معيتيق: واشنطن تسعى إلى توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات في ليبيا

قال الكاتب الصحفي رمضان معيتيق إن نجاح أي تسوية سياسية جديدة في ليبيا لا يتوقف على قدرة الأطراف على الوصول إلى اتفاق وتوقيعه، وإنما يرتبط بوجود ضمانات فعلية لتنفيذه، وقبول القوى المؤثرة على الأرض بمخرجاته والتسليم بها، محذراً من تكرار تجربة الاتفاقات السابقة التي لم تتحول مخرجاتها بالكامل إلى واقع عملي.
وأوضح معيتيق في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث” أن تجربة اتفاق وقف إطلاق النار وتشكيل اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» تمثل أبرز الأمثلة على الفجوة بين التوقيع والتنفيذ، مشيراً إلى أن اللجنة، رغم مرور سنوات على تشكيلها، لم تتمكن من إنجاز عدد من الملفات الأساسية، بينها إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، وتوحيد المؤسسة العسكرية، والانتقال من حالة وقف إطلاق النار إلى حالة سلام مستدام.
ورأى أن فرص التوصل إلى تسوية سياسية ربما أصبحت أقرب في ظل اللقاءات والتقارب بين عدد من الأطراف، إلا أن ذلك لا يعني أن نتائج هذه اللقاءات مضمونة، لأن التجارب المتراكمة خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية أظهرت أن التوقيع على الاتفاقات والمعاهدات لا يكفي وحده لإنتاج تغيير فعلي على الأرض.
وانتقد معيتيق اختزال النقاش السياسي الحالي في مسألة توحيد السلطة التنفيذية، مع ترك الملفات المتعلقة بتوحيد مؤسسات الدولة والمسارات التي جرى التوافق عليها خلال السنوات الماضية.
وقال إن الحديث انتقل من البحث في قاعدة سياسية موحدة للحوار بين الفرقاء، ومن خرائط الطريق الأممية والحوار المهيكل والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن، إلى التركيز على «توحيد السلطة»، مع تراجع النقاش حول المسار المتكامل الذي يقود إلى الانتخابات.
وأشار إلى أن توحيد السلطة التنفيذية، حتى لو تحقق، لا يمثل وحده حلاً للأزمة، مؤكداً أن توحيد مؤسسات الدولة يجب أن يشمل المؤسسات التشريعية والتنفيذية والرقابية، إلى جانب استكمال الملفات التي نص عليها المسار السياسي الليبي.
وأوضح أن التوافقات التي أُنجزت في إطار التعديل الدستوري الثالث عشر ولجنة «6+6» والقوانين الانتخابية تمثل أجزاء من المسار الذي يجب استكماله، مشيراً إلى أن القوانين الانتخابية أُحيلت إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وأن الجزء المتبقي يحتاج إلى توافق سياسي أوسع يسمح بالانتقال إلى انتخابات مقبولة من مختلف الأطراف.
وأكد معيتيق أن الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة للوصول إلى الاستقرار السياسي وإنهاء الانقسام، محذراً من إجراء انتخابات من دون توافق مسبق على احترام نتائجها.
وقال إن إجراء الانتخابات ثم رفض نتائجها من طرف أو أكثر لن يؤدي إلى حل الأزمة، بل قد يعيد إنتاج الصراع في صورة جديدة، ولذلك فإن الوصول إلى تفاهمات تسبق العملية الانتخابية، وتضمن مشاركة الجميع وقبولهم بنتائجها، يمثل شرطاً أساسياً لنجاحها.
وشدد على أن المطلوب ليس مجرد مشاركة سياسية شكلية لإظهار إجراء انتخابات أمام المجتمع الدولي، وإنما توافق حقيقي على قواعد العملية ونتائجها، بحيث تكون الأطراف المشاركة مستعدة مسبقاً للتسليم بما تفرزه صناديق الاقتراع.
وأضاف أن المشاركة ينبغي ألا تقتصر على طرف أو طرفين، بل تشمل مختلف القوى السياسية والاجتماعية والمؤسسات الرسمية والبلديات والأحزاب والمجتمع المدني والشباب والمرأة، بما يتوافق مع الأطر التي أقرتها المسارات والقرارات الدولية المتعلقة بالعملية السياسية في ليبيا.
