المر: تراجع الانخراط الأمريكي المباشر أسهم في جمود الملف الليبي نسبيًا

اعتبر الخبير في العلاقات الدولية، إلياس المر، أن النظام العالمي الحالي يمر بمرحلة انتقالية حرجة، محذرًا من قطيعة محتملة في البنية التقليدية للسلطة العالمية، وليس مجرد تغيير جزئي.
وأوضح المر، في تصريحات لقناة “الوسط”، أن العالم يشهد ما وصفه بـ “مرحلة المخاض”، مع نهاية العام الأول لولاية الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب الثانية، مشيرًا إلى الانتقال من نظام عالمي قائم على الاَحادية القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب، بقيادة ما أسماه المحور الشرقي المتمثل في روسيا والصين.
وأوضح أن ترامب سعى لترسيخ زعامة الولايات المتحدة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، مؤكدًا أن القوة الأمريكية لم تُستخدم فقط في مواجهة المحور الشرقي، بل شملت أيضًا الحلفاء التقليديين مثل بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بهدف فرض التفوق الأمريكي على العالم بأسره.
وأشار المر، إلى أن سياسات ترامب قد تفضي إلى نتائج عكسية نتيجة تغير مواقف الحلفاء التقليديين وظهور تضامن محتمل بين الخصوم التقليديين والحلفاء الحاليين، معتبرًا أن فرض أي سياسة خارجية على هذا المستوى ينطوي على العديد من المخاطر والتعقيدات.
وأكد المر، أن الرئيس الأمريكي يمثل مدرسة “اليمين الجديد” داخل الولايات المتحدة، التي تختلف جذريًا عن المدرسة الأوروبية التقليدية، مشيرًا إلى مواقف ترامب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودوره وفعاليته وتمويله، إضافة إلى سياساته تجاه المؤسسات الدولية مثل محكمة العدل الدولية ووكالة الأونروا، حيث سعى لتعطيل أو الانسحاب من بعضها.
وفيما يتعلق بمجلس السلام العالمي الجديد الذي أُعلنه ترامب مؤخرًا، أوضح المر، أن الهدف منه ليس مجرد وظيفة مساعدة، بل يسعى لأن يكون نموذجًا بديلًا للنظام العالمي القديم، يعطل دور الدول الخمس الكبرى صاحبة حق الفيتو في الأمم المتحدة، مع الحفاظ على قيادة الولايات المتحدة للهيئات الإدارية الجديدة، ما يجعل من هذا المشروع خطوة استراتيجية لإعادة رسم خريطة السلطة الدولية.
وأكد المر، أن هذا التوجه يعكس رؤية “ترامبية” غير مؤسسية، مشيرًا إلى أن ترامب ليس مجرد فرد، بل يمثل تيارًا واسعًا داخل النظام السياسي الأمريكي يمتد تأثيره خارج الأطر الحزبية التقليدية، مؤسسًا لتيار يحمل بصماته على السياسة الخارجية الأمريكية الحالية.
وأضاف المر، أن ترامب يعتمد نموذجًا قائمًا على القوة والتحالفات الاستراتيجية والصفقات الأمنية والاقتصادية بدلًا من القانون الدولي والمؤسسات التقليدية، معتبراً أن المشروع الأمريكي الجديد يواجه سيناريوين: إما النجاح في تكريس الولايات المتحدة كقوة وحيدة مركزية على المستوى العالمي، أو الفشل الذي قد يمنح دفعًا إضافيًا للمحور الشرقي لتعزيز التعددية القطبية.
وأشار المر، إلى المجلس الجديد في غزة، مؤكدًا أن جغرافية غزة الصغيرة لا تتطلب مجلسًا يضم 60 دولة، مشيرًا إلى أن المجلس لا يقتصر عمله على غزة، بل يمتد إلى الضفة الغربية، ويهدف إلى إلغاء حل الدولتين التقليدي، ما قد يؤدي إلى إدارة شؤون الشعب الفلسطيني دون إطار دولة، في محاولة لإنهاء مبادرة بيروت عام 2002 وتقويض أي شروط أساسية للانضمام إلى المصالحة الإبراهيمية، بما في ذلك الدور المركزي للمملكة العربية السعودية.
وأوضح أن المجلس الجديد يسعى كذلك إلى استكمال مشروع التطبيع في المنطقة، ويضعف دور الدول الفاعلة إقليميًا مثل تركيا وإيران والسعودية، حيث سيكون لها خياران فقط: الانضمام للمجلس أو البقاء على الهامش بدون صوت مؤثر، مؤكدًا أن تأثير المجلس يمتد لما هو أبعد من غزة ويهدف إلى إعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط.
وأشار المر، إلى أن شرط المليار دولار المرتبط بعضوية المجلس يمثل التزامًا تمويليًا مشروطًا يعكس قوة الولايات المتحدة ودور ترامب في تأسيس المجلس، محذرًا من أن استمرارية المجلس بعد انتهاء ولاية ترامب غير مضمونة، خاصة إذا جاءت إدارة أمريكية جديدة تختلف في سياساتها، إذ قد تتوقف الدول عن دفع الاشتراكات أو تسعى لاسترضاء الرئيس الجديد.
وعلى صعيد الصراعات الدولية، اعتبر المر، أن الحرب “الروسية – الأوكرانية” أداة استراتيجية لترامب لاستنزاف روسيا وأوروبا، وإلهاء الاتحاد الأوروبي عن ملفات أخرى، وزيادة اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة كمصدر بديل للطاقة والأسواق الصناعية، مؤكدًا أن الحرب لن تتوقف بسرعة لأنها تتماشى مع عقيدة أمريكية تقوم على استنزاف الخصوم تدريجيًا دون تكبد خسائر مباشرة.
وحول ليبيا، شدد المر، على أن موقعها الجغرافي كبوابة أفريقيا نحو المتوسط يجعلها محط اهتمام إقليمي ودولي، ليس فقط كدولة سيادية، بل كمنصة للفاعلين الخارجيين. وأوضح أن تراجع الانخراط الأمريكي المباشر، والاكتفاء التركي بالحفاظ على مكتسباته الاستراتيجية، بالإضافة إلى العلاقات الإيجابية المتزايدة لتركيا مع روسيا ومصر ودول الخليج، جعلت الملف الليبي في مرحلة جمود نسبي، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة أو الوصول إلى حل شامل، مؤكدًا أن هذه العوامل تؤثر على الأمن الأوروبي والطاقة والنفوذ العسكري وتزيد من هشاشة الوضع الداخلي.
وختم المر، بالتأكيد على أن المبادرات الدولية الجديدة، بما فيها مجلس غزة، ستشكل اختبارًا لقدرة الدول على حماية سيادتها ومصالحها في مواجهة التغيرات الإقليمية والدولية، معبّرًا عن القلق من أن يكون دور ليبيا مستقبليًا محدودًا كمنصة للفاعلين الإقليميين والدوليين، وليس كدولة قادرة على التحكم في مسارها السياسي والاستراتيجي.









