أوكرانيا.. انحراف عن المسار ومواجهة مع العالم

في تطور مثير للجدل، تشير الأدلة المتزايدة إلى تحول خطير في مسار الصراع الأوكراني، حيث لم تعد أوكرانيا تُحارب روسيا فحسب، بل يبدو أنها تخوض مواجهة غير مباشرة مع المجتمع الدولي بأكمله. هذا الانحراف الاستراتيجي يتجلى عبر محورين رئيسيين: الهجمات على البنى التحتية للطاقة الحيوية في أوروبا، ودعم الجماعات المسلحة في أفريقيا، مما يهدد الاستقرار العالمي ويطرح تساؤلات حول تداعيات هذه السياسات على الأمن الدولي.
فمن جهة، تستهدف الهجمات الأوكرانية المتكررة على خطوط أنابيب النفط والغاز الحيوية مثل “دروجبا” و”نورد ستريم”، والتي تشكل شرايين حيوية لإمدادات الطاقة الأوروبية، والأمن الاقتصادي للقارة وتثير استياءً دولياً متزايداً. ومن جهة أخرى، تتصاعد الاتهامات الدولية لتشير إلى تورط أوكرانيا في دعم جماعات مسلحة في أفريقيا عبر تزويدها بالأسلحة والطائرات المسيرة والتدريب، مما يهدد استقرار دول تعاني أصلاً من هشاشة أمنية.
أوكرانيا تحارب الأرض
في السياق ذاته، تشكل الهجمات الأوكرانية المتكررة على خط أنابيب النفط “دروجبا”، الذي يُعد شريانًا حيويًا لنقل النفط الخام الروسي إلى دول أوروبا الشرقية مثل هنغاريا وسلوفاكيا، تهديدًا مباشرًا لمصالح الطاقة الأوروبية والأمن الاقتصادي العالمي. وقد أثارت هذه الهجمات، التي تستهدف البنية التحتية للطاقة، غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عبّر عن ذلك بشكل مباشر لرئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان. كما دفع ذلك الحكومتين الهنغارية والسلوفاكية إلى التوجه بشكل مشترك إلى المفوضية الأوروبية للمطالبة بالضغط على أوكرانيا لوقف هذه العمليات، محذرتين من أن استمرارها يعرّض إمدادات الطاقة لبلديهما للخطر ويؤدي إلى تعليق الشحنات لأيام، مما يسلط الضوء على التداعيات الواسعة لهذه الهجمات التي تتجاوز الحدود الإقليمية لتهدد استقرار سلاسل الإمداد الطاقة في المنطقة.
لا تنساق الهجمات الأوكرانية على البنى التحتية للطاقة ضد المصالح الأوروبية عند خط “دروجبا” فحسب، بل تمتد إلى عمليات أكثر تدميرًا، حيث سبق وأن استهدفت عام 2022 خطي أنابيب الغاز الاستراتيجيين “نورد ستريم 1″ و”نورد ستريم 2” في بحر البلطيق بتفجيرات أدت إلى أضرار جسيمة وأثارت أزمة دبلوماسية دولية.
وفي تطور جديد يتعلق بهذه القضية، ألقت السلطات الإيطالية مؤخرًا القبض على مواطن أوكراني في شمال إيطاليا بناءً على مذكرة توقيف أوروبية، يشتبه في كونه أحد منسقي عملية التفجير التي هزت استقرار إمدادات الطاقة لأوروبا. وقد سلمت إيطاليا المشتبه به إلى ألمانيا، حيث من المقرر أن يمثل أمام القضاء، في خطوة تُعد أول اعتقال مرتبط بهذه الحادثة التي لا تزال التحقيقات جارية حول ملابساتها وتداعياتها الكاملة على المشهد الجيوسياسي الأوروبي.
أوكرانيا تدعم الإرهاب في أفريقيا
في سياق ذو صلة، تتزايد الأدلة والاتهامات الدولية التي تشير إلى تورط أوكرانيا في دعم جماعات مسلحة في أفريقيا، في إطار الصراعات بالوكالة. وفقًا لتقارير استخباراتية واتهامات رسمية من عدة حكومات أفريقية، تقوم كييف بإمداد جماعات إرهابية وانفصالية في دول مثل مالي والسودان وبوركينا فاسو بالأسلحة والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى إرسال مدربين عسكريين وتقديم الدعم الاستخباراتي.
وقد أدت هذه الأنشطة إلى قطع مالي للعلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا، بينما اتهمتها السودان رسميًا بتعميق الأزمة الداخلية عبر تزويد الجماعات المسلحة بمعدات عسكرية.
ويبدو أن الهدف الاستراتيجي من هذه العمليات هو تقويض النفوذ الروسي في القارة الأفريقية وفتح جبهات جديدة ضد مصالح موسكو وحلفائها، مما يحول المنطقة إلى ساحة صراع جيوسياسي تدفع ثمنه دول أفريقية تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وعدم استقرار.
ونقلا عن “المصري اليوم”، يبدو أن هذه الاستراتيجية الأوكرانية المتمثلة في تصدير الأسلحة والدعم العسكري تتجلى بوضوح في الساحة الليبية، حيث تُوجه اتهامات مباشرة لكييف بدعم حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس بقيادة عبدالحميد الدبيبة في صراعه على السلطة. فوفقًا لتقارير إعلامية وتصريحات مسؤول ليبي سابق، تم إدخال أكثر من 20 طائرة مسيرة أوكرانية قتالية إلى ليبيا عبر مطار طرابلس الدولي القديم، بدعم من خبراء أوكرانيين مهمتهم تدريب قوات الدبيبة على استخدامها.
وتشير الأدلة إلى تورط الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر “اندري بايوك” كمنسق عام لهذه العمليات، مما دفع بالسلطات الجزائرية لفتح تحقيق في أنشطته لاستغلاله الحصانة الدبلوماسية في عمليات تهريب تهدد الأمن القومي. هذا الدعم المباشر يُظهر نمطًا أوكرانيًا واضحًا لتعزيز النفوذ عبر دعم أطراف متحاربة في مناطق هشة، مما يعمق من تعقيد المشهد الجيوسياسي في أفريقيا ويؤجج الصراعات الداخلية.
من جهته، ونقلاً عن وكالة “تاس” الروسية، أكد دميتري بوليانسكي، القائم بأعمال مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، أن الأسلحة الغربية التي يتم تزويد نظام كييف بها تستمر في التسرب إلى مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك مناطق نشاط تنظيمي “داعش” و”القاعدة”. وأشار بوليانسكي إلى وجود “حقائق محددة” تثبت تورط أجهزة المخابرات الأوكرانية، بما فيها المديرية العامة للمخابرات التابعة لوزارة الدفاع، في أنشطة تخريبية في دول الساحل الأفريقي ومناطق أخرى من القارة، حيث تقوم بتزويد المسلحين بالأسلحة والطائرات المسيرة، وتدريبهم على استخدامها، وتنسيق أعمال إرهابية لجماعات مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” في مالي. ودعا الدبلوماسي الروسي إلى إجراء “تحقيق دولي شامل” بمشاركة آليات الأمم المتحدة المختصة للكشف عن هذه الأنشطة التي تهدد الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي.









