاندماج مع المسار الأممي، معتبرًا أن لجنة «4+4» تمثل إحدى أدوات هذا الدمج، وأن التوسيع النسبي للحوار أصبح ضرورة لتجنب فرض صيغة قد تؤدي إلى صدام جديد.
وشدد المخزوم على أن أي محاولة لفرض حل بالقوة أو إقصاء أطراف مؤثرة على الأرض قد تقود إلى حرب جديدة، مؤكدًا أن ذلك ليس في مصلحة أي طرف، وخاصة بعد الرفض الذي أبدته مصراتة للصيغة الأولى من المبادرة الأمريكية.
وختم المخزوم بالتأكيد على ضرورة توسيع دائرة المشاركة السياسية وعدم تكرار تجربة الإقصاء، معتبرًا أن استبعاد أي طرف، سواء كان سياسيًا أو عسكريًا أو اجتماعيًا، يمكن أن يؤدي إلى ردود فعل تعيد إنتاج الأزمة. وأضاف أن الحل السياسي الحقيقي يجب أن يقوم على أكبر قدر ممكن من التوافق والاستيعاب، وأن المرحلة الحالية تتطلب من جميع الأطراف استغلال الفرصة الدولية المتاحة للوصول إلى دولة موحدة وحكومة واحدة وإنهاء حالة الانقسام.