وفيما يتعلق بالتحركات الأمريكية الأخيرة، أوضح معيتيق أن الجهود التي أعلنت عنها واشنطن تصب، بحسب ما تم الإعلان عنه، في دعم الوصول إلى حكومة منتخبة ومؤسسات موحدة، وليس في تسمية أشخاص لقيادة المرحلة المقبلة.
وأشار إلى تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس ووزير الخارجية الأمريكي بشأن الجهود المتعلقة بالملف الليبي، معتبراً أن هذه التحركات ينبغي أن تُفهم باعتبارها داعمة للمسار الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لا باعتبارها مساراً بديلاً عنها.
وأوضح أن هناك فرقاً بين المبادرة السياسية وبين «خارطة الطريق»، باعتبار أن المبادرات يمكن أن تقدمها الدول، بينما ترتبط خارطة الطريق بالمسار الأممي وتفويض بعثة الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن.
وأضاف أن التحركات المتعلقة بتوحيد المؤسسات التنفيذية ينبغي ألا تؤدي إلى تجاوز المسار السياسي الأوسع أو إقصاء المؤسسات التشريعية والسياسية القائمة من عملية صناعة القرار.
وأشار معيتيق إلى أن التحركات الأمريكية والأممية خلال الفترة الماضية لم تقتصر على الجانب السياسي، بل شملت اتصالات ولقاءات ذات طابع عسكري وأمني بين أطراف من شرق البلاد وغربها.
ولفت إلى لقاءات جمعت شخصيات وقيادات عسكرية من الجانبين، من بينها صدام حفتر وخالد حفتر ونمروش، إلى جانب المناورات والتدريبات العسكرية المشتركة، معتبراً أن هذه التحركات يمكن قراءتها في إطار محاولة تهيئة الجانب الأمني والعسكري للعملية الانتخابية.
وأوضح أن الانتخابات تحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة وتوافقات عسكرية تضمن حماية العملية الانتخابية، وهو ما يجعل الدفع نحو ترتيبات أمنية وعسكرية مشتركة جزءاً من تهيئة الظروف اللازمة للانتخابات.
ورجح إمكانية تشكيل لجنة أو مجلس عسكري مشترك خلال المرحلة المقبلة لتنفيذ مهام موحدة، في إطار الترتيبات التي تهدف إلى دعم الاستقرار الأمني وتوفير البيئة المناسبة للعملية السياسية.
وأكد معيتيق أن القول إن المسار الانتخابي لم يحقق أي تقدم لا يعكس كامل الصورة، موضحاً أن جزءاً كبيراً من القوانين الانتخابية تم إنجازه، وأن الحاجة الحالية تتركز بدرجة أكبر في استكمال الجانب السياسي وضمان التوافق حول تطبيق هذه القوانين.
وأشار إلى دور المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في العمل على تنفيذ ما أُنجز من قوانين، معتبراً أن المشكلة الأساسية لم تعد في الجانب الفني وحده، وإنما في توفير التوافق السياسي والأمني الذي يسمح بإجراء الانتخابات وقبول نتائجها.
وفي معرض حديثه عن المسارات السياسية السابقة، دافع معيتيق عن مبدأ توسيع دائرة المشاركة السياسية، دون أن يعتبر ذلك دفاعاً عن اتفاق الصخيرات أو عن الأطراف التي شاركت فيه.
وأوضح أن اتفاق الصخيرات مر بعدة مسودات ومراحل من النقاش، وجرى بحثه في مناطق مختلفة من ليبيا، وشارك في مناقشته ممثلون عن البلديات والأحزاب والقوى السياسية والأطراف المشاركة في العملية، قبل الوصول إلى الصيغة النهائية.
وقال إن الاتفاق، رغم ما يوجه إليه من انتقادات وملاحظات، ظل إحدى القواعد التي استندت إليها العملية السياسية الليبية خلال السنوات الماضية.
ورفض في هذا السياق استخدام مشاركة بعض الشخصيات في المسار السياسي السابق لإدانة مناطق أو مؤسسات أو بعثة الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن بعض المشاركين كانوا حاضرين بصفتهم الرسمية في مسارات محددة، وليس بالضرورة بصفتهم أو مواقفهم السياسية اللاحقة.
