ليبيا

بن شرادة: يجب استهداف الفساد قبل تحميل المواطن أعباء الإصلاح الاقتصادي

قال عضو مجلس الدولة الاستشاري، سعد بن شرادة، إن ما صدر عن مجلس النواب بشأن بعض الإجراءات الاقتصادية، لا يُعد قرارًا نهائيًا، بل مشروع قرار يهدف إلى التنظيم، مشددًا على أن المرحلة الراهنة تتطلب إصلاحات اقتصادية ليست عبر قرارات منفردة، بل من خلال حزمة إصلاحات متكاملة تحقق هدفًا واضحًا ومحددًا.

وأوضح بن شرادة، في تصريحات لقناة “سلام”، أن الاقتصاد الليبي يعاني تشوهات واضحة، كونه اقتصادًا ريعيًا يعتمد أساسًا على النفط كمصدر وحيد للعملة الصعبة، مع غياب التعقيدات الاقتصادية المعروفة في الاقتصادات المتنوعة، لافتًا إلى أن الإشكالية الرئيسية تكمن في ارتفاع مستويات الإنفاق مقارنة بالإيرادات، وهو ما أربك المشهد الاقتصادي العام.

وأشار إلى أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ بتشخيص مواضع الخلل، وفي مقدمتها الإنفاق الحكومي المرتفع لدى الحكومتين في الشرق والغرب، بما في ذلك أبواب الصرف المختلفة والمرتبات، معتبرًا أن تنظيم المرتبات بشكل إلكتروني يمكن أن يحد من الهدر ويوفر جزءًا مهمًا من الإنفاق.

وأكد بن شرادة، أن القرار المطروح يكتسب أهميته من كونه يستهدف الحد من استيراد السلع غير الأساسية، مشيرًا إلى أن ليبيا تستنزف مليارات الدولارات سنويًا في استيراد الكماليات، من بينها الهواتف وملحقاتها، حيث قد تصل قيمة الاعتمادات إلى نحو 15 مليار دولار.

وبيّن أن أي قرار يهدف إلى تقليل الصرف وضبط النفقات يُعد جيدًا من حيث المبدأ، إلا أن تطبيقه يجب أن يكون مشروطًا بعدم تحميل المواطن أعباء إضافية قبل معالجة الملفات الأهم، وعلى رأسها الفساد والتهريب، مشيرًا إلى أن تهريب الوقود وحده يُقدَّر بنحو ثلاث مليارات دولار، إضافة إلى تهريب سلع أخرى وسيارات إلى خارج البلاد.

وشدد بن شرادة، على أن فرض الضرائب والرسوم على المواطنين، مثل الرسوم الجمركية على السيارات، يجب أن يأتي بعد اتخاذ إجراءات حازمة للحد من الفساد والتهريب وضبط الإنفاق العام، مؤكدًا أن الأولوية ينبغي أن تكون لمعالجة هذه الاختلالات قبل نقل الأعباء إلى المواطن.

وأكد أن مجلس الدولة ليس مختصًا باتخاذ القرارات الاقتصادية الصادرة عن مجلس النواب، موضحًا أن دوره يقتصر على الجهة الاستشارية وفق الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015، مشددًا على أن أي قرار اقتصادي يجب أن يُناقش بعد دراسة شاملة من قبل الجهات المختصة، لا أن يتحول المواطن إلى الحلقة الأولى لتحمل الأعباء.

وأشار إلى أن الاعلى للدولة، عبر اللجنة الاقتصادية، عقد ورشة عمل بمشاركة مجلس أصحاب الأعمال والشركات التعاونية والقطاع الخاص، وتوصل إلى أن أي خطوات تهدف إلى فرض الرسوم أو الضرائب يجب أن تبدأ أولًا بمحاسبة الفاسدين ومكافحة التهريب ونهب أموال الدولة، قبل فرض أي أعباء مالية على المواطنين.

وأوضح بن شرادة، أن المواطن الليبي وصل إلى حد استنزاف الصبر جراء القرارات التي تؤثر مباشرة على جيوبه، مثل تخفيض قيمة الدينار أو فرض ضرائب على السلع والدولار، محذرًا من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تفاقم الاحتقان الشعبي، رغم قلة الاعتراضات الاحتجاجية مقارنة بالمستويات السياسية.

وأشار إلى أن مصرف ليبيا المركزي، رغم اختصاصه بالسياسات النقدية وإدارة أموال الدولة، يواجه تحديات كبيرة، إذ يعتمد على عائدات النفط كمصدر رئيسي للعملة الصعبة، مشيرًا إلى أن غياب قانون موازنة منذ عام 2014 يجعل عملية الصرف غير منظمة، ما يزيد من تعقيد أي جهود لإصلاح الاقتصاد دون تحميل المواطن أعباء إضافية قبل معالجة الملفات الأساسية.

وأكد أن مشروع القرار لا يزال في طور الدراسة داخل مجلس النواب، وأن أي تقييم له يجب أن يوازن بين الجوانب الإيجابية والسلبية، مع التأكيد على أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة الفساد وضبط الإنفاق قبل فرض الرسوم أو الضرائب على المواطنين.

وأوضح بن شرادة، أن ارتفاع إيرادات النفط الليبية في العامين 2024 و2025، رغم تأثيره الإيجابي على الدولة، لا يعني بالضرورة تحسن السيولة المالية، موضحًا أن الاعتمادات المستندية ارتفعت فقط بفعل فروق أسعار النفط العالمية، بينما يظل الصرف العام مرتبطًا بالإنفاق الفعلي الذي تتجاوزه أحيانًا الإيرادات، ما يضع المصرف المركزي في موقع محدود أمام تحديات ضبط سعر الصرف.

وأشار إلى أن توزيع المصروفات على أبواب مثل الباب الأول بـ 63 مليار، والباب المحروقات بـ 24 مليار، والباب الثالث بـ 9 مليار، يجعل المصرف المركزي مضطرًا أحيانًا إلى تعديل سعر الصرف لتعويض الفجوة بين الإيرادات والنفقات، مشددًا على أن أي محاولة لخفض قيمة الدينار دون معالجة الإنفاق العام يؤدي إلى أضرار اقتصادية مباشرة.

وأكد أن المسؤولية لا تقع على المصرف المركزي وحده، بل يجب أن تتضافر جهود وزارة الاقتصاد في تحديد السلع الاستيرادية الضرورية وتحديد أولويات الاستيراد، مع توجيه المصرف المركزي لتنفيذ هذه السياسات بدقة، موضحًا أن أي خرق لهذه التعليمات سيكون مسؤولية المصرف المركزي.

ولفت إلى أن الكماليات والسلع غير الأساسية يجب أن تخضع لتقييم وزارة الاقتصاد، بحيث لا يتم صرف اعتمادات عليها إلا بعد التأكد من الحاجة الفعلية للسوق المحلية، مشددًا على أن هذا الإجراء ليس معقدًا أو نظريًا، بل مسألة تنظيمية واضحة يمكن تطبيقها فورًا.

وأضاف أن هناك خطوات عملية يمكن اتخاذها قبل حلول شهر رمضان المبارك لضبط الإنفاق وتحقيق كفاءة أكبر في إدارة الأموال العامة، مؤكدًا أن أي إصلاح اقتصادي يجب أن يسبق فرض أي ضرائب أو رسوم على المواطنين، مع التركيز على معالجة الاختلالات الأساسية في السياسات المالية والحد من الهدر والفساد.

وأوضح بن شرادة، أن اللجنة الاقتصادية بالمجلس ركزت خلال اجتماعها مع مجلس الأعمال الليبيين والشركات التعاونية على تمويل الإصلاحات خارج ميزانية الدولة، مؤكدًا أن المشكلة الرئيسية ليست في إصدار القرارات أو التشريعات، بل في تطبيقها على الأرض، خصوصًا في ظل وجود حكومتين منفصلتين.

وأشار إلى أن ليبيا تمتلك قوانين قديمة تنظم الواردات منذ عام 1952 وقوانين أخرى من عام 1992، مضيفًا أن التشريع متوفر، لكن التنفيذ الفعلي هو ما يحتاج إلى ترتيب وعناية.

وأكد أن ضبط التهريب يلعب دورًا محوريًا في توفير الموارد: فعلى سبيل المثال، بعد منع تهريب الفلفل انخفض السعر من 12 إلى 3 جنيهات، وفي الزيت والدحي شهدت الأسعار انخفاضًا ملحوظًا خلال يومين فقط.

ولفت إلى أن عدم وجود آليات فعالة للتنفيذ يعود جزئيًا إلى انتشار السلاح غير القانوني، حيث يوجد نحو 25 مليون قطعة سلاح في ليبيا، وهو ما يعوق تطبيق القرارات الاقتصادية وضبط السوق. وأضاف أن ضبط التهريب يمكن أن يوفر مليارات الدولارات، والتي يمكن أن تستخدم لدعم الاقتصاد واستقرار سعر العملة، قبل التفكير في فرض أي ضرائب أو رسوم على المواطنين.

وشدد بن شرادة، على أن الإصلاح الاقتصادي الفعال يبدأ أولًا بمعالجة الملفات الأساسية مثل تهريب الوقود والسلع والكماليات، وتفعيل سياسات وزارة الاقتصاد والمصرف المركزي، مع توفير آليات واضحة للرقابة والتنفيذ، مؤكدًا أن هذه الإجراءات العاجلة يمكن أن تحقق نتائج ملموسة قبل حلول شهر رمضان، وتخفف الأعباء عن المواطنين دون الانتظار للتشريعات طويلة المدى.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى