رئيس المرصد التونسي: أوروبا تفرض وصاية غير معلنة على ليبيا

أكد رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير، أن ملف الهجرة غير الشرعية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوازنات السياسية والإقليمية المعقدة، مشيرًا إلى أن اتفاقية عام 2017 بين الاتحاد الأوروبي وليبيا، التي جاءت في شكل مذكرة تفاهم غير ملزمة قانونيًا، أتاحت المجال أمام من وصفهم بـ “ميليشيات” التهريب للاستفادة من الأوضاع الحالية على حساب الدولة الليبية.
وبيّن عبد الكبير، في مداخلة عبر قناة يلام، رصدتها الساعة24، أن الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار في ليبيا وفّرا فرصة للاتحاد الأوروبي لاستغلال حالة الارتباك الداخلي في تعامله مع الملف الليبي، مما أضعف قدرة الدولة على فرض سيادتها، مشيرًا إلى أن غياب التنسيق بين ليبيا وتونس والجزائر ومصر جعل السياسات الإقليمية تجاه الهجرة مجزأة وغير فعالة.
وأكد أن عدم وجود تنسيق حقيقي بين دول المنطقة في مكافحة شبكات التهريب يمثل أحد أبرز التحديات، لافتًا إلى أن الاتحاد الأوروبي يفضل التفاوض مع كل دولة على حدة، مستغلًا الأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تمر بها كل دولة لتحقيق مكاسب آنية.
وفي هذا السياق، شدد عبد الكبير على ضرورة تبني موقف إقليمي موحد في مواجهة الهجرة غير النظامية، قائلًا إن “مجموعة حراس أفضل من حارس واحد”، في إشارة إلى أهمية توحيد جهود دول المغرب العربي للتعامل مع الظاهرة بفعالية أكبر.
وأضاف أن النهج الأوروبي لا يقوم على مقاربة تنموية أو إنسانية مستدامة، بل يركّز على المصالح الضيقة واستغلال هشاشة الأوضاع السياسية والاقتصادية في دول المنطقة، معتبرًا أن ذلك يُعمّق الفجوة بين ضفتي المتوسط بدلًا من معالجتها.
وكشف عبد الكبير أن الاتحاد الأوروبي أبرم اتفاقات ومنح تمويلات بمليارات الدولارات مع تونس وموريتانيا ومصر، في حين لم يوقع أي اتفاق رسمي مع ليبيا، معتبرًا أن هذا التمييز يعكس سياسة تنصل من الالتزامات الدولية تجاه ليبيا.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي يتعامل مع ليبيا كمنطقة خطر لا كشريك، في الوقت الذي يعتبر فيه تونس طرفًا موثوقًا من خلال مذكرات التفاهم والمساعدات المالية، مشيرًا إلى أن الانقسامات السياسية وغياب السلطة الموحدة في ليبيا هما السبب الرئيس في فقدان الثقة الأوروبية بالمؤسسات الليبية.
كما أشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات سياسية غير مباشرة على ليبيا عبر منع المنظمات الدولية من التعامل المباشر مع السلطات الرسمية، وهو ما يحدّ – بحسب قوله – من قدرة الدولة بالحصول على الدعم الفني واللوجستي اللازم لمواجهة شبكات التهريب والهجرة غير النظامية.
وبين رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، أن ليبيا تستقبل سنويًا عشرات الآلاف من المهاجرين الذين تُعيدهم الدول الأوروبية، في مخالفةٍ واضحة للاتفاقيات الدولية التي تنص على إرجاع المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، معتبراً أن هذا السلوك الأوروبي يعكس خللاً جوهريًا في إدارة ملف الهجرة وازدواجية في تطبيق المعايير الإنسانية.
وأوضح عبد الكبير أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمات الدولية العاملة في ليبيا تفرض شروطًا وإجراءات تُعيق عمل السلطات الليبية، مضيفًا أن هذه الجهات تتدخل بشكل مباشر في عمليات تسجيل اللاجئين وطالبي اللجوء، وهي مهمة سيادية من اختصاص الدولة الليبية، ما يُبرز – بحسب تعبيره – استغلال المجتمع الدولي لحالة الانقسام السياسي والأمني لتعطيل المسارات الرسمية داخل ليبيا.
وأكد عبد الكبير، على أن المقاربات الأوروبية الحالية لا تعالج جذور الأزمة، إذ تركز على إدارة تدفقات الهجرة داخل ليبيا والدول المجاورة بدلًا من الاستثمار في حلول تنموية حقيقية في بلدان المنشأ، خصوصًا في دول جنوب الصحراء، مشددًا على أن غياب الرغبة الجادة لدى الاتحاد الأوروبي في معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للهجرة يُبقي المنطقة في دوامة من الأزمات المتكررة.
كما كشف رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، عن جملة من العوامل التي أدت إلى تراجع أعداد المهاجرين غير النظاميين المنطلقين من السواحل التونسية نحو أوروبا، مؤكداً أن هذا التراجع جاء نتيجة مزيج من الإجراءات الأمنية والتعاون الدولي، وليس فقط بسبب تغيّر مسارات الهجرة.
وتابع: تونس كانت خلال عامي 2022 و2023 تتصدر قائمة الدول المصدّرة للمهاجرين عبر البحر، متقدمة على ليبيا، حيث تجاوز عدد المغادرين آنذاك 50 ألف شخص، معظمهم من السواحل الشرقية ومناطق صفاقس وجربة، وهو ما أثار قلق الاتحاد الأوروبي ودفع دوله إلى تكثيف التنسيق مع تونس لإيجاد حلول مستدامة.
ولفت إلى أن منظمة الهجرة الدولية رصدت خلال عام 2025 تراجعاً ملحوظاً في أعداد المهاجرين المنطلقين من تونس، مقابل ارتفاع الأعداد القادمة من دول أخرى، مرجعاً ذلك إلى الاتفاقات المبرمة بين تونس والاتحاد الأوروبي بقيادة إيطاليا، والتي شملت تشديد الرقابة الأمنية والعسكرية على الحدود، خاصة في النقاط المعروفة بانطلاق قوارب الهجرة.
وأضاف أن هذه الاتفاقات تضمنت مساعدات مالية ولوجستية لتونس، من بينها قوارب وآليات مراقبة، إلى جانب برامج تدريب مشترك ودعم لوجستي وتمويل للوقود والخدمات الميدانية، لتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية في مكافحة الهجرة غير النظامية.
ورغم ذلك، عبّر عبد الكبير عن رفضه للمقاربة الأمنية الصارمة التي وصفها بـ “القبضة الحديدية”، مشيراً إلى أنها لا تراعي حقوق الإنسان ولا تتبنى حلولاً تنموية أو اجتماعية، بل تركز على إغلاق الحدود البحرية فقط.
وأكد أن هذه السياسة أدت إلى انخفاض بنسبة 70% في أعداد المغادرين من تونس مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما أشادت به الحكومة الإيطالية والاتحاد الأوروبي، لكنه أشار في المقابل إلى أن هذا النجاح جاء على حساب تحوّل مسارات الهجرة نحو ليبيا.
وختم عبد الكبير متسائلاً عمّا إذا كانت ليبيا تُترك عمداً لتحمّل العبء الأكبر من تدفق المهاجرين نحو أوروبا ودول الجوار، بعد أن تضاعفت أعداد المهاجرين المنطلقين من سواحلها في الفترة الأخيرة.









