اخبار مميزةليبيا

المرداس: مشروع القيادة العامة تحول لرؤية وطنية جامعة

قال الدبلوماسي والسفير السابق محمد المرداس إن الاتهامات التي وجهتها روسيا إلى رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة بشأن التعاون العسكري مع أوكرانيا ليست وليدة اللحظة، بل جاءت امتداداً لمؤشرات سابقة تتعلق بعلاقات متنامية بين حكومة الدبيبة والجانب الأوكراني، شملت ملفات استخباراتية وعسكرية وحتى تدخلات غير مباشرة في أزمات إقليمية مثل أذربيجان.

وأوضح المرداس، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة 24” أن هذا التعاون يُعد – من وجهة نظر موسكو – مساساً بمصالحها في المنطقة، خاصة بعد تراجع النفوذ الفرنسي في دول الساحل والصحراء الكبرى، وما تبعه من تبدل في موازين القوى مع توسع الوجود الروسي هناك عبر مجموعات “الفيلق الروسي” أو القوات المتحالفة معها.

وأضاف أن موسكو ترى في حكومة الدبيبة مدخلاً لبعض دول الاتحاد الأوروبي لتوسيع دائرة الصراع خارج أوكرانيا، ومحاولة إرباك التحركات الروسية في أفريقيا، لا سيما في دول مثل بوركينا فاسو ومالي والنيجر، حيث يشهد النفوذ الروسي تصاعداً ملحوظاً.

وبيّن المرداس أن الدبيبة يحاول استثمار الموقف الروسي الأخير لصالحه، من خلال إظهار نفسه كحليف موثوق للغرب والولايات المتحدة في المنطقة، وكخصم سياسي للمشروع الروسي في أفريقيا. مبيناً إن الدبيبة يسعى لتوظيف هذا التوجه في حشد الدعم الدولي لحكومته وتعزيز موقعه السياسي داخلياً.

وأشار الدبلوماسي السابق إلى أن الخطوة تحمل وجهين: الأول دولي، يتمثل في مسعى الدبيبة لكسب رضا الاتحاد الأوروبي والقوى الغربية عبر الانخراط في التعاون مع أوكرانيا، والثاني محلي، يتمثل في سعيه إلى حشد قواته وتعزيز موقفه العسكري، خصوصاً في ظل إدراكه لطبيعة العلاقة المتميزة بين القيادة العامة للجيش الليبي وروسيا.

وأضاف المرداس أن هناك رحلات جوية مسجلة بين ليبيا وأوكرانيا خلال الفترة الماضية، يُعتقد أنها كانت مخصصة لنقل معدات عسكرية من بينها طائرات مسيّرة وصواريخ مضادة للدروع، ما يُعد – بحسب قوله – تجاوزاً لحظر التسليح المفروض من الأمم المتحدة على ليبيا.

ولفت المرداس إلى أن الدبيبة يسعى من خلال هذا التعاون إلى الحصول على التكنولوجيا والمعدات العسكرية الحديثة لتعزيز قدراته الميدانية، مستغلاً حالة الانهيار التي تمر بها أوكرانيا واعتمادها الكبير على الدعم الأوروبي والأمريكي، ما يتيح له هامشاً للتحرك في سوق السلاح الدولي بطرق غير مباشرة.

ورأى المرداس أن الدبيبة يحاول تعزيز موقعه السياسي عبر تحركات خارجية ونسج تحالفات عسكرية مثيرة للجدل، من بينها محاولات تقارب مع أطراف أوكرانية، في خطوة اعتبرها المرداس “محاولة للبقاء في المشهد بأي ثمن”.

وأضاف المرداس أن الدبيبة يعيش حالة من الفتور السياسي ويحاول تعويض تآكل نفوذه عبر التسلح وبناء قدرات عسكرية خاصة”، مشيراً إلى أن الحكومة الأوكرانية تحولت بفعل الحرب إلى بيئة تهيمن عليها المليشيات والمافيا، حيث تباع الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية وحتى التقنيات العسكرية في السوق السوداء.

واعتبر أن الدبيبة ربما يسعى للحصول على تقنيات طائرات مسيّرة هجومية صغيرة لتوظيفها في ليبيا، مضيفاً أن هذه التحركات تُظهر محاولة يائسة لإقناع الغرب بأنه رجلهم في شمال إفريقيا، في وقت تواجه فيه كييف اتهامات متصاعدة بالفساد وسوء إدارة الأموال.

وأوضح المرداس أن رئيس الحكومة محاصر سياسياً وجغرافياً داخل طرابلس، ولا يملك حرية التحرك أو القدرة على التأثير خارج نطاقها، مشيراً إلى أن الربع الأول من العام المقبل سيكون الدبيبة خارج السلطة سواء بحوار سياسي، أو غيره من التدابير السياسية التي ستنهي فترة حكومته أو سيظل موجوداً من غير اعتراف دولي.

