الشيباني: لا وجود لمسار أمريكي موازٍ في ليبيا

اعتبر المحلل السياسي، عبد الرحيم الشيباني، أن تصريحات مسعد بولس، كبير مبعوثي الرئيس الأمريكي، بشأن تقدم مسار العملية السياسية في ليبيا، تمثل تأكيدًا واضحًا على أن الولايات المتحدة، لا تعمل خارج إطار البعثة الأممية، بل تدعم خارطة الطريق التي وضعتها الأمم المتحدة لمعالجة الأزمة الليبية.
وقال الشيباني، في حديث لقناة “سلام”، التي يشرف عليها وليد اللافي وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية بحكومة الدبيبة، إن ما جاء على لسان بولس يبدد المزاعم حول وجود مسار أمريكي موازٍ أو مشروع مستقل عن البعثة الأممية، موضحًا أن مجلس الأمن الدولي، هو الجهة التي منحت التفويض للبعثة، وبالتالي لا يمكن لأي دولة، بما فيها الولايات المتحدة، أن تنفرد بمسار خارج الإطار الدولي.
ورأى في حديثه الذي رصدته “الساعة 24″، أن تصريحات بولس تتقاطع مع الإحاطة الأخيرة للمبعوثة الأممية “هانا تيتيه”، أمام مجلس الأمن، والتي أكدت بدورها أن لدى البعثة خطة واضحة تبدأ بخطوتين أساسيتين: الأولى تتعلق بتسمية إدارة جديدة للمفوضية الوطنية للانتخابات، والثانية بإعداد إطار دستوري وتشريعي ملائم للانتخابات المقبلة. إلا أن هذه الخطوات – بحسب الشيباني – لم تُنجز بعد بسبب تشتت الجهود بين مجلسي النواب والدولة، وغياب الإرادة السياسية الواضحة.
كما لفت إلى أن الدعم الدولي لا يزال يصطف خلف البعثة الأممية، مستدلًا بتصريحات ومداخلات قدمتها أكثر من عشر دول خلال جلسة مجلس الأمن الأخيرة، من بينها الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين، والدنمارك، والتي عبّرت عن دعمها الكامل لمسار المبعوثة الأممية دون اقتراح بدائل.
ورغم النشاط المتزايد لبعض الدول في الملف الليبي، شدد الشيباني على أن هذه المبادرات تظل داعمة للمسار الأممي، وليست بديلاً عنه، مشيراً إلى أنه، حتى لو كانت لدى بعض القوى الكبرى رغبة في تبني خيارات موازية، فإنها وفق قواعد العمل في المنظومة الدولية لن تعلن عنها صراحة، بل قد تظهر في شكل تعطيل أو تباطؤ غير معلن.
وعبّر الشيباني، عن استغرابه من أن البعثة الأممية لم تعلن حتى الآن عن جولة الحوار التي تحدّث عنها بولس، ما يفتح باب التساؤلات حول مدى التنسيق بين الطرفين، أو ما إذا كانت واشنطن تمارس ضغوطًا خلف الكواليس لتسريع خطوات التسوية.
وبينّ أن حديث المبعوث الأمريكي، مسعد بولس، حول الحوار المرتقب لحل الأزمة الليبية، من المرجح أن يشير إلى مسارات تقليدية ومعروفة مثل مجموعة برلين أو جلسات مجلس الأمن، مشددًا على أنه لا يتوقع وجود أي إطار جديد خارج هذه القنوات، حتى لا يزداد المشهد الليبي تعقيدًا، حسب وصفه.
وأوضح الشيباني أن الحوار المحلي مستمر بالفعل، بقيادة البعثة، وأن المبعوثة الأممية ومساعدتها ستيفاني خوري، تجريان لقاءات منتظمة مع الأطراف السياسية الليبية، سواء كانت رسمية أو غير رسمية.
وأشار إلى أن الاهتمام الأمريكي ينصب أساسًا على توحيد المؤسسات السيادية، خاصة المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، بالإضافة إلى ديوان المحاسبة، موضحًا أن الولايات المتحدة تركز على طريقة إدارة الإيرادات النفطية والإنفاق العام، لا سيما في ظل غياب الشفافية في التصرف في الاحتياطيات المالية.
