ليبيا

الديباني: المبادرة الأمريكية تمضي بخطى ثابتة وتحظى بزخم إقليمي ودولي

أكد القانوني والباحث السياسي عبد الله الديباني أن جملة التحركات السياسية والدبلوماسية الأخيرة في ليبيا، إلى جانب ما تحقق من انفراجات في عدد من الملفات، تعكس وجود مسار متدرج نحو تسوية سياسية، نافياً صحة الطرح القائل إن المبادرة الأمريكية التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس «ماتت سريرياً» أو أن الولايات المتحدة تبحث عن بديل لها. وتأتي تصريحات الديباني في وقت تتواصل فيه التحركات الأمريكية بالتوازي مع مسار البعثة الأممية، وسط غياب وثيقة رسمية معلنة تكشف كامل تفاصيل المبادرة.
وقال الديباني في مدخلة على قناة “ليبيا الحدث” إن المبادرة الأمريكية «تمضي بخطى ثابتة»، معتبراً أن تحرك البعثة الأممية باتجاه صيغة «4+4» يمثل أحد المؤشرات على تفاعل المسارين، باعتبار أن هذه الصيغة تضم ممثلين عن الأطراف والفاعلين الرئيسيين في المشهد الليبي.
وأضاف أن المبادرة لم تعد، وفق تقديره، تحركاً أمريكياً أحادي الجانب، بل بدأت تحظى بزخم دولي أوسع، في ظل تحركات ومواقف إقليمية ودولية متزايدة تجاه الأزمة الليبية.
وأشار إلى أن تركيا، من وجهة نظره، لا تبحث عن مسار منفصل عن المبادرة الأمريكية، وإنما تعمل على حماية مصالحها وضمان استدامتها داخل ليبيا، مستشهداً بالانفتاح التركي على القيادة العامة في ملفات اقتصادية واستثمارية وعسكرية.
ورأى أن التحركات التركية يمكن أن تساهم في زيادة الزخم الدولي حول المبادرة، إلى جانب التحركات المصرية والسعودية والباكستانية والروسية، مع استمرار الدور الأمريكي والأممي في الملف.
وتطرق الديباني إلى التحركات والزيارات الخارجية التي أجراها نائب القائد العام، معتبراً أنها تعكس، بحسب قراءته، اتساع دائرة التواصل الدولي مع القيادة العامة، وتكشف عن عملية إعادة ترتيب للأوراق وتحديد للشركاء المحتملين في المرحلة المقبلة.
وأشار إلى لقاءات واتصالات مع مسؤولين في روسيا والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا وباكستان، إضافة إلى الزيارات المتكررة إلى تركيا، معتبراً أن ذلك يشير إلى بداية ترسيخ شراكة اقتصادية واستثمارية بين أنقرة والمناطق الواقعة تحت سيطرة القيادة العامة.
وأكد أن هذه التحركات لا تعني أن الطريق أمام أي تسوية أصبح سهلاً، مشيراً إلى وجود أطراف سياسية لا تزال ترفض أي ترتيبات لا تتوافق مع مصالحها أو رؤيتها للحكم.
ورفض الديباني التعامل مع التسريبات المتعلقة بأسماء الشخصيات التي قد تتولى مواقع في المرحلة المقبلة باعتبارها حقائق محسومة، مشيراً إلى أن الحديث عن بقاء عبد الحميد الدبيبة أو تولي صدام حفتر موقعاً قيادياً لم يخرج، بحسب قوله، في صورة إعلان رسمي عن تسوية نهائية.
وقال إن سرية المبادرة تمثل إحدى سماتها الأساسية، موضحاً أن بولس، خلال لقاءاته مع أطراف ليبية، أكد أن مهمته تتمثل في مساعدة الليبيين على تجاوز الأزمة، وأن الإفصاح عن التفاصيل السياسية الحساسة ليس ممكناً في كل مراحل التفاوض.
ويأتي هذا الطرح في وقت لا تزال فيه تفاصيل السلطة التنفيذية المقترحة غير معلنة رسمياً، رغم أن المبادرة الأمريكية تركز، وفق ما أعلن عنها، على توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام وبناء ترتيبات أمنية واقتصادية تدريجية.
وأوضح الديباني أن المبادرة تقوم، بحسب قراءته، على معالجة مجموعة من الملفات المتداخلة، في مقدمتها توحيد مؤسسات الدولة، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتحقيق توزيع عادل للموارد المالية.