وبين المرداس أن موسكو لن تتهاون مع أي تحالفات عسكرية مشبوهة تمس مصالحها في ليبيا، محذراً من أن استمرار الدبيبة في هذا النهج دون معالجة سياسية متوازنة قد يؤدي إلى تصعيد كبير في الموقف الروسي ضده.

من جهة ثانية قال المرداس إن مشروع القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية أصبح اليوم يمثل المشروع الوطني الجامع، مشيراً إلى أن رؤية المشير خليفة حفتر في لقائه الأخير مع القبائل حملت رسائل سلام واضحة ودعوة جادة للقاء “ليبي – ليبي”، تعكس استعداد القيادة العامة لفتح صفحة جديدة من المصالحة الوطنية.

وأضاف المرداس أن القيادة العامة أظهرت تماسكا وثباتاً في وقت انهارت فيه معظم مؤسسات الدولة الأخرى التي غرقت في الخلافات والفساد وسوء الإدارة، مؤكداً أن هذا التماسك جعل المؤسسة العسكرية تحظى بثقة متزايدة لدى الليبيين.

وأشار إلى أن المنطقة الغربية تشهد تحولاً جذرياً في الرأي العام تجاه المؤسسة العسكرية، حيث يرى المواطنون اليوم أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على إعادة الاستقرار، مضيفاً أن المؤسسة باتت تمتلك رؤية واضحة للمستقبل تمتد حتى عام 2030، تشمل مشاريع للإعمار والسلام وعودة المهجرين إلى مناطقهم في بنغازي وغيرها.

وأوضح المرداس أن القيادة العامة تتحرك بهدوء وتعمل على الأرض من خلال مشاريع تنموية ملموسة، ما جعل شعبيتها تتضاعف خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن الخطاب المعادي للجيش الذي كانت تروّج له بعض وسائل الإعلام المحسوبة على جماعة الإخوان قد تلاشى، بعدما أدرك الشارع الليبي أن تلك الشعارات حول عسكرة الدولة كانت مجرد دعاية سياسية فقدت تأثيرها.

وأكد أن العديد من المعارضين السابقين في الغرب الليبي بدأوا اليوم يبدون استعدادهم للتقارب مع المؤسسة العسكرية، بعدما أصبحت أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه في المشهد السياسي.

ورأى المرداس أن نجاح القيادة العامة في كسب الرأي العام الغربي يعكس وعياً جديداً في الشارع الليبي، الذي بات يرى في الجيش رمزاً للاستقرار والانضباط والقدرة على حماية الدولة من الانهيار الكامل. كما أن القيادة العامة لا تبحث عن الصدام أو المواجهة مع الأطراف غير المنضبطة في المنطقة الغربية، مشيرًا إلى أن المؤسسة العسكرية تفضّل أن تبقى على مسافة واحدة من الجميع، وتوجه دعوتها للالتحاق بالمشروع الوطني الجامع، باعتباره مشروع كل الليبيين لا مشروع منطقة أو إقليم أو حزب.

وبين المرداس أن القيادة العامة، لا تحتاج إلى الدخول في مغامرات عسكرية جديدة قد تُربك استقرار المؤسسة الممتدة من حدود الجزائر إلى حدود مصر، مؤكدًا أن الخطاب الحالي للقيادة يركّز على الوحدة الوطنية ودعوة المجموعات المسلحة غير “المؤدلجة” للانخراط في مسار وطني منضبط.

وفي المقابل، اعتبر المرداس أن حكومة عبد الحميد الدبيبة تسعى لصناعة الأزمات والحروب بهدف إطالة بقائها في السلطة، مشيرًا إلى أن الدبيبة حوّل بعض المجموعات إلى أدوات لخدمة أجندته السياسية، وصنع عبرها خندقين متصارعين: الأول يدافع عن مصالحه المادية، والثاني يتغطّى بعباءة دينية تقودها شخصيات مثل المفتي الصادق الغرياني.

وأضاف أن ما جرى مؤخرًا من “رحلات بحرية” لبعض العناصر إلى إسرائيل، وما تبعها من محاولات إعلامية لتلميع شخصيات بعينها، ما هو إلا مسرحية تهدف إلى صناعة أبطال وهميين لتثبيت موقع الدبيبة وإعادة تدوير رموز فقدت مصداقيتها.

وأكد أن القيادة العامة، على عكس خصومها، «نجحت في تجديد دمائها وطرح قيادات شابة وفعالة مثل الفريق أول صدام حفتر، والفريق أول خالد حفتر، اللذين يمثلان نموذجًا للانضباط والفاعلية، ما جعل المؤسسة تحافظ على قوتها وثقتها المتزايدة لدى الشارع الليبي.

وختم المرداس بالقول إن «الفرق اليوم واضح بين مشروع وطني يسعى للسلام والوحدة، وآخر غارق في الفساد والانقسام وصناعة الوهم الإعلامي، مشددًا على أن القيادة العامة أصبحت تمثل الإطار الأكثر واقعية لإنقاذ الدولة الليبية من الفوضى والانهيار.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى