الفيتوري يطالب المركزي بتثبيت سعر الصرف لـ 5 سنوات لطمأنة السوق

حذّر أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور عطية الفيتوري، من التداعيات الاقتصادية لاستمرار المضاربة على الدينار الليبي، معتبرًا أن غياب الشفافية ووضوح السياسات من قبل مصرف ليبيا المركزي ساهم في اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات المالية، مطالبًا بإجراءات عاجلة لضبط السوق وتثبيت سعر صرف العملة المحلية.
وقال الفيتوري، في مقابلة مع قناة “الوسط”، رصدته صحفية الساعة 24، معلقاَ على بيان مصرف ليبيا المركزي، إن وجود نحو 10 مليارات دينار مجهولة المصدر من إجمالي 47 مليار دينار جرى سحبها من السوق، متابعاً: إن هذه الأموال تتوزع بواقع 6.5 مليار من فئة العشرين دينارًا و3.5 مليار من فئة الخمسين دينارًا، دون توضيح ما إذا كانت هذه الأوراق مزورة أم لا.
وأوضح أن هذه الكتلة لا تمثل سوى 10 إلى 11% من إجمالي العملة المصدرة، ولا تتعدى 5% من المعروض النقدي، مؤكدًا أن الحديث عن تأثيرها الكبير على قيمة الدينار غير دقيق، وأن السبب الحقيقي لانخفاض قيمة العملة يعود إلى المضاربة والخلل في ثقة المواطنين بالمصرف المركزي.
وانتقد الفيتوري ما وصفه بفشل المصرف المركزي في استعادة ثقة المودعين وإقناعهم بإعادة تدوير أموالهم داخل الجهاز المصرفي، معتبرًا أن هذا القصور ساهم في زيادة الإقبال على المضاربة ضد الدينار، في ظل غياب إجراءات واضحة لمعالجة مشكلة السيولة أو طمأنة السوق حول مستقبل سعر الصرف.
وأشار إلى أن المركزي لم يصدر أي بيان يؤكد فيه تثبيت قيمة الدينار خلال فترة محددة، ما يفتح الباب أمام الإشاعات والتكهنات.
واستطرد: “المفروض أن المصرف المركزي يخرج ببيان رسمي يقول فيه إن سعر صرف الدينار الليبي سيكون ثابتًا لمدة خمس سنوات، لكن هذا لم يحدث، ما يخلق جوًا من القلق لدى المواطنين والمستثمرين”.
وحول إعلان المركزي التعاقد على طباعة 60 مليار دينار لتعويض الفاقد من العملة القديمة، قلّل الفيتوري من المخاوف المتعلقة بالتضخم، مؤكدًا أن هذه الأموال ليست إضافة جديدة، بل بديلاً لما كان متداولًا. موضحاً أن التضخم الحقيقي ناجم عن تراجع عرض السلع في السوق، وضعف الثقة في قيمة الدينار، والمضاربات المتكررة، وليس من الكتلة النقدية وحدها.
ورأى الفيتوري، أن البلاد بحاجة إلى ضخ هذه الأموال في أسرع وقت لتغطية النقص في السيولة. مشيرا إلى أنه لا تزال هناك طوابير طويلة أمام المصارف، وبعضها أُجبر على الإغلاق بسبب نفاد السيولة خلال يومين فقط.
وفي سياق آخر، أشاد الفيتوري بخطوة المركزي بإصدار شهادات إيداع مضاربة بقيمة تصل إلى 15 مليار دينار قبل نهاية أكتوبر المقبل، واصفًا هذه الخطوة بأنها إجراء سليم لتشجيع المواطنين على الاحتفاظ بأموالهم بالدينار بدلاً من تحويلها إلى عملات أجنبية. مبيناً أن الشهادات تقدم عائدًا مجزيًا بنسبة إجمالية تبلغ 7.5%، تتوزع بواقع 1% للمصارف و6.5% للمودعين.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تستهدف بشكل أساسي أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، حيث يبلغ الحد الأدنى لقيمة الشهادة الواحدة 10 آلاف دينار.
وشدد الفيتوري على ضرورة الحفاظ على استقرار سعر الصرف، محذرًا من التوجه نحو تعويم الدينار الليبي. قبل الدعوة مجددًا إلى إصلاح السياسات النقدية، وتعزيز الشفافية، وتأكيد التزام المصرف المركزي بالحفاظ على قيمة الدينار الليبي كخطوة أولى نحو استعادة الثقة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي في البلاد.
ورأى أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، إن استعادة ثقة الشارع الليبي في الدينار لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن حلّ الأزمة السياسية وتوحيد مؤسسات الدولة، معتبرًا أن وجود حكومتين ومجالس مزدوجة ساهم بشكل مباشر في تفاقم الوضع الاقتصادي وفقدان الثقة بالعملة الوطنية.
وأكد الفيتوري، أن الاستقرار السياسي شرط أساسي لأي إصلاح اقتصادي حقيقي، مضيفًا: “لا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية في ظل الانقسام السياسي القائم.. الاقتصاد يعتمد على السياسة، ولا بد من أن يكون هناك توافق واستقرار سياسي حتى نتمكن من العمل على إنقاذ الاقتصاد الليبي”.
كما شدد على أن مصرف ليبيا المركزي مطالب بدور محوري في هذه المرحلة، عبر تنفيذ إجراءات نقدية واضحة وإطلاق رسائل طمأنة حقيقية، وبالتالي على المصرف أن يؤكد للناس استقرار الدينار، وأنه لن يتم تغيير سعر الصرف خلال المرحلة القادمة، مع ضرورة عقد لقاءات دورية مع الغرف التجارية والتجار الكبار لإقناعهم بإيداع أموالهم في المصارف،
وأردف الفيتوري: عملية بناء الثقة لا يمكن أن تحدث بين يوم وليلة، لكنها تبدأ بخطوات عملية لتشجيع أصحاب رؤوس الأموال، ومن ثم المواطنين، على العودة إلى التعامل مع الجهاز المصرفي.
وحذر الفيتوري من خطر “اقتصاد الظل”، معتبرًا أنه مرتبط بدرجة كبيرة بظاهرة الفساد المنتشر على نطاق واسع، وهو ما يعوق كل محاولات الإصلاح الاقتصادي.
وقال: “الفساد في ليبيا غير عادي. نحن من بين أكثر عشر دول فسادًا في العالم. لذلك على الدولة، بما فيها المصرف المركزي والحكومة، أن تعمل على تقليص هذه الظاهرة إلى الحد الأدنى الممكن”.
وأشار إلى أن الفساد، ورغم وجوده بنسب متفاوتة في جميع دول العالم، إلا أن مستوياته في ليبيا تؤثر بشكل مباشر على كفاءة السياسات الاقتصادية وعلى أداء المؤسسات، وبالتالي يجب أن يكون جزءًا من أجندة الإصلاح.
وانتقد الفيتوري بشدة عدم دقة البيانات الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي، مشيرًا إلى أن أحدث نشرة اقتصادية صدرت عن المركزي تضمنت أخطاء واضحة فيما يخص حجم العملة المصدرة، والدين العام، والمعروض النقدي.
وأكد أن وضوح البيانات هو أحد مفاتيح استعادة الثقة، سواء من قبل المستثمرين أو المواطنين، لأن الاقتصاد لا يقوم على التخمين، بل على الحقائق والمعطيات الدقيقة.









