الدينالي: المصرف المركزي أصبح أداة ابتزاز سياسي

حمّل المحلل السياسي، سعد الدينالي، الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا، المسؤولية المباشرة عن فقدان المصرف المركزي السيطرة على عشرات المليارات، من بينها عشرة مليارات دينار خارج الإطار الرسمي، واصفًا ما يحدث بأنه انعكاس لانهيار رقابة الدولة على المال العام وتنامي سلطة موازية تُسيّره.
وقال الدينالي، في مقابلة مع قناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة24، إن جذور الأزمة الحالية ليست اقتصادية بحتة، بل سياسية في المقام الأول، مشيرًا إلى أن الانقسام بين المؤسسات السيادية هو السبب الحقيقي وراء الانفلات الحاصل في إدارة الأموال الليبية، مبيناً أن المشكلة بدأت منذ إغلاق منظومة المقاصة ومحاولة خنق منطقة برقة ماليًا، ما دفع السلطات هناك للجوء إلى حلول بديلة، كطباعة الأموال وخلق مسارات مالية موازية لتفادي الضغط الاقتصادي على المواطن.
واعتبر الدينالي، أن غياب الضوابط القانونية والإطار الدستوري الناظم للمالية العامة ساهم بشكل كبير فيما وصفه بالانفلات المالي، مؤكدًا أن الواقع الحالي يصعّب من عملية مراقبة النقد وتتبعه، ويجعل من ضبط الإنفاق أمرًا شبه مستحيل.
وحسب الدينالي فإن الحل الجذري لكل هذه التداعيات هو توحيد المؤسسات ودمجها، وإعادة تنظيم الهيكل الإداري للدولة بما يسمح بضبط آليات طباعة وتوزيع الأموال، ومعرفة مصادرها ومصارفها، مؤكدا أن استمرار الانقسام سيستمر في إنتاج تداعيات سلبية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ودعا المحلل السياسي، إلى تجاوز هذه المرحلة الحرجة من خلال إصلاح شامل يبدأ بتوحيد القرار السيادي والمؤسساتي، بما يحفظ الاقتصاد الوطني من الانهيار ويعيد للدولة قدرتها على التحكم في مواردها المالية. مؤكدًا أن طباعة الأموال خارج الأطر الرسمية لم تكن خيارًا، بل ضرورة فرضها واقع اقتصادي خانق وسياسات تجويع ممنهجة مورست ضد مناطق الشرق الليبي، لا سيما برقة وجزء من فزان.
وأعرب الدينالي عن دعمه الكامل لفتح تحقيق شفاف ومباشر لكشف مصدر العشرة مليارات دينار المطبوعة خارج القنوات الرسمية، ومعرفة أوجه صرفها، لكنه شدد في الوقت ذاته على عدم تحميل المسؤولية لمن لجأ إلى الطباعة كخيار أخير، لأنه لا يمكن محاسبة من حاول إنقاذ مناطق شاسعة كانت تمر بأزمة نقدية خانقة نتيجة لحصار اقتصادي، بل المسؤولية تقع على من دفع هذه الأطراف إلى الزاوية وأجبرها على اللجوء إلى هذا المسار.
وعند سؤاله عن قرار طباعة 60 مليار دينار جديدة، أوضح الدينالي أن البلاد تتجه اليوم نحو إصلاح هيكلي اقتصادي شامل، يشمل إعادة تشكيل النظام الاقتصادي ومحاولة توحيد المؤسسات المالية والإدارية، بما يعزز القدرة على مواجهة الأزمات ويمنع تكرار التجاوزات السابقة، وقال “نحن أمام محاولة لإعادة هيكلة الجسم الاقتصادي في ليبيا بشكل جديد، وإيجاد حلول سياسية واقتصادية تمنع تكرار الطباعة خارج الأطر الرسمية، وهذا يتطلب مؤسسات موحدة، قوية، قادرة على إدارة الأزمات بفعالية.”
وحذّر الدينالي من تداعيات استخدام ملف النقد كورقة سياسية في الصراع الدائر بين الأطراف الليبية، معتبرًا أن تسييس المصرف المركزي وتحويله إلى أداة ابتزاز سياسي ساهم في انهيار الثقة العامة، ليس فقط في الورقة النقدية، بل في الدولة ككل، معتبرا أن فقدان المواطن الثقة في الورقة النقدية ذاتها بات أمرًا واقعًا، بسبب غياب مصدر موحد لها، وتعدد جهات الإصدار، وافتقار المصرف المركزي إلى التماسك المؤسسي.
وأشار الدينالي إلى أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من جذور أزمة الثقة، والتي وصفها بأنها متجذّرة في ضعف هيكل الدولة وغياب العدالة في توزيع السلطة والثروة. مؤكدا أنه لا يمكن إعادة الثقة في ظل استمرار المركزية المطلقة، فالمواطن الذي يشعر أن مصيره مرهون بأول خلاف سياسي لن يثق في الدولة، ولا في مؤسساتها، بحسب تعبيره.
وتابع: بناء الثقة يتطلب إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، تضمن التوازن بين المناطق، وتبني مؤسسات قوية، موحدة، قادرة على إدارة الشأن العام بعيدًا عن التوظيف السياسي والجهوي.
وعند سؤاله عن استخدام النقد كسلاح سياسي، أكد الدينالي أن هذا السلوك مستمر منذ سنوات، حيث يتم توظيف السياسات النقدية والمالية كأدوات ضغط ضد الخصوم، معتبرا أن المصرف المركزي تحوّل إلى أداة ابتزاز سياسي، وتمت ممارسات خنق مالي ضد مناطق واسعة من البلاد، وهو ما أجبرها على اللجوء لحلول استثنائية كطباعة الأموال، بحد تعبيره.
ونوه بأن الحل الجذري يكمن في الإصلاح الهيكلي الشامل للمؤسسات الليبية، وتحييد الملف الاقتصادي والنقدي عن الصراع السياسي، مع بناء جسور ثقة حقيقية بين الدولة والمواطن، تبدأ بتوزيع عادل للسلطة وتوحيد المؤسسات السيادية.









