العبود: الأزمة الليبية تجاوزت قدرة الأمم المتحدة.. والمطلوب مقاربة جديدة وشاملة

أكد أستاذ العلوم السياسية، أحمد العبود، أن الأزمة السياسية دخلت مرحلة من التعقيد تفوق قدرة البعثة الأممية على معالجتها بالأساليب التقليدية المتبعة منذ سنوات، مشدداً على ضرورة تبني مقاربة عمل جديدة للأمم المتحدة في ليبيا.
واعتبر العبود في حديث لتلفزيون “المسار” والذي رصدته الساعة24، أن احاطة المبعوثة الأممية، “هانا تيتيه”، الأخيرة أمام مجلس الأمن، وما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تعكس حالة تعثّر واضحة في مسار التسوية السياسية، نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية هي: الصعوبات المحلية التي تعرقل أي تقدم ملموس، التدخلات السلبية الإقليمية والدولية، بجانب غياب العمل المشترك والفعّال داخل مجلس الأمن بشأن الملف الليبي.
وانتقد ما وصفه بـ “التركيز على العموميات”، مشيراً إلى أن الأمين العام لم يتطرق بوضوح إلى الاختلالات البنيوية داخل البعثة نفسها، حيث أصبحت البعثة جزءًا من حالة الجمود السياسي، مشيرا إلى وجود مسارين متوازيين يربكان جهود الحل هما: المسار الرسمي الذي ترعاه البعثة الأممية، ومسار موازٍ تقوده الدبلوماسية الأمريكية عبر مبعوثها الخاص مسعد بولس، ومساعديه، مؤكداً أن هذا الازدواج في المقاربات أضعف فاعلية الجهود الأممية وأفقد العملية السياسية بوصلتها.
وأوضح العبود أن حالة الفوضى الأمنية في طرابلس مستمرة منذ توقيع اتفاق الصخيرات وحتى اليوم، متهماً البعثة الأممية بتضييع فرصة تاريخية لاستثمار رفض الشعب للميليشيات، وعدم تفعيل الترتيبات الأمنية التي كان من شأنها تفكيك التشكيلات المسلحة وإخراجها من العاصمة.
وأكد أستاذ العلوم السياسية، أن التباطؤ في معالجة الملفات الأساسية، وعلى رأسها المناصب السيادية، يعود جزئياً إلى تعطيل أممي غير مباشر لمسار اتفاق بوزنيقة، ما زاد من حالة الانسداد السياسي بين مجلسي النواب والدولة، منبها إلى أن الأزمة باتت تتطلب مقاربة أممية جديدة وشاملة تتناسب مع طبيعتها المركبة والمعقدة، وليس مجرد إدارة للأزمة أو تدويرها.
كما انتقد طريقة إدارة البعثة الأممية لملف الأزمة الليبية، معتبراً أن أحد أبرز أسباب تعثر مسارات التسوية يتمثل في غياب التراكم المعرفي وعدم البناء على خبرات المبعوثين السابقين، ما أدى إلى تكرار الإخفاقات منذ توقيع اتفاق الصخيرات وحتى اليوم، مضيفاً أن تقرير الأمين العام لم يصف هذا الواقع بالفشل بشكل صريح، واكتفى بلغة “مواءمة وتلطيف”، رغم وجود خلل بنيوي عميق في عمل البعثة، حسب تعبيره.
ورأى العبود أن البعثة الأممية لا تتعامل بعدالة مع جميع الأطراف، مستشهداً بالتعامل مع حكومة منتهية الولاية مثل حكومة عبد الحميد الدبيبة، مقابل تهميش أطراف أخرى، واعتبر هذا انحيازاً واضحاً، ومشيراً إلى تجاهل مخرجات قانونية وسياسية محلية، مثل مخرجات بوزنيقة التي تم التغاضي عنها رغم ارتباطها بالمادة 15 من الاتفاق السياسي.
وحسب العبود فإن البعثة الأممية، أصبحت أقرب إلى فاعل يطفئ الحرائق وليس طرفاً يقود تسوية عادلة، مع غياب الاستمرارية في عمل المبعوثة، التي تغيرت احاطاتها في الجداول الزمنية وأولويات الملفات، ما يدل على غياب التراكم والاستفادة من التجارب السابقة، حسب رأيه.
وشدد العبود على أن الأمين العام للأمم المتحدة، هو أول من يوجه أصابع الاتهام للبعثة نفسها، مطالباً بتغيير نموذجها التفاوضي، ما يعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن المقاربة الأممية التقليدية لم تعد صالحة لمعالجة أزمة معقدة مثل الأزمة الليبية.
ورأى العبود، أن الطرح الأخير للمبعوثة الأممية، حول الحوار المهيكل يعكس ارتباكًا واضحًا في خارطة الطريق الأممية، خاصة في ظل غياب أدوات ضغط فعّالة بسبب الانقسامات الدولية داخل مجلس الأمن، مبيناً أن المهلة الزمنية التي حددتها البعثة على وشك الانقضاء دون تحقيق أي تقدم ملموس، وأن التلويح بالعقوبات لا يدل على نية جادة للتنفيذ، بالاستناد في ذلك إلى تجارب سابقة أظهرت فشل هذه الورقة، كما أشار إلى تحولات جوهرية في الخطة الأممية، من حوار مؤسسي إلى حوار مهيكل يتناول قضايا جديدة مثل تشكيل الحكومة، وإعادة هيكلة المفوضية العليا للانتخابات، والإطار القانوني، والإعلان الدستوري الرابع عشر، مع تأجيل قضية الحكومة إلى الحوار المهيكل.
وحذر أستاذ العلوم السياسية، من صعوبة تمرير أي عقوبات بسبب الانقسامات الدولية، لافتاً إلى أن المبعوثة الأممية، لم تحصل إلا على بيان غير ملزم، كما نبه إلى احتمال ظهور مسارات موازية خارج إطار الأمم المتحدة، وهو ما قد يضعف موقع البعثة.
وانتقد العبود ما صدر عن مجلس الدولة، واصفاً ذلك بـ “محاولة متعمدة لنسف مخرجات المسار السياسي وإطالة أمد الأزمة، موضحاً أن كتلة مرتبطة برئيس حكومة الوحدة المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، تسعى لتعطيل التوافق السياسي عبر إعادة تشكيل لجنة 6+6، وإثارة الجدل حول شروط الترشح والجنسية والعسكريين، متجاهلة كل ما تحقق خلال الفترة الماضية.
واعتبر أن توقيع 70 عضوًا من مجلس النواب على بيان مشترك يمثل رسالة واضحة لبعثة الأمم المتحدة، بأن هناك تياراً يريد تأجيل الاستحقاقات السياسية، وعلى رأسها تشكيل حكومة موحدة تؤدي إلى انتخابات رئاسية وتشريعية، منتقدا اعتراف البعثة السريع بانتخاب محمد تكالة، رغم وجود طعون، واصفاً ذلك بأنه يخدم التيار المعطل المرتبط بالدبيبة، لافتاً إلى أن إعلان الدبيبة عن تعديل حكومي في أكتوبر الجاري، يعدّ مؤشراً على رغبة هذا التيار في إطالة أمد الأزمة، وعرقلة التوافق السياسي الحقيقي.
ووفقا للعبود فإن حالة الجمود قد تدفع إلى بروز مسار ثالث يقوم على حوار وطني ليبي– ليبي، بعيداً عن التدخلات الدولية، مشيراً إلى دعم القيادة العامة للجيش لأي حوار جامع يقود إلى استقرار.
كما وصف العبود، الدبلوماسية الأمريكية بأنها تسير بخطوات مدروسة تعتمد على تراكم النجاحات، مثل توحيد المصرف المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، مشيراً إلى مناورات أمنية مشتركة بين القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا (الأفريكوم) والجيش الليبي في الشرق، مع تكامل أمني تدريجي بين مؤسسات الجيش في شرق وغرب البلاد، مضيفا أن واشنطن تعتمد سياسة الخطوة بالخطوة لتقييم الإنجازات وضمان استمرار التقدم، وتسعى لاختصار الطريق نحو تجديد الشرعيات عبر الانتخابات التشريعية والرئاسية.
وأكد العبود أن المشهد الليبي الحالي معقد ومرتبك، نتيجة تعدد المسارات المتداخلة، وتصاعد صوت الشارع الرافض للحلول الخارجية والفاشلة التي فرضتها البعثة الأممية على مدار العقد الماضي، معربا عن أمله في أن تُصغي القوى الوطنية إلى هذا الصوت الشعبي، الذي من المتوقع أن يتبلور في مبادرة وطنية شاملة تقدم مطالب واضحة للمجتمع الدولي والبعثة الأممية، داعياً الجميع إلى الانخراط في هذه المبادرة لتحقيق تسوية شاملة ومستدامة في ليبيا.