وتحدث الشيباني، عن الاتفاق الذي وقعه محافظ مصرف ليبيا المركزي مؤخرًا في واشنطن، والذي يشير إلى انخراط البنك الدولي، في رقابة جزئية على إدارة الاحتياطي، كما أكد على أن شركة “كي بي إم جي” الأمريكية بدأت عمليات تدقيق بالمصرف المركزي، ضمن ترتيبات متعلقة بالحوكمة المالية.
وفيما يتعلق بالمصرف المركزي، قال الشيباني، إن الوحدة الإدارية بين طرابلس والبيضاء شكلية فقط، إذ إن المصرف لا يعمل كجسم موحد فعليًا، بسبب استمرار الإنفاق في المنطقة الشرقية خارج رقابة المركزي المعترف به، وغياب ميزانية موحدة، مشيرًا إلى أن حكومة أسامة حماد تتعامل مع فرع المصرف في البيضاء وتصدر سندات وتستفيد من تسهيلات لا يعترف بها المصرف في طرابلس.
أما بخصوص المؤسسة الوطنية للنفط، فقد أكد الشيباني، أن الإيرادات النفطية لا تذهب بالكامل إلى المصرف المركزي، موضحًا أن ما بين 30 إلى 40% من العائدات لا تصل إلى الخزانة العامة، مرجحًا أن بعض الشركات مثل شركة الخليج تبيع النفط بشكل مباشر، دون أن تورد كل إيراداتها.
وأشاد بخطوة إيقاف مبادلة النفط الخام بالمحروقات، التي جاءت بضغوط أمريكية، واعتبرها نقطة إيجابية ساهمت في رفع الإيرادات المعلنة للمصرف بنحو 3 إلى 5 مليارات دولار. كما كشف أن ديوان المحاسبة في طرابلس لا يملك أي رقابة أو بيانات حول إنفاق حكومة الشرق، وأن مئات المشاريع والمليارات من الدينارات يتم صرفها دون إدراجها في الحسابات الرسمية، ما يثير شكوكًا واسعة حول الشفافية المالية في البلاد.
ورأى الشيباني، أن الانقسام في المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي ليس جديدًا، لكنه أصبح أكثر وضوحًا في الفترة الأخيرة، خصوصًا مع التقارير الأخيرة الصادرة عن المصرف المركزي، التي أظهرت عجزًا كبيرًا في الإيرادات رغم ارتفاع أسعار النفط.
وأكّد، أن أولويات الجهات الفاعلة الخارجية ولا سيما الولايات المتحدة تتركز على ملفات سيادية محددة: شفافية الموارد، محاسبة الإنفاق، مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، بينما تضع الديمقراطية والانتخابات في مرتبة أقل أهمية استراتيجية. وأضاف أن تقصيراً داخلياً في إنجاز الاستحقاقات الوطنية مثل الدستور، الانتخابات، والتداول السلمي على للسلطة، معتبراً بأنه ساهم في اتساع هامش التدخل الخارجي.
وتعليقاً على امكانية إقناع مجلسي النواب والدولة بالانخراط في خارطة الطريق، اعتبر الشيباني، أن المسألة أقرب إلى “إجبار” منها إلى “إقناع”، مشدداً على أن البعثة الأممية تمتلك أدوات وضمانات يمكن استغلالها لدفع الأطراف إلى المشاركة. لكنه لفت إلى أن قرار هذين المجلسين لا يخلو من تأثيرات محلية وإقليمية قد تعوق المسار.
وأردف الشيباني، أن نجاح البعثة يرتبط بقدرتها على توسيع دائرة المشاركة لتشمل طيفاً أوسع من المجتمع الليبي عبر مؤتمر وطني أو حوار هيكلي يمثل فئات المجتمع. وفق قوله، هذا الأسلوب يمكن أن يُضعِف شرعية المجالس الحالية التي تفتقد قاعدة شعبية ويجبرها على الانخراط أو التراجع.
وأوضح أن الإدارة الأمريكية تميل إلى العمل المباشر وبطرق “براغماتية” عبر ممثلين محدودين أو آليات بديلة في حال تعثر المؤسسات الرسمية، وهو نهج ظهر سابقاً في معالجة ملفات مصرفية وغيرها. مشيرا إلى أن البعثة قد تضطر، إذا لزم الأمر، للجوء إلى آليات داخلية داخل المجالس للتعامل مع عدد أقل من الفاعلين الذين لديهم القدرة على اتخاذ قرار عملي.









