معيوف: ليبيا تخسر عوائد النفط بسبب ضعف المصافي والرؤية الاستراتيجية

أكد المستشار في قطاع النفط، عبد الجليل معيوف، أن الارتفاع الأخير في أسعار النفط العالمية يخلّف تداعيات متباينة على الدول والشركات العاملة في مجال الطاقة، إذ يعود بالفائدة على الدول المنتجة، في حين يفاقم الأعباء على الدول المستهلكة.
وأوضح معيوف، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24” أن كل من الدول المنتجة مثل ليبيا ودول منظمة أوبك، وكذلك الشركات الكبرى العاملة في قطاع النفط، هم من يستفيدون من هذا الارتفاع، في الوقت الذي تحقق فيه الدول المنتجة إيرادات أكبر، بينما تحقق الشركات النفطية أرباحًا إضافية نتيجة التحكم في بعض مصادر الطاقة.
وأشار معيوف، إلى أن الجانب الآخر المتضرر هو الدول المستهلكة، خاصة تلك التي لا تمتلك موارد نفطية أو غازية، إذ تتحمل كلفة إضافية نتيجة ارتفاع الأسعار.
ووصف معيوف، الوضع النفطي في ليبيا بأنه “غريب ومؤسف”، مشيرًا إلى أن البلاد، رغم إنتاجها للنفط منذ أكثر من ستين عامًا، ما زالت تستورد البنزين، وهو مادة استراتيجية، مبينا أن ليبيا تستفيد من ارتفاع أسعار النفط الخام والغاز، لكنها في الوقت نفسه تخسر بسبب استيراد الوقود وبعض المشتقات الأخرى، ما يجعل الوضع أحيانًا متعادلًا دون تحقيق الفائدة المرجوة من إنتاج النفط.
وتابع: ليبيا فقدت فرصًا كبيرة على مدار نحو خمسين عامًا في بناء مصافي كافية لتلبية الاحتياجات المحلية من البنزين، وهي مادة أساسية للسيارات، وما زلنا نشهد طوابير السيارات في معظم المدن للحصول على الوقود، وهذا وضع غير طبيعي.
واعتبر معيوف، أن الوضع الحالي في قطاع النفط غير طبيعي، وأن المسؤولية الأساسية تقع على المسؤولين عن هذا القطاع خلال العقود الماضية، مبينا أن النظام السابق كان مسيطراً بشكل كامل على قرارات قطاع النفط، خصوصًا في سنوات السبعينيات والثمانينيات، حيث كان القذافي هو صاحب القرار النهائي.
وأضاف أن القرارات المتعلقة بإنشاء المصافي لم تُتخذ في الوقت المناسب، رغم أن الاستثمار في المصافي كان أقل كلفة سابقًا مما هو عليه الآن، حيث قد تتجاوز تكلفة إنشاء مصفاة واحدة حاليًا خمسة إلى ست مليارات دولار، بالإضافة إلى الحاجة لبنية تحتية متكاملة تشمل الموانئ وخطوط الأنابيب لنقل النفط الخام.
وأكد معيوف، أن المؤسسة الوطنية للنفط وفريقها الفني لم يتمكنوا من إقناع القيادة السابقة بجدوى تصدير المنتجات النفطية المكررة بدلاً من الخام، ما أدى إلى خسائر مالية كبيرة، مضيفًا أن المسؤولية تقع أيضًا على قطاع النفط والمؤسسة الوطنية للنفط منذ عام 2011 حتى اليوم، رغم وجود محاولات ومشاريع لإنشاء مصافي في الشمال والجنوب لم يتم تنفيذها.
وأكد أن المسؤولين في السنوات السابقة ما بعد 2011 كان لهم دور في عدم الاستثمار في قطاع المصافي والمنتجات النفطية، رغم أن الوضع منذ عام 2016 كان ممكنًا لتطوير مشاريع مصافي في بعض المناطق الليبية، كما أكد أن المشكلة ليست مرتبطة بالتجارة أو الاستيراد والتصدير فقط، بل بالقرارات الاستراتيجية التي لم تُتخذ منذ عقود، ما جعل ليبيا تستمر في تصدير النفط الخام واستيراد المشتقات، رغم إمكانية تحقيق مكاسب مالية كبيرة من التكرير المحلي.
وتناول معيوف، التقلبات الأخيرة في أسعار النفط، مشيرًا إلى أن الأسعار شهدت استقرارًا نسبيًا خلال العقدين الماضيين، لكنها اتسمت مؤخرًا بتذبذب كبير مرتبط بالقوى الكبرى المسيطرة على السوق، والأزمات والحروب الإقليمية، موضحا أن الأحداث الإقليمية والتوترات السياسية هي المحرك الأساسي للتقلبات الحالية في أسعار النفط، والاستقرار الذي شهدناه سابقًا أصبح شبه مستحيل في المرحلة الراهنة.
وحذر معيوف، من مخاطر أي صراع مسلح في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن استمرار الحرب قد يمنح إيران القدرة على السيطرة على مضيق هرمز، وهو الممر الحيوي الذي تمر منه كميات كبيرة من النفط العالمي، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بمقدار 20 إلى 40 دولارًا إضافيًا للبرميل، وقد يصل في أسوأ السيناريوهات إلى حوالي 100 دولار، مضيفا أن التداعيات لن تقتصر على النفط فقط، بل ستشمل أبعادًا سياسية وأمنية، مع احتمال تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الحليفة عسكريًا، ما قد يؤدي إلى توقف الإمدادات النفطية من المنطقة بالكامل.
وقال معيوف، إن السياسة الأمريكية تركز على السيطرة وخلق النزاعات الجانبية لتحقيق مصالحها في المنطقة، لافتا إلى وجود إسرائيل كذراع عسكري لأمريكا في الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن الحرب الشاملة قد لا تحدث، إذ أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات استخباراتية واستراتيجيات تحاكي السيطرة على النظام الإيراني دون الدخول في صدام اقتصادي أو عسكري مباشر.
وبينّ أن ارتفاع أسعار النفط قد يزيد الإيرادات المالية للدولة الليبية، لكنه أبدى قلقه من عدم صرف هذه الأموال بحكمة، مشيرًا إلى تدهور قطاع النفط منذ سنوات وضعف الإنتاج والموانئ، وكلها تحتاج إلى صيانة مستمرة.
وأوضح أن الدخل النفطي بالكاد يغطي المرتبات في ظل وجود صرف غير منظّم وميزانيات ضخمة لا يظهر أثرها على تطوير القطاع، مشددًا على أهمية استثمارات كبيرة، بما فيها استثمارات أجنبية، وهو ما يتطلب استقرارًا أمنيًا وتشريعيًا.
وشدد معيوف، على أن تحسين أداء القطاع النفطي يعتمد على تخطيط طويل الأمد واستثمارات مستمرة، وإلا ستظل ليبيا عاجزة عن استغلال ثروتها النفطية بشكل فعّال، مضيفا أن الوضع لن يتحسن في ظل الانقسام السياسي والمؤسساتي القائم، مشيرًا إلى أن الحكومة الواحدة لا تستطيع حل المشكلة بمفردها، حيث تتحكم حاليًا حكومة الدبيبة في عائدات النفط وتتصرف بمليارات دون آليات واضحة للتوزيع.
ورأى معيوف، أن الحل يكمن في إعادة النظر في هيكلة الدولة بحيث يكون لكل إقليم حكومته المركزية ومخصصاته المالية الخاصة، بما يمكّنه من إدارة وتنمية مناطقه بشكل مستقل، مشيرًا إلى أن كل المحاولات السابقة لحل الأزمة، بما في ذلك عشرات مبادرات الأمم المتحدة، فشلت لأنها اعتمدت على تشخيص خاطئ للوضع، مبينا أنه منذ ثورة 17 فبراير وحتى اليوم، تُدار ليبيا عمليًا على أساس الأقاليم الثلاثة: طرابلس وبرقة وفزان، سواء في الانتخابات أو لجنة الدستور أو البرلمان، وإذا كان الهدف تحقيق استقرار وتنمية فعلية، فلا بد من العودة إلى هذا النموذج.









