بوغالية: اتفاقية الهجرة بين ليبيا وإيطاليا كارثية وأثّرت على التركيبة الديموغرافية

انتقد المحامي والحقوقي، عبد السلام بوغالية، الاتفاقية الموقعة بين ليبيا وإيطاليا عام 2017 بشأن الهجرة، مشيرًا إلى أنها تسببت في آثار كارثية على البلاد، وأثارت منذ توقيعها موجة رفض واسعة من المنظمات الحقوقية حول العالم.
وقال بوغالية في مداخلة على تلفزيون “المسار” رصدتها الساعة24، أن الاتفاقية رفضتها جهات حقوقية عديدة دوليًا، بالنظر إلى أنها قد تفتح الباب أمام انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها التعرض للتعذيب، والاختفاء القسري، بل وحتى تهديد حياة المهاجرين أنفسهم.
وأضاف قائلاً: “كان بالإمكان تجنّب كل هذه الإشكالات بعدم توقيع الاتفاق، لكن ما نراه اليوم في روما من مظاهرات، يأتي نتيجة مباشرة لغرق أكثر من عشرين مهاجراً غير شرعي خلال الأيام الماضية”.
ورأى بوغالية أن الاتفاقية الليبية الإيطالية أدت إلى تغييرات ديموغرافية كبرى في ليبيا، حيث تشير بعض التقديرات الحقوقية إلى وجود نحو 250 ألف مهاجر، بينما أخرى تتحدث عن 3 ملايين، معتبراً أن هذا التغيير الديموغرافي أثر بشكل مباشر على العادات والتقاليد في العديد من المناطق الليبية.
وبين بوغالية أن المطالبات التي تُرفع اليوم في روما ضد تجديد الاتفاقية تستند إلى أسس قانونية متينة، وتعتمد على القانون الدولي لحقوق الإنسان، متسائلًا: “كيف يمكن إبرام اتفاقيات لإرجاع مهاجرين إلى بلد يعاني من انقسام سياسي وأمني؟ كما أنها تشكل خطرًا مباشرًا على حياة المهاجرين، وهو ما أكدته محكمة العدل الأوروبية ومحكمة حقوق الإنسان الأوروبية”.
وأشار بوغالية إلى أن الصور والمشاهد الموجودة في ليبيا اليوم، تعكس واقعًا مريرًا وكأننا عدنا قرونًا إلى الوراء، بسبب هذه الاتفاقية التي أثّرت سلبًا على النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد.
وذكر بوغالية، أن توقيع فايز السراج، لهذه المذكرة في حينه، جاء بهدف كسب الدعم السياسي الدولي وسط حالة الانقسام الداخلي، إلا أن إيطاليا استغلت الموقف حينها، وعادت لاستغلاله مجدداً في عام 2021. موضحا أن السلطات الإيطالية باتت تتعامل مباشرة مع قادة مجموعات مسلحة داخل ليبيا، متجاوزة الحكومة الرسمية، بدعوى أن هؤلاء يسيطرون فعلياً على الأرض، فيما الحكومة لا تملك سلطة الأمر الواقع. وقال إن أحد المسؤولين الإيطاليين صرح له بأن التنسيق مع عميد بلدية زوارة، على سبيل المثال، أكثر نجاعة من التنسيق مع رئيس الحكومة.
ورأى بوغالية أن هذا النمط من التعاطي الأمني يشكل خطراً حقيقياً، داعياً الليبيين إلى اتخاذ موقف وطني حاسم ضد تجديد المذكرة، التي تنتهي في 2 نوفمبر القادم.
وعن قدرة الحكومة الحالية على رفض التجديد، قال بوغالية إن حكومة الوحدة المؤقتة، رغم الضغوط السياسية، تملك الإمكانية القانونية والأخلاقية لعدم تجديد الاتفاق، مشيراً إلى أن المذكرة تتعارض مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، والذي يُعد في النظام القانوني الليبي أعلى مرتبة من التشريعات الوطنية.
وأردف: “يجب تفعيل الوعي الشعبي بأبعاد هذه المذكرة، خاصة في ظل تقارير تؤكد أن المهاجرين غير النظاميين تسببوا في ضغط كبير على الاقتصاد الليبي، بلغ 7 مليارات دولار عام 2024، حسب تقرير صادر عن مصرف ليبيا المركزي”.
وانتقد بوغالية اعتماد حزب رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، المنتمي لليمين المتطرف، على ملف محاربة الهجرة كأداة دعائية للوصول إلى السلطة، مستغلاً وضع ليبيا كدولة عبور، وليست دولة مقصد للمهاجرين. مبيناً أن الحكومة الإيطالية تواصل تنفيذ وعودها الانتخابية على حساب السيادة الليبية، وأن ليبيا تتحمل أعباءً مالية وسياسية ضخمة، في سبيل حماية أوروبا من تدفق المهاجرين، في حين لا يوجد أي منفعة حقيقية لها من هذه الاتفاقات، خاصة بروتوكول “باليرمو” الموقع عام 2000 والمصادق عليه في 2003، والذي صُمم – بحسب قوله – لحماية أوروبا فقط.
وأكد بوغالية أنه سبق أن طالب بانسحاب ليبيا من هذا البروتوكول، لما يمثله من ضرر على المصالح الوطنية، داعياً الحكومة الليبية إلى عدم الخضوع للابتزاز السياسي الخارجي، خاصة من قبل الاتحاد الأوروبي، لأن استمرار هذه الاتفاقات قد يؤدي إلى تغييرات ديموغرافية كبرى في ليبيا وشمال أفريقيا.
ورأى بوغالية أن الفراغ الناتج عن هجرة الكفاءات الليبية إلى أوروبا قد يُملأ بمهاجرين أفارقة عالقين في ليبيا، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد على المدى المتوسط والبعيد.
وشدد بوغالية على أن المنظومة القانونية الليبية المتعلقة بالتعامل مع المهاجرين تعاني من خلل كبير، خصوصًا في ظل الانقسام السياسي والانفلات الأمني، ما يجعل ليبيا غير مؤهلة لتكون دولة عبور آمنة للمهاجرين. وأشار إلى أن الأوضاع الأمنية المتدهورة أدت إلى عدم تنفيذ أكثر من 56 ألف حكم قضائي جنائي، ما يسلط الضوء على هشاشة السلطة القضائية والتنفيذية.
واعتبر المحامي والحقوقي خلال حديثه، أن إيطاليا والاتحاد الأوروبي يبدوان غير جادّين في دعم إنهاء الانقسام السياسي الليبي، رغم معرفتهم بأن قيام دولة موحدة ومستقرة في ليبيا سيؤدي بالضرورة إلى مراجعة الاتفاقيات الثنائية المثيرة للجدل، ومنها اتفاقية إعادة المهاجرين. مشيراً إلى أن استمرار الوضع الراهن يخدم مصالح الأطراف الأوروبية، حيث يُستخدم الانقسام والفوضى كذريعة لفرض ترتيبات أمنية لا تراعي مصالح وسيادة الدولة الليبية ولا حقوق المهاجرين.
وفي الختام، دعا بوغالية إلى عدم معالجة ملف الهجرة بشكل انفرادي أو سريع، بل عبر خارطة طريق واضحة تُشرف عليها الأمم المتحدة وتؤدي إلى توحيد المؤسسات وتنظيم الانتخابات، مما يُمكّن ليبيا من بناء دولة قانون يمكنها معالجة ملف الهجرة بشكل عادل وإنساني.









