ليبيا

«اليمني»: بعض القوى السياسية في غرب ليبيا تستفيد من الفوضى لتعزيز نفوذها

قال رئيس الشؤون العربية والدولية بمركز زايد للدراسات، محمد اليمني، إن ملف إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، لا يزال من أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد الليبي، في ظل تشابك المصالح بين أطراف داخلية وأخرى خارجية، لكل منها أجندته المتضاربة التي تعرقل الوصول إلى حل حقيقي ومستدام للأزمة.

وأضاف «اليمني»، في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، ورصدته «الساعة24»، أن عدد المرتزقة في ليبيا يتجاوز 25 ألف عنصر، لا سيما في غرب البلاد، مؤكدًا أن وجودهم يرتبط بشكل مباشر بمصالح قوى إقليمية ودولية، إلى جانب أطراف محلية تستفيد من استمرار حالة الفوضى وعدم الاستقرار.

وأشار إلى أن بعض القوى السياسية والشخصيات النافذة في غرب ليبيا ترى في غياب الاستقرار فرصة لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي، لافتاً إلى أن اللامركزية والفوضى تحوّلتا إلى مصدر لجني ملايين الدولارات على حساب الدولة ومؤسساتها.

وأكد أهمية اللقاءات الأخيرة التي جمعت وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، بعدد من مسؤولي الإدارة الأمريكية، لافتًا إلى أن مصر تُعد دولة جوار متضررة بشكل مباشر من الأزمة، سواء عبر تهريب السلاح، أو الهجرة غير الشرعية، أو تهريب الموارد، وهو ما يمنحها خبرة ميدانية لا يمكن تجاهلها.

كما أكد أن القاهرة شددت خلال هذه اللقاءات على ضرورة أن تستمع الإدارة الأمريكية لرؤية دول الجوار، وألا تعتمد فقط على التقارير الدبلوماسية التقليدية التي كثيرًا ما تغفل الواقع الأمني المعقد على الأرض.

وذكّر اليمني، بأن الشعب كان يترقب خلال عام 2021 إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، إلا أن هذا الاستحقاق جرى تعطيله بفعل أطراف تخشى خسارة نفوذها في حال عودة الاستقرار وبناء مؤسسات موحدة.

وتطرق اليمني، إلى الدور التركي في ليبيا، متسائلًا عن توقيت بعض التطورات الحساسة، وعلى رأسها مقتل الفريق محمد الحداد، الذي وصفه بأنه كان من أبرز الشخصيات العسكرية الساعية إلى توحيد المؤسسة العسكرية، وتشكيل حكومة ليبية واحدة، والعمل على تفكيك الميليشيات ودمجها في الجيش الوطني.

ولفت إلى أن سقوط طائرة الحداد ومرافقيه يثير العديد من علامات الاستفهام، خاصة في ظل المصالح الاقتصادية الضخمة لتركيا في غرب ليبيا، والتي تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار من خلال اتفاقيات وشركات قائمة، فضلًا عن ارتباط ذلك بملف ترسيم الحدود والصراع في شرق البحر المتوسط.

وأكد أن المشهد الليبي يعيد إنتاج السيناريو نفسه كل عام، رغم الإجماع الشعبي الواسع على ضرورة إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة تُنهي حالة الانقسام السياسي المستمرة منذ سنوات، موضحاً أن مليارات الدولارات ما زالت تُضخ في حكومة الدبيبة، وأن جزءًا كبيرًا من هذا التمويل يأتي عبر أطراف خارجية، وفي مقدمتها تركيا، وهو أمر بات معلومًا للجميع.

وأضاف أن الشارع الليبي عبّر بوضوح، في الساحات وفي مختلف المدن، عن رغبته في الذهاب إلى صناديق الاقتراع، سواء لانتخاب رئيس للبلاد أو مجلس النواب جديد، إلا أن هذه الإرادة الشعبية تصطدم بعراقيل خارجية تُكرَّس عبر أدوات داخلية في الدولة الليبية، وفي هذا الإطار ثمّن اليمني تصريحات وزير الخارجية المصري التي شدد فيها على أهمية إجراء الانتخابات المتزامنة، مؤكدًا أن القاهرة ما زالت تدفع بقوة نحو حل سياسي مستدام في ليبيا.

وبين أن التقارب الأخير بين مصر وتركيا، وما صاحبه من زيارات متبادلة على أعلى مستوى، خلق آمالًا بإحداث انفراج في الملف الليبي، إلا أن الواقع أثبت أن تضارب المصالح الإقليمية والدولية لا يزال يعقّد المشهد، لافتًا إلى أن الملف الليبي بات ملفًا ثانويًا مقارنة بتطورات إقليمية كبرى تشهدها المنطقة، لا سيما في غزة ولبنان وسوريا.

ورأى اليمني، على أن الحل الحقيقي للأزمة الليبية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر حوار “ليبي – ليبي” شامل، قائم على تبادل وجهات النظر والتشاور الجاد، وصولًا إلى توافق وطني حقيقي يفتح الباب أمام حل سياسي شامل.

وأكد أن مصر تمثل ركيزة أساسية وثقلاً حاسمًا في دعم مسار الحل الشامل للأزمة، موضحًا أن القاهرة حافظت على موقف ثابت ومتوازن تجاه ليبيا رغم تعاقب الإدارات الأمريكية، وتغير المبعوثين الدوليين، وتبدل المعادلات الإقليمية والدولية، مضيفا أن السياسة المصرية تجاه ليبيا تقوم على مبادئ واضحة، في مقدمتها عدم التدخل في الشؤون الداخلية الليبية، ودعم توحيد المؤسسة العسكرية، والمساهمة في توحيد الحكومة باعتبار ذلك مدخلًا ضروريًا لتحقيق الاستقرار الدائم.

وأوضح أن الجديد في الموقف المصري يتمثل في التأكيد الصريح على أن الأمن القومي الليبي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، تمامًا كما هو الحال بالنسبة للسودان، لا سيما في ملفات الهجرة الشرعية وغير الشرعية وأوضاع اللاجئين وما يرتبط بها من تحديات أمنية وإنسانية.

ولفت إلى أن الدعم المصري القوي للمؤسسة العسكرية الليبية منذ عام 2014 أسهم بشكل مباشر في تحقيق قدر من الاستقرار في شرق البلاد، لا سيما في مدينة بنغازي، رغم استمرار بعض التحديات الاقتصادية.

وأعرب عن أمله في تعميم نموذج الاستقرار في شرق البلاد على غربها وجنوبها، بما يعيد ليبيا إلى ما كانت عليه دولةً مستقرة ذات مركزية قوية ومؤسسات فاعلة، قادرة على بسط الأمن وتحقيق التنمية في مختلف المناطق.

وأشار إلى أن المواطن الليبي قبل عام 2011 لم يكن يعاني من الفقر أو الأزمات الاقتصادية بهذا الشكل، مؤكدًا أن ما تشهده البلاد اليوم من أزمات اقتصادية واجتماعية تفاقم بفعل جائحة كورونا، والحرب الروسية – الأوكرانية، وتصاعد الصراعات في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أن هذه التطورات لا تنعكس فقط على الاقتصاد الليبي، بل تطال اقتصادات الدول النامية ودول الشرق الأوسط كافة، التي لا تزال تدفع ثمن الصراعات وعدم الاستقرار الإقليمي.

وفي ختام حديثه، أكد اليمني أن التنسيق المصري – الأمريكي بشأن الملف الليبي خطوة مهمة، لكنه سيظل محدود الأثر ما لم يُترجم إلى معالجة جذرية للأزمة المركبة، وفي مقدمتها الانقسام المؤسسي، انتشار الميليشيات، ووجود عشرات الآلاف من المرتزقة والقوات الأجنبية، كما شدد على أن العودة إلى صناديق الاقتراع تظل السبيل الوحيد لإعلاء المصلحة الوطنية الليبية فوق المصالح الشخصية والضيقة، محذرًا من أن استمرار الوضع الراهن لا يخدم ليبيا ولا الإقليم، ومؤكدًا أن أي حل حقيقي يجب أن يبدأ بإرادة دولية صادقة لإنهاء الوجود الأجنبي، ووقف تغذية الصراع، ودعم مسار توحيد المؤسسات وبناء الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى