ليبيا

قرادة: الأطراف الليبية غير قادرة على التعامل مع التحولات العالمية الجديدة

قال المدير التنفيذي للمعهد الدولي للدراسات الليبية، إبراهيم قرادة، إن الإدارة الأمريكية الحالية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، قد تسعى لإعادة تشكيل النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من دون الإعلان رسميًا عن انهياره.

وأضاف قرادة، في تصريحات لقناة “الوسط”، أن النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية استمر حتى سقوط جدار برلين، عندما هيمنت القوى الغربية في إطار القطب الواحد، قبل أن يبدأ منذ عام 2017 توجه واضح نحو تعدد القطبية.

وأوضح قرادة، أن بروز الصين وروسيا، إلى جانب مجموعة “بريكس” التي تضم البرازيل والهند وجنوب أفريقيا، ساهم في تنويع الاقتصاد العالمي بسرعة أكبر مقارنة بالهيمنة الاقتصادية الأمريكية، رغم استمرار التفوق العسكري للولايات المتحدة.

وأشار إلى أن السياسة الخارجية لترامب اتسمت بما وصفه بـ”الصفقات الكبيرة والمتقلبة”، والتي شهدت صعودًا وهبوطًا خلال فترات قصيرة، مع التركيز على إعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية على المناطق الغربية من الكرة الأرضية، رغم بعض التحولات الدولية، مثل التغير في دور البرازيل ومسألة غرينلاند.

وتابع: تصريحات ترامب حول عدم استيلاء الولايات المتحدة على غرينلاند جاءت نتيجة ردود فعل حادة من عدة دول أوروبية كألمانيا وبريطانيا وفرنسا والدول الإسكندنافية، بالإضافة إلى معارضة أعضاء جمهوريين في الكونغرس ورئيس الوزراء الكندي، مما اضطر الإدارة الأمريكية لإعادة تقييم حساباتها.

وبينّ قرادة، أن القوة الاَحادية للولايات المتحدة، التي هيمنت منذ 2017، تواجه اليوم تحديات كبيرة في ظل تعدد القطبية، خاصة مع توقيع كندا والاتحاد الأوروبي اتفاقيات تجارية كانت متعثرة لعقود، ما يفرض على واشنطن مراجعة سياساتها الدولية.

ولفت إلى أن هناك تساؤلات حول ما إذا كان المشروع الذي يقوده ترامب لتفكيك النظام العالمي سيتمكن من الاستمرار أمام الانتخابات المقبلة للكونغرس، موضحًا أن “مجلس السلام العالمي” قد يلعب دورًا موازياً لمجموعة بريكس، لكنه حتى الآن لم يصدر عنه أي وثيقة نهائية، وأن مشاركة دول مهمة مثل بعض الدول العربية وإيران وباكستان لم تتضح بعد، في حين رفضت دول قريبة من أمريكا، مثل كندا، الانضمام للمجلس.

ونوه قرادة، إلى أن التحديات التي تواجه الولايات المتحدة داخل وخارج حدودها تجعل من استمرارية هذا المشروع التفكيكي أمرًا غير مؤكد، مشيرًا إلى التعقيدات الداخلية والدولية التي قد تعرقل تحقيق أهدافه.

وقال قرادة، إن دولًا عديدة قبلت الدعوة للانضمام إلى مجلس السلام العالمي بدوافع متعددة، أبرزها تحقيق مصالح اقتصادية، وتعزيز النفوذ الإقليمي، وموازنة القوى الدولية، مضيفًا أن قائمة الدول التي انضمت شملت دولًا مهمة في منطقتنا مثل السعودية وتركيا ومصر، بالإضافة إلى باكستان والإمارات وقطر، بينما ظهرت بعض الدول الكبرى مثل الصين وروسيا، فضلاً عن كندا والاتحاد الأوروبي، متحفظة تجاه المبادرة.

وأوضح أن طريقة إدارة هذه المبادرة تحتوي على اندفاع وتقسيم للقوة، مشيرًا إلى عمليات نوعية وسريعة مثل تدخل الولايات المتحدة في فنزويلا، مع التأكيد على أن التجارب السابقة أثبتت صعوبة تحقيق الأهداف الأمريكية على الأرض، كما حدث في العراق وأفغانستان، حيث نجحت الولايات المتحدة في الدخول لكن بعد عشرين عامًا لم تتمكن من تنفيذ أهدافها بالكامل.

وأشار إلى أن عدم اليقين حول نجاح واستمرارية المشروع دفعت بعض الدول إلى الحذر في الانضمام، مضيفًا أن تصريحات دول متوسطة الحجم مثل كندا والسويد تعكس هذا التحفظ، كما أظهرت التجارب السابقة، مثل الحملة الانتخابية لترامب وسياسة الحرب الأوكرانية، صعوبة فرض اتفاقيات أمريكية بسبب مواقف الدول الأوروبية رغم ضعفها النسبي.

وأضاف قرادة، أن المواجهة الحالية في السياسة الأمريكية مرتبطة بصعود الصين اقتصاديًا وعسكريًا، متسائلًا عن جدوى مجلس السلام في تنفيذ أهدافه الاقتصادية والعسكرية، خصوصًا في ظل الصراعات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، مثل الصراع بين المحور “المصري – التركي – السعودي – الباكستاني”، والمحور “الإماراتي – الهندي”، مؤكدًا أن كل هذه العوامل تمنح المجلس “ورقة قوية” سواء نجح أو فشل، وأن النتائج العملية للمشروع مرتبطة بتوازن القوى على الأرض واستجابة الدول الكبرى والمستويات الاقتصادية والعسكرية المختلفة.

وحول الملف الليبي، أكد قرادة، أن النشاط المتزايد للفاعلين المحليين والإقليميين في شرق وغرب ليبيا، إلى جانب تحركات بعض الدول الإقليمية والعالمية، يمثل تحديات وفرصًا معقدة لليبيا ودورها الإقليمي، محذرًا من تناقض محتمل بين مسار مجلس السلام العالمي وعمل البعثة الأممية، خصوصًا أن الولايات المتحدة تمثل الممول والموجه الأساسي للبعثة، ما قد ينعكس سلبًا على المشهد السياسي والواقع على الأرض.

وأردف: أن الصراعات الإقليمية في اليمن مثلاً، قد تنتقل آثارها إلى ليبيا، إضافة لاحتمالية معالجة بعض القضايا ليس في إطار سيادة الدولة، بل على شكل مناطق أو أقاليم جزئية، ما يثير مخاوف من تقسيم البلاد فعليًا.

وحول الموارد الليبية، شدد قرادة، على دور النفط الليبي في أوروبا بعد فقدان الاعتماد على النفط الروسي، مؤكدًا أن النفط الليبي أصبح عنصرًا محوريًا في أمن الطاقة الأوروبي، بينما تسعى الولايات المتحدة للسيطرة على السوق العالمي، ما يزيد الضغوط على ليبيا.

ورأى قرادة، أن الأطراف الليبية المحلية تعاني من تآكل قدراتها السياسية والإدارية، ولا تمتلك الإمكانية الكافية للتفاعل مع الضغوط والتحديات الإقليمية والدولية في ظل الظروف الراهنة، محذرًا من أن هذا الوضع يجعل ليبيا أكثر عرضة للتأثير الخارجي والتدخلات المحتملة.

وختم قرادة، بالقول إن التحديات الراهنة تتطلب وعيًا دقيقًا من الأطراف الليبية لتجنب الانزلاق نحو مزيد من الارتباك والصراعات الإقليمية، مؤكدًا على أهمية حماية السيادة الليبية والموارد الوطنية في هذه المرحلة الحرجة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى