اخبار مميزةليبيا

طيار مدني: فرضيات الحادث تعتمد على أنظمة الكهرباء والوقود وبنية الطائرة

أعرب الطيار المدني مصطفى محمد عن استغرابه الشديد مما وصفه بـ “التسرع في إطلاق الأحكام” حول أسباب حادث الطائرة المنكوبة والتي كانت تقل الوفد الليبي العسكري من تركيا، منتقدًا استخدام تعبيرات عامة وفضفاضة مثل “خلل فني كهربائي” قبل انتهاء التحقيقات الرسمية، معتبرًا ذلك خطأً في طريقة تعامل الحكومة التركية مع الحادث.

وأوضح مصطفى الذي كان يتحدث لقناة “سلام”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن الإشكالية لا تكمن في الإعلان عن فتح تحقيق أو العثور على الصندوق الأسود، بل في آلية التعاطي الإعلامي والمؤسسي مع حوادث الطيران، مؤكدًا أن هناك قواعد مهنية متعارف عليها دوليًا في مثل هذه الحالات.

وأضاف أن أول تصريح رسمي بشأن الحادث:” كان يجب ألا يصدر عن وزير الداخلية التركي”، مشيرًا إلى أن هذا الأمر يفتح الباب أمام الشكوك ويؤثر على مصداقية النتائج لاحقًا. ودعا في الوقت ذاته، إلى احترام مشاعر عائلات الضحايا وعدم الانجراف نحو استنتاجات مسبقة أو تصريحات قد تُستغل أو تُفسَّر بشكل خاطئ.

وأكد الطيار المدني أن الجهة الأولى المخولة بالحديث في مثل هذه الحوادث يجب أن تكون جهة فنية مباشرة ذات صلة بمكان الواقعة، مثل مسؤول السلامة في المطار، أو مدير المطار، أو ممثل عن مصلحة الطيران المدني التركية، أو مجلس سلامة النقل.

كما أشار إلى أنه في حال رغبت الحكومة في إصدار موقف رسمي، فإن وزير المواصلات هو الجهة الأنسب لذلك، بحكم ارتباطه المباشر بقطاع الطيران.

وشدد على أن خروج وزير الداخلية للتصريح عن وجود خلل كهربائي، قبل اكتمال التحقيقات قد يؤدي إلى التشكيك في النتائج لاحقًا، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لا يرغب في تسيس الحادث، مفضلًا التركيز على الجوانب الفنية البحتة.

وفي معرض شرحه الفني، قدّم الطيار المدني مصطفى محمد نظرة عامة حول منظومة الكهرباء في الطائرات، موضحًا أنها منظومة معقدة ومتعددة المصادر، ولا يمكن اختزال أي خلل محتمل فيها بعبارة عامة.

وبيّن أن الطائرة تعتمد على ثلاثة مصادر رئيسية لتوليد الكهرباء، تشمل وحدة الطاقة المساعدة (APU) الموجودة في مؤخرة الطائرة، والمولدات المرتبطة بكل محرك، إضافة إلى وحدة الطاقة الأرضية (GPU) التي تُستخدم في ظروف معينة أثناء وجود الطائرة على أرض المطار، وأشار إلى أن الطائرة محل الحديث مزودة بثلاثة محركات، ما يعني وجود ثلاث مولدات كهرباء مستقلة، فضلًا عن أنظمة حماية دقيقة تمنع زيادة الجهد الكهربائي، وتحافظ على تزامن عمل الأجهزة الحساسة، مثل شاشات قمرة القيادة، لضمان تطابق القراءات وعدم حدوث خلل في تبادل البيانات.

كما لفت إلى وجود أنظمة إضافية شبيهة بما يُعرف في المنازل بـ “فيوزات الحماية”، أو نظام التوزيع المركزي للطاقة الكهربائية وتُعرف في الطائرات باسم “Buses”، وهي عدة أنواع تشمل النظام الرئيسي، والاحتياطي (Essential)، ونظام الطوارئ (Emergency)، إضافة إلى نظام خاص بالاتصالات، يضمن عدم انقطاع الاتصال مع أبراج المراقبة مهما كانت طبيعة العطل الكهربائي.

وأكد أنه لا ينفي فرضية الخلل الفني من حيث المبدأ، لكنه يعترض بشدة على استباق نتائج التحقيقات الرسمية بإعلان سبب محدد للحادث، معتبرًا أن صدور مثل هذه التصريحات عن مسؤول سيادي يمنحها وزنًا رسميًا لا ينبغي أن يُستخدم قبل اكتمال التحقيق الفني الشامل.

وأكد الطيار المدني أن حادث الطائرة تضمن جزئيات فنية بالغة الأهمية لا يجوز تجاوزها أو اختصارها، حتى في ظل ضيق الوقت، مشددًا على ضرورة عرض هذه التفاصيل للرأي العام لضمان فهم مهني ودقيق لما جرى.

وأوضح، أن أولى هذه الجزئيات تتعلق بنداءات الاستغاثة في الطيران، مشيرًا إلى وجود نوعين رئيسيين، الأول هو نداء الاستغاثة المرتبط بخطر داهم محتمل قد يؤدي إلى كارثة، ويُصنف ضمن ما يُعرف بالخطر البرتقالي، ويُستخدم فيه نداء “Pan Pan”، حيث يمنح برج المراقبة الطائرة أولوية في التعامل. أما النوع الثاني، فهو نداء الطوارئ الكارثي، والذي يعني وجود خطر تحطم وشيك، ويُستخدم فيه نداء “Mayday”.

وفي هذا السياق، تساءل مصطفى عمّا إذا كان وزير الداخلية التركي قد اطّلع أصلًا على نوع نداء الاستغاثة الذي أطلقه الطيار قبل التصريح بوجود خلل كهربائي، مؤكدًا أن ذلك غير ممكن عمليًا، نظرًا لأن تفريغ تسجيلات برج المراقبة وتحليلها يحتاج إلى وقت وجهد فني، ولا يتم بصورة فورية.

وانتقل الطيار المدني إلى الجزئية الثانية، والمتعلقة بمنظومة الكهرباء في الطائرة، موضحًا أن فقدان الكهرباء بشكل كامل أمر غير وارد وفق تصميم الطائرات وإجراءات التشغيل المعتمدة. وأشار إلى أن لكل طائرة ما يُعرف بقوائم التحقق (Checklists)، والتي تتضمن سيناريوهات واضحة للتعامل مع الأعطال، بما في ذلك حالات الهبوط الاضطراري في أي مساحة مناسبة، أو الهبوط في أقرب مطار، وهو الخيار الذي طلبه الطيار بالفعل.

وفي تعليقه على ما أُثير بشأن استمرار الحادث لمدة 42 دقيقة، وصف الطيار المدني هذا الطرح بغير الدقيق، موضحًا أن مدة الرحلة الكاملة كانت 42 دقيقة، في حين أن الطيار أبلغ عن وجود مشكلة بعد 17 دقيقة فقط من الإقلاع، وطلب على إثرها العودة إلى مطار الإقلاع، وهو الإجراء المنطقي والمتوافق مع التعليمات المعتمدة في مثل هذه الحالات.

وأضاف أن الفترة التي تلت إبلاغ الطيار عن المشكلة وحتى وقوع الحادث تضمنت إجراءات تشغيلية معروفة، ولا تشير بالضرورة إلى وجود خلل غير مسيطر عليه، لافتًا إلى أن الطيار لم يُبلغ برج المراقبة بوجود عطل غير مشخص أو تأثير شامل على الأجهزة الكهربائية.

كما تطرق إلى الجدل المثار حول عمر الطائرة، مؤكدًا أن هذا العامل لا يشكل سببًا مباشرًا للحوادث، إذ توجد طائرات في الخدمة تجاوز عمرها 50 عامًا، لكنها تخضع لأنظمة صيانة صارمة. وأوضح أن الطائرات تمر بأنواع متعددة من الصيانة، تشمل الصيانة الطارئة عند حدوث عطل مفاجئ، والصيانة الدورية المرتبطة بعدد ساعات الطيران، إضافة إلى صيانة تتطلب استبدال بعض الأجزاء أو الأجهزة بالكامل عند تجاوز عدد معين من دورات التشغيل، بغض النظر عن عمر الطائرة الزمني. وشدد على أن الحديث عن كون الطائرة “قديمة” أو أن عمرها 37 عامًا لا يحمل دلالة فنية حقيقية، ما دامت ملتزمة ببرامج الصيانة المعتمدة.

وفيما يتعلق بتناثر الحطام على مساحة واسعة، أوضح الطيار المدني أن الطائرات تستخدم وقود طيران عالي الحساسية، سريع الاشتعال والانفجار، إضافة إلى بطاريات من نوع “نيكل – كادميوم”، وهي بطاريات ذات كفاءة عالية لكنها خطيرة في حال تعرضها لظروف غير طبيعية.

كما بين أن هيكل الطائرة مصنوع جزئيًا من ألياف الكربون خفيفة الوزن، والتي قد تسهم، عند توافر عوامل مثل الوقود والحرارة والزيوت الهيدروليكية الساخنة، في تضخيم أثر أي انفجار.

وختم مصطفى محمد تصريحاته بالتأكيد على أن الحديث عن سبب واضح ومحدد للحادث، أو الجزم بوجود خلل كهربائي في هذه المرحلة، يُعد أمرًا غير دقيق فنيًا، ويعكس استباقًا غير مبرر لنتائج التحقيق الرسمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى