ليبيا

«العبود»: القيادة العامة قدمت نموذجًا ناجحاً للمصالحة.. و«الرئاسي» أفقد الملف مصداقيته

قال الباحث والأكاديمي أحمد العبود، إن مشروع المصالحة الوطنية الذي أطلقه المجلس الرئاسي، يواجه صعوبات جوهرية على أرض الواقع، مؤكداً أن المشروع لم يحقق النتائج المرجوة لعدة أسباب، أبرزها فشل مؤتمر إثيوبيا الذي عقد على هامش الاتحاد الأفريقي.

وأوضح «العبود»، في تصريحات لقناة «ليبيا الحدث»، أن هذا الفشل يفرض مراجعة الأسس التي بُني عليها المشروع، متسائلاً عن أسباب هذا الإخفاق، والإشكاليات التي تعيق إنتاج مصالحة وطنية حقيقية في ليبيا، مقارنة بتجارب دول أخرى مثل المغرب والجزائر وجنوب أفريقيا، موضحاً أن ليبيا لم تتبع النهج نفسه، بل أنتجت نموذجاً غير قادر على تحقيق المصالحة، وهي قضية تعتبر مؤجلة منذ عام 2011.

وأشار إلى أن النماذج التي بُني عليها مشروع المصالحة، اعتمدت على تشريع ذو طبيعة استثنائية يصدر عن السلطة التشريعية أو الرئيس، مؤكداً أنه في ظل غياب رئيس للدولة، يجب أن يكون التشريع من مجلس النواب وأن ترأس اللجنة شخصيات مستقلة وغير طرفية، لتكون حيادية اللجنة معززة لقيم المصالحة الوطنية.

وأضاف أن نجاح أي حوار سياسي في ليبيا يعتمد على تحقيق العدالة والمساواة في المواطنة، مشدداً على أن التشريعات يجب ألا تتجاوز هذا الإطار لضمان استقرار الدولة وتحقيق السلام، كما حصل في تجارب دولية مختلفة، منها جنوب أفريقيا بعد صراعات التمييز العنصري.

وأوضح أن مصداقية مشروع المصالحة تتأثر بالجهات المشاركة فيه، مشيراً إلى دور الدكتور علي الصلابي، قائلاً إن مواقفه السياسية والدينية السابقة جعلت منه طرفاً مسيساً، ما يضعف حياد المشروع ويعقد إمكانية إنتاج تفاهمات وطنية.

كما أشار إلى أن بعض «تيارات المقاتلة» وجدت في فتاوى الصلابي مرجعية دينية ساهمت في تعزيز معارضة الدولة، وهو ما ينعكس سلباً على مسار المصالحة، مؤكداً أن أي استحقاق وطني، مثل المصالحة الوطنية، يتطلب حيادية الجهات المكلفة بتنفيذه.

واعتبر أن مشاركة شخصيات لها تاريخ سياسي طرفي في إدارة المشروع قد يعرقل إنتاج السلام والاستقرار، مشددا على أن بعض الأطراف، التي صاغت مواقفها في الماضي مع النظام السابق ثم تراجعت عنها بعد ثورة فبراير، لا يمكن الاعتماد عليها في قيادة مسار المصالحة.

وقال: إن مشروع المصالحة الوطنية في ليبيا بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة لضمان حياده واستقلاليته، وإلا فإن أي جهود مستقبلية قد تواجه الفشل نفسه الذي شهده المشروع حتى الآن، مبيناً أن أي مشروع مصالحة وطنية يجب أن يستند إلى تشريع استثنائي يحقق العدالة الانتقالية، وتشرف عليه هيئة مستقلة لا ترتبط بأي تيار سياسي أو مشروع عسكري أو أمني، مع توفير دعم مجتمعي ومالي مشروط بآليات رقابية لضمان استمرارية المصالحة.

وأشار إلى أن مشروع المصالحة الذي أطلقه الرئاسي يواجه تحديات متعددة، على الرغم من أن مجلس النواب قد أرسى البيئة القانونية المناسبة من خلال قانون العفو العام وإلغاء الحظر السياسي، مؤكداً أن المشروع لم يحقق النتائج المرجوة بسبب عدة عوامل.

ورأى «العبود» أن القيادة العامة للقوات المسلحة لعبت دوراً محورياً في إنتاج بيئة المصالحة الوطنية، من خلال إعادة المهجرين غير المرتبطين بالإرهاب، ورعاية أسر الشهداء والجرحى، وتأهيل الممتلكات المتضررة، مشدداً على أن هذه الجهود لم تلقَ الدعم الكافي من المجلس الرئاسي.

وأوضح أن نجاح تجربة مدينة مرزق جاء نتيجة دعم القيادة العامة للمشروع، وضمان جبر الضرر، وتأهيل البنية التحتية، وإعادة الحقوق للمواطنين.

واستنكر العبود، التخبط في إدارة ملف المصالحة داخل المجلس الرئاسي، لافتاً إلى أن الصراعات بين أعضائه، إضافة إلى التعيينات التي تعتبر طرفية، تقلل من مصداقية المشروع، وتضعفه أمام المكونات السياسية والاجتماعية.

وأشار إلى أن المؤسسات الحالية في ليبيا غير مؤهلة لإنتاج مشروع المصالحة الوطني بشكل فعال، خاصة في ظل الانقسامات العسكرية بين تشكيلات تابعة للمجلس الرئاسي والأركان ووزارة الدفاع.

وفي ذات السياق، قال العبود إن القيادة العامة للقوات المسلحة لعبت دوراً محورياً منذ الثورة في 2011، في هذا الجانب، مؤكداً أن المؤسسة لم تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل امتدت مشاريعها لتشمل الأمن القومي، حماية الحدود، التنمية، ودعم المواطنين، بما في ذلك جبر الضرر وتأهيل الممتلكات، ومساندة أسر الشهداء والجرحى والمهجّرين غير المرتبطين بالإرهاب.

وأضاف أن هذه الجهود لم تحظ بالاعتراف الكافي من السلطة السياسية في طرابلس، بما في ذلك المجلس الرئاسي وحكوماته المتعاقبة، التي تعاملت مع هذه الشريحة من منطق الخصومة السياسية.

وحذر «العبود»، من أن تعيين الصلابي كمستشار لهذا الملف قد يمثل خطراً على المشروع برمته، مشيراً إلى أنه لا يملك قبولاً واسعاً في معظم مناطق ليبيا، وخاصة بنغازي والبيضاء ودرنة وسرت والجنوب، وهي مناطق تسيطر عليها قوات الجيش، معتبراً أن وجوده كمستشار يجعل جميع الأطراف تشكك في جدية المجلس الرئاسي في إنتاج مصالحة حقيقية، كما انتقد استخدام الدين والفتاوى لأغراض سياسية، مؤكداً أن هذا يمس جوهر العقيدة الدينية ويقلل من موضوعية أي مشروع للمصالحة الوطنية، حتى لو كان المعني بها يحمل صفة مستشار.

ولفت إلى أن الصلابي سبق وأن شارك في مشاريع عديدة فشلت، وبالتالي فإن نجاح مشروع المصالحة يتطلب – بحسب العبود – استقلالية الجهات المكلفة، ووجود تشريع استثنائي من السلطة التشريعية، وعدم إدخال أي طرف خصم في المشروع، مع ضمان دعم شعبي ومالي.

وشدد على أن المؤسسات الحالية غير مؤهلة لإنتاج المصالحة، وأن أي تعيينات جدلية أو منحازة سيزيد من تعقيد الأزمة السياسية ويعطل فرص التسوية السياسية، مشيراً إلى أن نجاح المشروع يحتاج إلى رئيس منتخب ومستقل يضع المصالحة الوطنية ضمن أولوياته ويضمن حيادية جميع الأطراف.

وأشار المحلل السياسي، إلى أن الخصومة السياسية لا تعني عدم الاعتراف بإنجازات الطرف الآخر، مؤكداً أنه رغم اعتبار القيادة العامة للقوات المسلحة خصماً في بعض الصراعات السياسية، إلا أن الاعتراف بنجاحها ومشاريعها على الأرض يمثل خطوة أساسية لأي عملية مصالحة وطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى