الغرياني: تنفيذ الأحكام جزء من مسار المصالحة الوطنية

أكد عضو رابطة ضحايا الإرهاب، عبدالله الغرياني، أن تنفيذ أحكام الإعدام بحق عشرة مدانين بجرائم إرهابية، وفق ما أعلنه مكتب المدعي العام العسكري بالقيادة العامة، يمثل جزءًا من مسار العدالة، مشددًا على أن تحقيق المصالحة الوطنية لا يمكن أن يكتمل من دون محاسبة المسؤولين عن الجرائم وإنصاف الضحايا وجبر الضرر.
وقال الغرياني، في مداخلة مع تلفزيون «المسار»، رصدتها صحيفة “الساعة 24″، إن العدالة تعد من أهم المسارات التي ينبغي أن تسهم في تنفيذ المصالحة الوطنية، موضحًا أن الأحكام التي جرى تنفيذها صدرت بحق أشخاص ثبت تورطهم بصورة مباشرة في جرائم استهدفت المواطنين والمنشآت العامة، وذلك استنادًا إلى الأدلة والإثباتات التي أكدت مسؤوليتهم عن تلك الجرائم.
وأضاف أن هذه العناصر تورطت في عمليات إرهابية شهدتها بنغازي ومناطق أخرى خلال السنوات الماضية، ولا سيما خلال فترة نشاط تنظيم «الدولة الإسلامية» وما عُرف بتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، مشيرًا إلى أن أسر ضحايا الإرهاب تنظر إلى تنفيذ هذه الأحكام باعتباره جزءًا من تحقيق العدالة، وفي الوقت نفسه جزءًا من المسار الذي يقود إلى المصالحة الوطنية.
وشدد الغرياني على أن المصالحة لا تعني تجاوز العدالة أو إسقاط حقوق الضحايا، قائلًا إن المرحلة الحالية تفرض المرور بمسار المحاسبة أولًا، ثم الانتقال إلى مراحل المصالحة، معتبرًا أن ما جرى من أحكام وتنفيذها يمثل مرحلة طبيعية ومتوقعة في ضوء ما شهدته البلاد من عمليات إرهابية وجرائم واسعة خلال السنوات الماضية.
أوضح الغرياني أن ليبيا لا تمر بظرف مثالي، بل تعيش حالة استثنائية فرضتها ظروف الحرب التي خاضتها الدولة ضد الجماعات الإرهابية، مؤكدًا أن الواقع الليبي يتطلب التعامل مع ملفات الضحايا والمفقودين وتحديد المسؤوليات، إلى جانب تنفيذ الأحكام القضائية.
وبيّن أن البلاد شهدت خلال سنوات الحرب عمليات إرهابية واسعة، شملت زراعة الألغام داخل منازل المدنيين وفي المناطق السكنية، الأمر الذي أدى إلى سقوط ضحايا حتى بعد انتهاء العمليات، فضلًا عن عمليات التفجير التي استهدفت المدينة والمرافق العامة ودور العبادة.
وأشار إلى أن الجماعات الإرهابية لم تراعِ حرمة دور العبادة، التي تحولت في بعض الحالات إلى أماكن شهدت جرائم خطيرة، من بينها استهداف المواطنين ورجال الأمن والجيش والقضاء، مؤكدًا أن حجم الجرائم التي ارتكبت خلال تلك المرحلة خلف أعدادًا كبيرة من الضحايا وآثارًا ما زالت قائمة حتى اليوم.
أكد الغرياني أنه لا يمكن التعامل مع ملف المصالحة من خلال قبول جانب ورفض جانب آخر، موضحًا أن أسر الضحايا تقبل كذلك المبادرات والإجراءات التي اتخذت في فترات سابقة، ومن بينها مبادرات الإفراج عن عدد من السجناء.
ولفت إلى أن القيادة العامة للقوات المسلحة كانت قد أعلنت في وقت سابق مبادرة للإفراج عن نحو250 سجين، مشيرًا إلى أن هذه الإجراءات جرى التعامل معها في إطار ما يصدر عن القيادة العسكرية والجهات القضائية والعسكرية المختصة.
كما أشار إلى المبادرات المتعلقة بالمصالحة الوطنية واسترجاع الممتلكات للمواطنين الذين تضرروا خلال حرب عام 2014، إضافة إلى ما يرتبط بأسر وعائلات المتضررين، مؤكدًا أن جميع هذه الملفات يجب أن تُنظر ضمن إطار متكامل.
