القماطي: 85% من السيولة خارج المصارف والسياسات الحالية لا تحل الأزمة

أكد رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور حلمي القماطي، أن عملية سحب بعض الإصدارات النقدية من السوق الليبي لم تحقق التأثير المطلوب على الواقع الاقتصادي، مشيراً إلى أن السيولة الحقيقية لا تزال تتركز خارج القطاع المصرفي بنسبة تتجاوز 85%.
وأوضح القماطي، في مداخلة لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن المصرف المركزي قام بسحب عملة فئة الخمسين ديناراً “الإصدار الأول والثاني”، وفئة العشرين ديناراً “الإصدار الأول والثاني”، إضافة إلى فئة الخمسة دنانير “الإصدار السادس والسابع”، بهدف تخفيف الضغط على المواطنين وتحسين توفر السيولة داخل المصارف. إلا أن هذه الخطوة لم تحقق الأثر المنتظر، إذ لم تتجاوز نسبة النقد المتداول داخل المصارف 15%، ما جعل العملية تبدو وكأنها مجرد استبدال شكلي للعملات دون تأثير حقيقي على السوق.
وأشار القماطي إلى أن العملة الجديدة من فئة العشرين ظهرت في السوق من خلال “صندوق العملات في سوق المشير بطرابلس” دون تداول فعلي، ما يثير تساؤلات حول آلية توزيعها. وأوضح أن المصرف المركزي وزع مبلغاً قدره 1.9 مليار دينار على المصارف، إلا أن هذه الكمية كانت ضئيلة مقارنة بحجم الطلب، خاصة مع استمرار أزمة السيولة وانقطاعات منظومة “راتبك” الإلكترونية، مما أدى إلى تنفيذ معاملات يدوياً وتأخر صرف المرتبات حتى منتصف الشهر.
ولفت القماطي إلى أن الظروف الأمنية والسياسية منذ عام 2014، بما فيها إغلاق المقاصة بين الشرق والغرب بسبب هجمات جماعات وصفها بالإرهابية مدعومة سياسياً، أثرت على السياسة النقدية.
وأكد أن قرار طباعة العملة في روسيا آنذاك كان شرعياً وضرورياً لتغطية الفجوة النقدية، ووافق عليه محافظ المصرف حينها، الأستاذ علي الحبري.
وتطرق القماطي إلى غياب الثقة بين المواطن والنظام المصرفي، مؤكداً أن السيولة المتداولة خارج القطاع المصرفي تمثل 85% من النقد، ما يجعل أي سياسات قصيرة الأجل غير فعّالة. وانتقد ما وصفه بـ “التخبط في التصريحات الرسمية”، مشيراً إلى أن إحدى المصارف التجارية التي تخضع لسلطة المركزي قامت بشراء العملة من السوق، مما ساهم في رفع الأسعار، متسائلاً: “كيف يمكن لمصرف تجاري تحت سلطة المركزي أن يضارب في العملة؟ وأين الرقابة؟”
كما أشار إلى أن تعدد أسعار صرف الدولار بين الرسمي والموازي وسعر الحرق يعكس حالة من الفوضى الاقتصادية ويجعل من المستحيل الوثوق بالنظام المالي الحالي. وذكر أن إجمالي الإيرادات العامة بلغ نحو 94.6 مليار دينار، منها 79.4 مليار من مبيعات النفط و13.4 مليار من الإتاوات النفطية، فيما لم تتجاوز الإيرادات الضريبية مليار دينار، مؤكداً أن ذلك يعكس ضعفاً هيكلياً في النظام الضريبي والسياسات المالية.
ولفت القماطي إلى أن الإنفاق العام بلغ 86 مليار دينار، منها 51 مليار للمرتبات و4 مليارات للمصروفات التسييرية، مقابل 1.7 مليار فقط للتنمية، وهو ما وصفه بـ “كارثة تنموية” التي تعكس غياب الرؤية المستقبلية.
أما بالنسبة للنقد الأجنبي، فأوضح أن الإيرادات النفطية والإتاوات بلغت 17.7 مليار دولار مقابل استخدامات وصلت إلى 23.7 مليار دولار، ما نتج عنه عجز 6 مليارات دولار تمت تغطيته عبر السحب من الصندوق السيادي والودائع والسندات والذهب، وهو نهج وصفه بـ”غير مستدام”.
وأشار القماطي إلى أن استمرار الإنفاق المفرط على الأجسام السياسية، بما فيها مجلس النواب والمجلس الرئاسي ولجنة الدستور، وغياب الرقابة المالية الصارمة، يعمّق الأزمة الاقتصادية ويؤدي إلى ارتفاع التضخم. كما حذر من أن العجز في سوق النقد الأجنبي رغم الاحتياطات الكبيرة قد يكون نتيجة نشاط السوق الموازية أو عمليات تحويل خارجية مشبوهة، محذراً من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى ارتفاع التضخم لمستويات غير مسبوقة.
وفي السياق ذاته، اعتبر القماطي أن السياسات والإصلاحات التي ينتهجها المصرف المركزي تفتقر إلى الرؤية طويلة الأمد، وتعتمد على حلول مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة. وأوضح أن الأزمة الليبية ليست مجرد أزمة سيولة، بل خلل هيكلي عميق في الاقتصاد والنقد، معتمدًا على النفط كمصدر دخل رئيسي بنسبة أكثر من 92%، بينما الإنفاق على التنمية محدود للغاية.
وأكد القماطي أن أي نقاش حول الفروقات بين الكميات النقدية المطبوعة والمتداولة يجب أن يكون مبنياً على الأرقام والمستندات الرسمية، محذراً من تحميل الملف طابعاً سياسياً، ومشدداً على ضرورة تطبيق رقابة فعلية على العمليات المصرفية، لضمان شفافية التداول واستعادة الثقة بين المواطن والنظام المالي.