وضرب مثالاً بمشاركة سالم جدران، الذي كان عميداً لبلدية أجدابيا، في مسار البلديات، موضحاً أن مشاركته كانت بهذه الصفة الرسمية، وأنها لا تعني بالضرورة تحميل المسار الأممي مسؤولية المواقف التي اتخذها لاحقاً.
ورفض معيتيق اعتبار جميع الأصوات المنتقدة للمبادرات السياسية أطرافاً معرقلة، محذراً من «شيطنة» المعارضين ووصفهم بأنهم سبب تعثر العملية السياسية لمجرد إبدائهم اعتراضات على مبادرة أو مقترح.
وقال إن أي مبادرة سياسية ليست «ملائكية» أو غير قابلة للنقد، وإن المعارضة ووجود الرأي الآخر جزء طبيعي من العمل السياسي، مؤكداً أن من حق الأطراف المختلفة مناقشة المبادرات وطرح ملاحظاتها عليها.
وأشار إلى ضرورة التمييز بين المعارضة السياسية والعرقلة الفعلية، موضحاً أن العرقلة تظهر عندما تستخدم أطراف نفوذها أو القوة لمنع المؤسسات من أداء وظائفها أو تعطيل الانتخابات ومنع الطعون أو مصادرة البطاقات الانتخابية أو محاصرة المحاكم.
وأضاف أن من يمنع الانتخابات أو يعطل إجراءاتها بالفعل يمكن وصفه بأنه معرقل للعملية السياسية، أما من ينتقد مبادرة في وسائل الإعلام أو يطرح موقفاً سياسياً مخالفاً فلا ينبغي وضعه في التصنيف ذاته.
وأكد معيتيق أن الوصول إلى اتفاق سياسي قد لا يكون العقبة الأصعب، لأن الأطراف الليبية تمكنت في مراحل سابقة من الوصول إلى تفاهمات رغم الخلافات الحادة، مستشهداً باتفاق جنيف وما نتج عنه من ترتيبات سياسية وتشكيل حكومة.
وأوضح أن التحدي الحقيقي يكمن في الضمانات التي تلي الاتفاق، وفي مدى قبول الأطراف المؤثرة على الأرض به، وقدرتها على الالتزام بمخرجاته.
وقال إن أي صيغة جديدة لتوحيد السلطة التنفيذية تحتاج إلى إشراك الأطراف الرئيسية في عملية صناعة التوافق، بما يضمن قبولها ودعمها وتنفيذها، بدلاً من إنتاج اتفاق جديد بين عدد محدود من الأطراف ثم انتظار التزام الآخرين به.
وأضاف أن التجارب السابقة، بما فيها محاولات التقارب بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية، أظهرت أن التوافقات يمكن أن تنهار رغم وجود رغبة أولية في إنجاحها، وهو ما يجعل ضمانات التنفيذ أهم من مجرد الوصول إلى صيغة مكتوبة.
وفي حديثه عن لقاءات «4+4»، اعتبر معيتيق أن الوصول إلى تفاهمات داخل هذه الأطر أو غيرها قد يساهم في خلق تقارب سياسي، لكنه شدد على أن أي تفاهم لن يكون كافياً ما لم تتوافر له ضمانات حقيقية للتنفيذ.
وأوضح أن ضمانات الاتفاق لا يمكن أن تكون شكلية، لأن الأطراف المؤثرة في المشهد الليبي تمتلك أدوات فعلية على الأرض، وبالتالي فإن نجاح أي اتفاق يتطلب أن تكون هذه الأطراف جزءاً من عملية التوافق، وأن تكون مستعدة للالتزام بمخرجاته.
وختم معيتيق بالتأكيد على أن العامل الأكثر أهمية في أي تسوية سياسية ليبية لا يتمثل في المبادرات الخارجية وحدها، وإنما في وجود إرادة وطنية حقيقية.
وقال إن هذه الإرادة يجب أن تنطلق من الشارع الليبي ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وأن تتحول إلى موقف سياسي ينعكس على الأطراف الرئيسية في العملية السياسية.
وفي ختام مداخلته أكد أن وجود إرادة وطنية واسعة، إلى جانب مشاركة مختلف الأطراف في صناعة التوافق وتوفير ضمانات حقيقية لتنفيذه، يمكن أن يفتح الطريق أمام إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، وتهيئة الظروف للوصول إلى انتخابات تقود إلى سلطة منتخبة وموحدة تحظى بقبول الليبيين.