وقال الغرياني إن لكل طرف حقوقًا، وإن حقوق الضحايا يجب أن تُحترم كما تُراعى بقية المسارات، معتبرًا أن تنفيذ الأحكام القضائية يمثل أحد مسارات المصالحة الوطنية وأحد مسارات العدالة، خصوصًا عندما تكون الأحكام قد صدرت بعد إجراءات قضائية
وأكد أن الحديث في الحالة الراهنة لا يدور عن متهمين فقط، وإنما عن أشخاص صدرت بحقهم أحكام قضائية نهائية، من بينها أحكام بالإعدام وأخرى بالسجن المؤبد، موضحًا أن تنفيذ هذه الأحكام يأتي في سياق قانوني وقضائي محدد
وفي السياق ذاته، أشار الغرياني إلى أن دولًا عدة خاضت حروبًا ضد الجماعات الإرهابية وتعاملت مع عناصرها من خلال القضاء، مستشهدًا بمصر التي صدرت فيها أحكام بحق عدد من المتورطين أو المناصرين أو المتهمين بالانتماء إلى الجماعات الإرهابية
وأوضح أن ما جرى اليوم يأتي في سياق المحاكم العسكرية، سياق قانوني وشرعي يستند إلى اختصاصات قضائية واضحة، لافتًا إلى أن البيان الصادر عن مكتب المدعي العام العسكري تضمن حيثيات قانونية تؤكد أن الأحكام والإجراءات تمت تحت إشراف القضاء والمحاكم، مع توفير ضمانات الدفاع والمحاكمة.
وأشار إلى أن بعض الأحكام التي صدرت بحق المدانين تعود إلى سنوات طويلة، مؤكدًا أن طول مدة التقاضي لا يلغي حق الدولة في تنفيذ الأحكام بعد استكمال إجراءاتها القانونية.
وأعرب الغرياني عن أمله في أن يسهم إغلاق ملفات الإرهاب في الوصول إلى مصالحة حقيقية وشاملة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن طي هذه الصفحة لا يمكن أن يتم بصورة صحيحة إلا عبر المرور بكل مراحل العدالة، بما في ذلك تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بحق المدانين.
وفي ختام حديثه، وجه الغرياني رسالة إلى أسر ضحايا الإرهاب، مؤكدًا أن المطلوب هو استكمال جميع المسارات القانونية والإنسانية المتعلقة بهذا الملف، بما يشمل المحاكمات وتنفيذ الأحكام، وكذلك معالجة أوضاع من صدرت بحقهم أحكام مختلفة، سواء بالسجن المؤبد أو غيره.
وأضاف أن مسار العدالة يجب أن يترافق مع مسار آخر لا يقل أهمية، وهو جبر الضرر وإنصاف الضحايا، موضحًا أن آثار الإرهاب لم تقتصر على الخسائر المباشرة، بل خلفت أضرارًا نفسية واجتماعية واقتصادية كبيرة.
وأشار إلى وجود ضحايا مدنيين سقطوا بسبب الألغام التي زرعتها الجماعات الإرهابية، إلى جانب ضحايا العمليات الإرهابية التي استهدفت المستشفيات ودور العبادة والمرافق العامة، مؤكدًا أن حجم المعاناة التي خلفتها هذه الجماعات كبير جدًا، وأن آثارها ما زالت حاضرة لدى الأسر والمجتمع.
وأكد الغرياني أن رابطة ضحايا الإرهاب أصدرت في 21 أغسطس من كل عام بيانًا بمناسبة اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة لتكريم ضحايا الإرهاب، مبينًا أن الرابطة شددت في بيانها على ضرورة الوصول إلى مصالحة حقيقية، وأن المصالحة ينبغي أن تسبقها المحاسبة والعدالة، إلى جانب اتخاذ إجراءات عملية لجبر الضرر الواقع على الضحايا.
وختم الغرياني بالتأكيد على أن ملف الإرهاب ما زال يواجه تحديات كبيرة ومسؤوليات متعددة، وأن ما أُعلن اليوم بشأن تنفيذ أحكام الإعدام يمثل خطوة ضمن مسار طويل، معربًا عن أمله في أن تقود هذه الإجراءات، إلى جانب بقية المسارات، إلى مرحلة تتجاوز فيها ليبيا آثار الإرهاب، مع الحفاظ على حقوق الضحايا وتقدير حجم الضرر الذي لحق بهم.









