محفوظ: المبادرات الأممية خيار مؤقت في ظل غياب بدائل وطنية فعّالة

أكد المحلل السياسي محمد محفوظ أن ليبيا تقف اليوم على مفترق طرق، وسط مشهد سياسي واقتصادي وأمني خطير، مشيراً إلى أن فشل المبادرة السياسية الحالية والخارطة الأممية قد يقود إلى مزيد من الأزمات وتصاعد التهديدات التي تطال كيان الدولة واستقرارها.
وقال محفوظ، إن حلم الليبيين الذي انطلق مع ثورة فبراير وتوّج بإعلان التحرير في 23 أكتوبر 2011، ما زال بعيد المنال، مشيرًا إلى أن الإخفاق في تحقيقه يتحمل مسؤوليته جميع الأطراف، ولا يمكن تحميل جهة أو شخص بعينه نتائج الفشل الراهن.
وأوضح في حديث مع قناة “سلام”، رصدته “الساعة 24″، أن ليبيا لم تشهد أي انتخابات عامة منذ أكثر من 11 عامًا، ما أفضى إلى انسداد سياسي وانقسام مؤسساتي، يجري ترسيخه تدريجيًا عبر خطوات وصفها بـ “العبثية” من قبل بعض القوى السياسية. ورغم ذلك، شدد على أن هناك بقية من الأمل والتفاؤل الذي يكفي لتحقيق الحد الأدنى من الطموحات، داعيًا إلى أهمية الاستمرار في العمل نحو التغيير المنشود.
وأشار إلى أن المسؤولية عن الواقع الحالي لا تقع على عاتق السلطة وحدها، بل تشمل الشعب أيضًا، موضحًا أن المواطن الليبي يدفع ثمن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. واعتبر أن السلبية والصمت وعدم المبادرة من قبل كثير من المواطنين تعد من أبرز أسباب الأزمة، لافتًا إلى أن هذا الموقف يُفسر أحيانًا كقبول ضمني بالوضع القائم.
وأكد محفوظ أن مستقبل ليبيا بأيدي أبنائها، محذرًا من هم في مواقع السلطة اليوم ويمتلكون في الغالب ممتلكات وأرصدة خارج البلاد – بحسب تعبيره، مؤكداً “عندما تنتهي ولايتهم سيغادرون تاركين البلاد لمصيرها”. وشدد على أن العودة إلى صوت الثورة والمطالبة بالتغيير وإجراء الانتخابات تمثل الطريق الوحيد نحو إصلاح حقيقي، إذ إن غياب هذا المسار يجعل الحديث عن أي إصلاح جذري مجرد شعارات بعيدة عن الواقع.
وبيّن أن الدور الأكبر يقع على عاتق النخبة، لأن الشعب – بحسب وصفه – يتحرك غالبًا وفق ما ترسمه هذه النخب من توجهات. موضحاً أن ليبيا تفتقر إلى مشروع وطني موحد يمكن أن يؤسس لبناء دولة حقيقية، معتبرًا أن تحديد مفهوم النخبة وماهيتها هو خطوة أساسية لفهم تعقيدات المشهد السياسي.
وأضاف محفوظ أن البلاد لا تمتلك سوى نسبة محدودة من النخب الوطنية الصادقة، قائلاً إنه لو توفرت نسبة لا تتجاوز 10% من هذه النخب، لكان بالإمكان تجاوز التدخلات الأجنبية والمبادرات غير الفاعلة. مؤكداً على أن أي نخبة حقيقية ينبغي أن تتفق أولًا على الهدف الوطني قبل أي شيء آخر، مشيراً إلى أن الاختلاف حول هذا الهدف بين النخب اليوم يمثل جوهر الأزمة الليبية.
وقال محفوظ إن بعض النخب ترى أن الحل يكمن في الانتخابات والديمقراطية وحرية التعبير، بينما يميل آخرون إلى نظام أمني أو عسكري مركزي على غرار النظام السابق، طالما أنه يضمن الأمن والاستقرار الاقتصادي. وأوضح أن هذا الانقسام في الرؤية يعيق أي حوار جاد أو توافق سياسي، متسائلًا عن مستقبل البلاد في ظل غياب اتفاق حول شكل الدولة المطلوب.
اقتصاديًا، حذّر محفوظ من أن الوضع المالي والفساد المتفشي في المؤسسات الليبية يشكلان تهديدًا خطيرًا لاستقرار الدولة، مبينًا أن الفساد أصبح جزءًا من بنية النظام، وأن من لا يشارك فيه يُنظر إليه كاستثناء. مبيناً أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى عجز الدولة عن دفع رواتب الموظفين وتدهور الخدمات الأساسية، داعيًا إلى التحرك قبل فوات الأوان لإنقاذ البلاد من الانهيار الكامل.
وتساءل محفوظ عن مشروعية المشاريع السياسية المطروحة حالياً، موضحاً أن معظمها يرتبط بامتدادات إقليمية ودولية أكثر مما يعكس الإرادة الوطنية الحقيقية للنخبة الليبية.
وبيّن أن العديد من أعضاء البرلمان ورؤساء الأحزاب، الذين يُفترض أنهم يمثلون النخبة السياسية، عجزوا عن تحريك الشارع أو تنظيم حتى مظاهرات محدودة للمطالبة بالانتخابات، سواء بشكل فردي أو من خلال تنسيقيات الأحزاب، وهو ما يعكس ضعف تأثيرهم في تحريك الرأي العام أو إحداث تغيير ملموس.
وأضاف أن بعض الأحزاب باتت تركّز على عقد الصفقات السياسية والسعي للسلطة بدلاً من خدمة الوطن، مشيراً إلى أن هذا النهج ترسّخ وأصبح جزءاً من الثقافة السياسية السائدة.
وشدد محفوظ على أن النخبة الحقيقية يجب أن تكون قادرة على قيادة الشارع والمبادرة بالتغيير، لا أن تظل منشغلة بالسلطة وامتيازاتها عبر أساليب ملتوية. وأوضح أن غياب هذا الدور القيادي خلال السنوات الماضية ساهم في استمرار الأزمة السياسية وتعميق الانقسام داخل البلاد.
وختم بالتأكيد على أن وجود نخبة وطنية صادقة تمتلك الإرادة والقدرة على المبادرة هو الشرط الأساسي لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي في ليبيا. لافتاً إلى أن هذا الواقع يجعل الالتفات إلى المبادرات الأممية الخيار الوحيد المتاح حاليًا، لكنه شدّد على أن ذلك لا يعني التعويل الكامل على الحلول الخارجية، بل هو خيار اضطراري في غياب بدائل وطنية فاعلة. وأوضح أنه في حال ظهور مبادرات وطنية جادة تطرح حلولاً واقعية، فستُدرج ضمن الخيارات المتاحة وفق المعطيات السياسية الراهنة.