كما أشار إلى فكرة تشكيل قوة مشتركة تكون نواة أولى لترتيبات أمنية موحدة، تشمل حماية الحدود ومكافحة الجريمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية.
واعتبر أن التدريبات العسكرية المشتركة التي استضافتها مدينة سرت، بمشاركة وإشراف القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم»، تمثل مؤشراً على محاولة بناء مستوى من التنسيق بين القوات في شرق البلاد وغربها. وقد أُدرجت هذه التدريبات، إلى جانب الموازنة الموحدة وغرف العمليات المشتركة، ضمن أبرز المؤشرات التي يستند إليها مؤيدو المبادرة في تقييم تقدمها.
وأضاف أن الاتفاق المتعلق بالميزانية الموحدة يمثل خطوة مهمة في معالجة الجانب الاقتصادي من الأزمة، مؤكداً أن توحيد المؤسسات المالية وتوزيع الموارد بصورة عادلة يشكلان جزءاً أساسياً من أي تسوية قابلة للاستمرار.
وشدد الديباني على ضرورة استمرار دور البعثة الأممية، مؤكداً أن المبادرة الأمريكية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها بديلاً عن الأمم المتحدة، وإنما مساراً مساعداً يمكن أن يساهم في إخراج العملية السياسية من حالة الجمود.
وأشار إلى أن تحرك البعثة باتجاه لجنة «4+4» يوضح، بحسب رأيه، أن هناك محاولة لتوسيع دائرة المشاركة وإشراك الأطراف الفاعلة والمؤثرة في ترتيبات المرحلة المقبلة.
وتتحرك لجنة «4+4» بالتوازي مع الجهود الأمريكية، فيما يركز المسار الأممي بصورة أكبر على استكمال الترتيبات المتعلقة بالعملية الانتخابية.
وانتقد الديباني ما وصفه بالتناقض في مواقف بعض الأطراف السياسية تجاه الانتخابات والقوانين الانتخابية، معتبراً أن جزءاً كبيراً من الأزمة الليبية بدأ منذ رفض نتائج أو مخرجات مسارات سياسية وانتخابية سابقة.
وقال إن قبول القواعد الانتخابية عندما تخدم طرفاً سياسياً ثم الطعن فيها بعد ظهور النتائج يمثل، في تقديره، أحد أسباب استمرار الانقسام.
وأضاف أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود خلافات حول القوانين أو المؤسسات، وإنما في رغبة بعض الأطراف في فرض تسويات تتوافق مع مصالحها السياسية والأيديولوجية، بدلاً من القبول بشراكة وطنية حقيقية.
وقال الديباني إن الحديث عن المواطنة ووحدة البلاد والدولة المدنية لا يمكن أن يظل مجرد شعارات، مؤكداً أن الدولة الموحدة تتطلب مشاركة جميع الليبيين في السياسة والاقتصاد وإدارة الموارد.
وأضاف أن المطالبة بالحفاظ على الثروة النفطية والموارد المالية يجب أن تترافق مع آليات واضحة لضمان التوزيع العادل لها، محذراً من أن استمرار الصراع على الموارد سيبقي الأزمة السياسية مفتوحة مهما تعددت المبادرات.
وأكد أن أي مبادرة سياسية ستواجه أطرافاً مستفيدة من الوضع القائم، ولذلك فإن نجاحها يتطلب القدرة على الانتقال من التفاهمات إلى آليات تنفيذ حقيقية.
ودعا الديباني إلى قدر أكبر من الصراحة في الخطاب السياسي الموجه إلى الليبيين، قائلاً إنه لا يمكن تقديم كل المبادرات باعتبارها حلولاً مثالية أو طريقاً مفروشاً بالورود.
وشدد على أن المبادرة الأمريكية نفسها لن تكون استثناءً، لأنها ستواجه، بحسب تقديره، أطرافاً سياسية وأمنية واقتصادية لديها مصالح مرتبطة باستمرار الوضع الحالي.
وختم الديباني بالتأكيد على أن نجاح أي تسوية لن يتوقف على اسم المبادرة أو الجهة التي ترعاها، وإنما على قدرتها على توحيد المؤسسات، وضمان عدالة توزيع الموارد، وإنهاء الانقسام العسكري والسياسي، وتوسيع دائرة المشاركة، وصولاً إلى دولة مستقرة قادرة على إجراء انتخابات تحظى بقبول مختلف الأطراف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى