المصراتي: المجتمع الدولي يغفل مصالح الليبيين ويدير الأزمة وفق حساباته

اعتبر المحلل السياسي عبد الباسط المصراتي، أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تسعى إلى تسوية سياسية شاملة في ليبيا، بل تدير المشهد عبر حلفائها الإقليميين، وتحديدًا تركيا وإيطاليا، بما يحقق مصالحها الاقتصادية في المقام الأول، دون اكتراث حقيقي بالبعد السيادي أو الاستقرار طويل الأمد.
وفي تصريحات لقناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة24، أشار المصراتي إلى أن الملف الليبي أُدرج ضمن أولويات السياسة الأمريكية منذ عام 2014، حين وضع الكونغرس خطة استراتيجية تركز على استقرار السوق لا استقرار الدولة، وهو ما تُرجم باتفاقيات أمنية واقتصادية وُقعت مع حكومة الوفاق آنذاك، لتصبح واشنطن لاحقًا اللاعب الدولي الأبرز في هذا الملف، مع تمكين تركيا على الأرض كذراع ميدانية.
وأوضح أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن لم تتعامل بجدية مع الوضع الليبي، بل اعتمدت مقاربة سياسية باهتة، بينما تتحرك إدارة دونالد ترامب الحالية بمنطق الصفقات والمصالح، معتبرًا أن واشنطن تنظر إلى ليبيا باعتبارها بقعة غنية بالموارد، وليست دولة ذات عمق استراتيجي يمكن أن تؤثر فعليًا على الأمن الأوروبي أو الأفريقي.
وأضاف المصراتي أن اللقاءات الأخيرة، ومنها زيارة مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، والمباحثات مع حكومة الوحدة المؤقتة، تؤكد أن المقاربات الأمريكية ترتكز على مبدأ الربح الاقتصادي دون رؤية سياسية واضحة. مبيناً أن “الرئيس ترامب ليس سياسيًا ولا عسكريًا، بل رجل أعمال يوجه السياسة الأمريكية بمفاهيم تجارية”.
وفي سياق متصل، اعتبر المصراتي أن المشهد الليبي يُدار حاليًا عبر ما سماه “عصبة الأمم المتحدة”، في إشارة إلى تدخلات دولية تُمارَس عبر غطاء أممي، دون إرادة وطنية حقيقية، مدللاً باتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، والتي أثارت اعتراض مصر في الأمم المتحدة، معتبرًا أن مثل هذه الملفات تُدار خارج الأطر الليبية تمامًا.
وحذر من استمرار ارتهان القرار الليبي للأطراف الأجنبية، قائلاً: “للأسف، لا يزال الساسة الليبيون يعتمدون على الاتفاقيات الخارجية بدلًا من الاحتكام إلى صندوق الاقتراع، وهذا ما يعيق استعادة السيادة الوطنية”.
ورفض المصراتي الطرح القائل أن ليبيا أُدرجت كشريك استراتيجي ضمن تحالفات دولية بقيادة واشنطن وأنقرة وروما، مشددًا على أن هذه الدول تتحرك بدوافع براغماتية محضة، هدفها الأساسي هو تقاسم النفوذ واستغلال الموارد الليبية، وليس دعم ليبيا كفاعل حقيقي في المنطقة.
وقال: “البعض يتحدث عن رؤية تشاركية لهذه الدول، لكن الحقيقة أن هذه القوى لم تتفق يومًا تحت قبة مجلس الأمن على استقرار ليبيا. بل هم من وضعوها تحت طائلة الفصل السابع، ورفضوا تركها تُدير شؤونها بنفسها”.
وأشار إلى أن ليبيا، منذ عام 2011 وحتى الآن، لم تُنجز دستورًا، ولا تزال تفتقر إلى هوية وطنية موحدة، في ظل غياب الإرادة السياسية الوطنية، وهيمنة قوى أجنبية تمرر مصالحها عبر أدوات محلية، على حد تعبيره. معتبراً أن البلاد باتت خارج إطار المنظومة الدولية الفاعلة، وليست ضمن دول العالم الثالث، بل أقل من ذلك. وهي خارج المؤسسة الدولية، إلا في إطار شكلي مثل المؤتمر الإسلامي أو جامعة الدول العربية.
ووجّه المصراتي انتقادًا لاذعًا للطبقة السياسية الليبية، معتبرًا أن القرار الوطني لا يُصاغ من طرابلس أو بنغازي، بل يأتي من نيويورك وواشنطن، أو يُحسم عبر اجتماعات في روما وأنقرة، مشيرا أن زيارات المسؤولين الأجانب، ومن بينهم رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني ومسؤولي وكالة الاستخبارات الأمريكية، تؤكد أن القوى الكبرى تتعامل مع النخب الليبية التي تملك القوة والنفوذ، دون أي اعتبار لما تريده القاعدة الشعبية التي تتطلع إلى الاستقرار والانتخابات.
وأكد المصراتي أن التحركات الإيطالية في الملف الليبي لا تهدف إلى دعم توافق حقيقي أو خلق بيئة استثمارية مستقرة، وإنما تسعى إلى تثبيت نفوذ حكومة جورجيا ميلوني عبر ملفات حساسة مثل الهجرة والطاقة، من خلال استثمار الموقع الجغرافي والفراغ السيادي الذي تعيشه ليبيا.
وشدد المحلل السياسي على أن روما لا تتحرك بدوافع تنموية أو استراتيجية حقيقية نحو دعم ليبيا، بل تعمل على تعزيز مصالحها الذاتية، مشيرًا إلى أن “ملف الهجرة غير الشرعية” ليس إلا غطاءً لامتداد سياسات توسعية فيما أسماه “المياه الدافئة” للمتوسط.
وانتقد ما وصفه بـ “احتكار القوة” من قبل الأطراف الإقليمية والدولية، معتبرًا أن الفاعل الحقيقي في السياسة الدولية ليس من يمتلك النفوذ فقط، بل من يحتكر أدوات الدولة ومؤسساتها، وهو ما تفتقده ليبيا اليوم، على حد قوله.
وقال: “ليبيا أصبحت ضحية تصدير الفوضى من الخارج، ولم نلمس تحركًا جادًا من المجتمع الدولي لاستقرارها، رغم عشرات المبعوثين والمنظمات الدولية”.
كما أكد أن المجتمع الدولي قادر على فرض الاستقرار إذا توفرت الإرادة السياسية، خاصة وأن ليبيا لا تزال خاضعة تحت الفصل السابع، في الوقت الذي تقوم فيه اللعبة على تقاسم النفوذ وفق مصالح اقتصادية، بل وحتى شخصية ضيقة أحيانًا.
وختم المصراتي بالإشارة إلى أن القيادة السياسية الليبية الحالية تفتقر إلى الشرعية الشعبية، كونها جاءت بتوافقات دولية لا عبر صناديق الانتخابات، مشددًا على أن غياب الرؤية الوطنية وانعدام الإرادة الداخلية جعل البلاد تتخبط في مسارات لا تعبّر عن تطلعات الشعب الليبي.









